حلـــم “البلديـــة الذكيــة” يربـك المصالـــح المحليـــة في زمــــن الرقمنــــة

المقرات الضيقة للبلديات والانترنيت المتذبذبة تعطله إلى حين

توسيع مقرات البلديات والدوائر مع رقمنتها بمعية الولاية، تعزيز مجالات الانترنيت، تكوين العاملين وتأطيرهم، تحسين الخدمة على مستوى الإدارة العمومية.. هي محاور أساسية مطلوبة لتمكين عاصمة البلاد من فرصة الرقي إلى مصاف العواصم العالمية وتجسيد حلم اللجنة الولائية للاتصال وتكنولوجيات الإعلام التي تسابق الزمن لتجسيد مشروع “البلدية الذكية”، غير أن الواقع بما يفرضه من عدم جاهزيته لاستيعاب النقلة النوعية أجّل المشروع، الذي تم الإعلان عنه إلى حين .

تراهن مصالح ولاية العاصمة بالتنسيق مع وزارة الداخلية والجماعات المحلية على تنفيذ برنامج مخطط العصرنة، الذي تسعى اللجنة الولائية  للاتصال وتكنولوجيات الإعلام إلى تجسيده على أرض الواقع عبر بلديات العاصمة، في حين يواجه المشروع العديد من الصعوبات والعوائق، بدءا من ضيق مقرات البلديات ودوائرها، مرورا إلى افتقار أغلبيتها لشبكة الانترنيت أو انقطاعاتها المتكررة هذا إن وجدت، وصولا إلى نقص تأطير وتكوين العاملين، في حال الوصول إلى “البلدية الذكية”.
والبرنامج التكنولوجي ارتأت اللجنة إلى رسمه على أرض الواقع من أجل إلحاق عاصمة البلاد إلى مصاف الدول المتطورة، تزامنا مع الإصلاحات التي أقرتها  وزارة الداخلية والجماعات المحلية منذ أزيد من سنة، فيما يخص رقمنة البلديات وحتى المحاكم، بعد أن أصبح بإمكان المواطن استخراج شهادة الجنسية عن بعد، وهذا ما تسعى اللجنة إلى تحقيقه في الأفق، في مجال استخراج وثائق الحالة المدنية، بعد تحويل البلدية “الكلاسيكية” إلى “الذكية”، هذه الأخيرة توصل مع مقاطعاتها الإدارية والولاية عن طريق قاعدة بيانات وشبكة الألياف البصرية.
البلدية الذكية لن تكون دون بنك معلومات رقمي يصلها بالمصالح الولائية
يقوم برنامج “البلدية الذكية” على جمع البيانات المحلية بما فيها من مشاكل ومشاريع وقيمة المــــيزانية وغيــــرها في بوتقة واحدة على الشبكة العنكبوتية، ترتقي بالخدمة إلى مستوى العالم الرقمي الذي أضـــحى يرســــم معالم العواصم الدولية، حيـــث كشف زوبير أعمر سعيدي، رئيس لجنة الاتصال وتكنولوجيات الإعلام بالمجلس الشعبي الولائي لولاية الجزائر، لـــ”وقت الجزائر” أن البرنامج يعتمد بالدرجة الأولى على تطبيق تكنولوجيات الإعلام في الإدارة العمومية، عن طريق خلق قاعــدة بيانية خاصة بالبلدية تحتوي على جميع المشاريع ومشاكل البلديات، هذه الأخيرة توصل بمقاطعاتها الإدارية عن طريق شبكة الألياف البصرية، ليتم بعد ذلك ربطهما بالولاية. العملية تمس كامل بلديات العاصمة الــــ57، التي تكون قد زودت بموقع الكتروني محمي، للتواصل مع المواطنين بكل سهولة، بحيث يستطيع أي مواطن تصفح هذه الأخيرة ومعرفة كامل المشاريع الآنية وحتى نسبة إنجازها، أو أسباب تعطلها، في ظرف ثوان معدودة، مضيفا إلى مساعيه بعد تجسيد البرنامج تحويل استخراج بطاقة التعريف ورخصة السياقة من المقاطعة الإدارية إلى البلدية لتخفيف الضغط عليها، موضحا أن البرنامج ما يزال في مراحله الأولى، نظرا لعدم إتمام كامل الخرجات الميدانية التي لا تزال متواصلة عبر إقليم الولاية، كاشفا أن الهدف منه تسهيل عملية الاتصال وتقريب الإدارة مع المواطن، وكذا التخفيف من عناء التنقل وانتظار الطوابير اللامتناهية أمام مقر البلدية، للظفر بدور لمقابلة “المير”.
 
ضيق المقرات المحلية يرهن تجسيد البلدية الذكية
في زمن الرقمنة

يضطر المواطن العاصمي، إلى الرضوخ لما يقدم له من خدمات كلاسيكية في زمن الرقمنة والقبول بالعروض الموجودة في ظل المشاكل الكثيرة التي أعاقت تجسيد “البلدية الذكية”، ففي الوقت الذي نتحدث عن إمكانية المواطن الاتصال بمسؤوليه المحليين، مباشرة باستعمال الانترنت الذي يوفر الوقت والجهد معا، من خلال تجسيد البرنامج التكنولوجي، ما يزال أغلبية سكان العاصمة محرومين من هذه الخدمة، بسبب عدم ربط بلدياتهم بهذه الشبكة كما هو حال بلدية بئر توتة، خرايسية، معالمة وغيرها من البلديات شبه الريفية، وهذا ما وقفت عليه اللجنة خلال زيارتها للعديد منها، ما يحتم عليها خلال الندوة الولائية التي تستعد تنظيمها مع نهاية الخرجات، إجبار المرافقين لعملية العصرنة وربط شبكة الانترنيت والألياف البصرية وكذا قاعدة البيانات، المتمثلة في مؤسسة “اتصالات الجزائر” تقديم خدمة نوعية للبلديات، من أجل تفادي الانقطاعات المتكررة للشبكة، التي تؤثر على البرنامج من جهة وعلى المواطن من جهة أخرى، لاسيما بعد تجسيد البرنامج الذي يعتمد بالدرجة الأولى على شبكة الانترنيت و”الانترنات”.
وبحديثنا عن المواقع الالكترونية التي من المفروض توفرها في كامل البلديات، نجد أن 80 بالمائة من البلديات لا تملك موقعا الكترونيا، أما البلديات التي تملكه، فتعد على الأصابع وهو شكلي فقط، فمن بين57 بلدية أربع أو خمس بلديات فقط تملك موقعا باستثناء بعض المبادرات الشخصية التي يقوم بها بعض الشباب لنشر بعض المستجدات والانشغالات ببلدياتهم، وحتى إن توفرت الشبكة في بلديات أخرى، إلا أن مسؤوليها لم يكلفوا أنفسهم عناء تزويدها بمواقع إلكترونية، لإيصال كافة المعلومات للمواطن والتواصل المباشر معه، والتكفل الأفضل بانشغالاته في أقل وقت ممكن، حيث يبقى المواطن رهينة أساليب الاتصال التقليدية التي تضطره إلى التنقل إلى مقر البلدية لطرح انشغاله على رئيس البلدية، الذي لا يحظى في أغلبية الأحيان باستقباله، خاصة إذا لم تكن الزيارة خلال يوم الاستقبال.
وبعيدا عن مشكل الانترنيت والمواقع الكترونية، تحدث أغلبية رؤساء البلديات خلال لقائهم بأعضاء اللجنة، عن المشاكل التي تعيق وتواجه البرنامج، ومن بينها مشكل المقرات الضيقة، التي لا تضم بعضها حتى قاعات انتظار، مثلما هو الأمر لبلديات حسين داي، بلوزداد، المقرية، جسر قسنطينة، الحراش، الدرارية وغيرها من البلديات التي اشتكى مسؤولوها من وضعية المقرات غير اللائقة، وأدرجوا مشاريع لإقامة أخرى لائقة، نظرا للفوضى التي تعرفها خاصة أيام الاستقبال، حيث أوضحوا أنه لا يمكن تجسيد البلدية الذكية أو الالكترونية وحالة أغلب المقرات كارثية.
 
طموحات لرقمنة البلديات بجهود عمال لا يتعدى أجرهم 14 ألف دينار
يرمي المسؤولون إلى الارتقاء بالخدمة المقدمة إلى المواطن وتسهيل عمل موظفي البلدية في وقت تجاهلوا فيه تسوية وضعياتهم المهنية، بتمكينهم من أجر يحفظ كرامتهم، حيث وخلال الخرجات الميدانية التي قادتنا إلى مختلف المقاطعات الإدارية بالعاصمة، صدمتنا حقيقة يعاني منها أغلب العمال والموظفين في البلديات والدوائر الإدارية، حيث يعملون في إطار عقود ما قبل التشغيل بأجر لا يتعدى 14 ألف دينار، في حين يعانون الضغط طول أيام الأسبوع بسبب العدد الهائل من الوثائق المستخرجة أو الملفات المستقبلة كملفات جواز السفر أو بطاقات التعريف وحتى الرمادية، حيث تصل في بعض المقاطعات الإدارية كالدرارية الحراش وبئر توتة، آلاف الملفات في اليوم، ما أدى بالمسؤولين المحليين مناشدة السلطات إعادة النظر في عقود ما قبل التشغيل، التي يتم توظيف بها فئة كبيرة من الشباب المتخرج، وفي هذا الشأن، تطرق هؤلاء إلى مشكل غياب التأهيل والتكوين في مجال الإعلام وتكنولوجيات الاتصال بالنسبة للعمال، مشيرين إلى استحالة تجسيد البرنامج أمام انعدام تكوين في ذات المجال، وكذا الأجر المتدني الذي يتقاضاه العامل.
 
البلديات دون شبكة
للألياف البصرية

مشكل آخر وقفت عليه اللجنة، تمثل في افتقار أغلبية فروع البلديات والدوائر إلى شبكة الألياف البصرية، كما هو حال بلدية بئر توتة التي تضم لوحدها ما يزيد عن 72 ألف نسمة، بالمقابل ملحقة واحدة مربوطة بألياف بصرية، في حين تبقى الملحقتان الأخريان غير مزوّدتين بالشبكة، بالرغم من أن عملية الربط التي تقوم بها مؤسسة “اتصالات الجزائر” انطلقت منذ أزيد من سنة، حسب ما أكده رئيس اللجنة، كما أن بلدية بئر توتة ليست الوحيدة التي تعاني من مشكل فالعديد من البلديات كالعاشور، خرايسية بابا حسن، دار البيضاء وكذا بلدية الدويرة التي تفتقر كل ملحقاتها السبع إلى الألياف، ما يشكل عائقا بالنسبة للجنة في حال تم تطبيق في المستقبل القريب برنامجها التكنولوجي، إلى جانب المعاناة التي يتكبدها المواطن من أجل التنقل إلى غاية بلدية الأم لاستخراج وثائقه المرجوة، وعن سبب عدم إيصال الفروع والملحقات بشبكة الألياف البصرية، فتبرأ أغلبية الرؤساء منه، ملقين المسؤولية على مؤسسة “اتصالات الجزائر” التي كلفت بهذه المهمة. من جهة أخرى، كان للمؤسسة المسؤولة رد على الاتهامات التي أطلقها الأميار، حيث أرجعت المؤسسة، أن السبب يعود إلى مشكل الإمكانيات والأجهزة المستعملة لربط البلديات بفروعها، التي لا تكفي لجميعها، كما تحدثت عن المشاكل التقنية وأخرى تتعلق بالــــبلدية ومدى دراستها للمشروع. وأمام هذا الوضع والواقع الذي يواجه البرنامج المزمــــع تجسيده في إطار عصرنة الإدارة العموميـــة وتحسين الخدمة للمواطن، تراهن اللجنة وترفع تحديات لاختزال العواقب التي تحد من تجسيد هذا المشروع، باعتبار معالم هذا الإنجاز تبدأ بالظهور على أرض الواقع مع نهاية السنة الجارية، حسب ما أكده مسؤولو اللجنة.
روبورتاج: اسمة عميرات

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *