“حولــــت آلام العبيــــد إلى فـــــرح..”

الفنان هواري بحاز لـ”وقت الجزائر”:

 كانت فرقة “ديوان الجزائر”، التي تأسست سنة 1997، أول فرقة “ديوان” تعتلي المنصات وتتواصل مباشرة مع الجمهور العريض، على الرغم من ان هناك العشرات من الفرق المتخصصة في هذا النوع من الموسيقى التقليدية، مخرجة هذا الفن القديم من المحلية إلى الوطنية، لتسير به قدما نحو العالمية.. هواري بحاز، مؤسسها وفنانها الأول، يتحدث عن هذه المسيرة الصعبة التي كللت بالنجاح، ويستذكر بداياته مع أخيه الراحل بن عيسى، وتاريخ عائلته المليء بالأسى والذي غلبه الأمل..

“وقت الجزائر”: شرفتم الجزائر في محافل موسيقية دولية، بموسيقى الديوان وبآلة القومبري التقليدية، حدثنا عن ذلك..
هواري بحاز: شرفنا الجزائر في عدة محافل موسيقية دولية، فرنسا، كوبا، وغيرها. كانت انطلاقتنا صعبة لكن المرحوم بن عيسى أعطاها دفعا قويا بفضل إرادته وحبه لهذا الفن. كل ما أقدمه حاليا هو بفضل بن عيسى، أخي الأصغر الذي فارق الحياة سنة 2008، كنا نعيش في بيت واحد، وكنا نسهر حتى ساعات متأخرة من الليل، يرافقنا القومبري دائما، هو يعزف وأنا استمع.. بالنسبة لي فإن بن عيسى لا يزال حيا، وكل ما قدمته خلال مسيرتي الفنية هو بفضله وتكريم لروحه.
 
لماذا التراث؟ ولماذا “الديوان” تحديدا؟
الديوان هو ترجمة عميقة لمعان إنسانية راقية.. أواصل ما بدأه أجدادي.. أحول الألم إلى نغم.. فلطالما حول أجدادي آلام عبوديتهم إلى فرح نغمي.. كانت إحدى جداتي “معلمة” معروفة في غرداية، كانت تعرف باسم “المعلمة مسعودة”، كانت هناك جارية بعد ان تم اختطافها أيام يفاعتها، وكانت المرأة الوحيدة التي تعزف القومبري، الذي يمثل لعائلتنا رمزا تراثيا وثقافيا وحتى دينيا.. انه شيء يتعلق بسلالتنا، وبدمنا.. أصلنا الذي يحفظ ذاكرتنا وانتماءنا.. البامبارا والهاوسا هما القبيلتان المسلمتان اللتان خلقتا هذا الفن.. وهما أصولي.. كانتا قبيلتين مسلمتين، يؤدي أفرادها الصلاة والشعائر الدينية الإسلامية، مسجدهما كبير ومعروف في تومبوكتو، كان آنذاك مسجد السودان الكبرى.. باماكو كانت عاصمة للسودان الأكبر، كان العبيد يؤتى بهم إلى هناك.. أيامها كانت السودان أمة واحدة لم يطلها التقسيم الجغرافي ورسم الحدود المعروفة حاليا. جاءت جدتي من هناك، جيء بها إلى غرداية كجارية، عاشت هناك وتزوجت. اشتراها الميزابيون.. كانوا الوحيدين الذين يشترون العبيد من هاتين القبيلتين، وكان عبيدهم يدخلون الإسلام ويؤدون فن الديوان. أكثر من كان منهم بغرداية ينحدر من هاوسا أو بامبارار، لأن شرط الميزابيين هو ان يكون عبيدهم منهما، ولا يرضون بغيرهم. كانوا يتاجرون مع ذينك القبيلتين، وكان عبيدهم يُعرفون بخطوط على الوجه. وغالبا ما كان أبناء القبيلتين الرضع يتعرضون إلى الاختطاف والسرقة.
 
هو إذن مزيج من ثقافات مناطق مختلفة، قاوم الزمن..
 ضم الديوان ثقافات  العديد من القبائل، سبع ثقافات تعود إلى منطقة السودان الكبرى، تربى معظم فناني الديوان القدامى في غرداية، وخلقوا فن الديوان الذي يذكرهم بتاريخهم ويعيد حلقة الوصل بينهم وبين أسلافهم.. تغنوا بالأنبياء والرسل إضافة إلى أغان قديمة جدا تعود جذورها الأولى إلى القبيلتين المذكورتين.
 
ألذلك عدت إلى مالي لإصدار أول ألبوماتك؟
 نعم، هكذا نشأنا نحن أبناء عائلة بحاز.. صرنا عائلة معروفة جدا في غرداية، اشترى أسلافي احدُ الملاك الواسعي الثراء، انه التاريخ، لا يجب نكرانه.. ذهبت إلى مالي، وهناك أصدرت ألبومي الأول، وأقمت ندوات صحفية وحفلات ولقاءات تلفزيونية، وذلك أيام السفير عبد الكريم لغريّب، لقد كان أول البوم لي في باماكو، حيث بدايات عائلتي الأقدم. ذهبنا إلى مالي في وفد، وعندما وصلنا حقق معي الأمن المالي وفحصوا كل أوراقي وهويتي، إحدى موظفات الأمن رأتني فأخبرت زملاءها أني لست جزائريا بل مالي، وكنت وقتها أتجول دون شارة، فجاءوا للتحقيق معي، حدث ذلك أمام السفارة، وبحضور وزير الداخلية والثقافية الماليين، قدمت لهم جوازي الأخضر، اندهشوا منه وتساءلوا عن مصدره، أكدت لهم إنني جزائري لكنهم لم يصدقوا، تلك السيدة أكدت انها خبيرة، تعرفت إلى أصولي عن طريق لون بشرتي، وبالتالي انتمائي إلى مالي. قصصت عليهم تاريخ أسرتي، حتى جدي الذي ولد في العاصمة، المنحدر من هاوسا، التي لا تبعد كثيرا عن باماكو. لدي انتماء متعدد: جزائري مالي إفريقي، لون بشرة المنحدرين من تلك القبيلة مميز. القصة التي رويتها لهم أقنعتهم، لكونها صحيحة وتحوي معطيات كثيرة من الواقع.
 
تواجه اتهامات بأنك تعبث بتراث الديوان، وتحاول البروز فنيا من خلال تعديله وإدخال ريتمات غربية عليه، ماذا تقول عن ذلك؟
 اشتغل على موروث الديوان بشكل خاص، أدخلت على بعض الأغاني لمسات جديدة دون ان افقدها شكلها وروحها، لدي أغان مبتكرة مع بعض البلوز والجاز، ولكنها ليست الديوان. انها أغانيّ الخاصة بي، وأنا لا أحاول تغيير الديوان، انه مقدس. غالبا ما يخلط الناس بين الديوان وبين القناوي، وأنا أسعى إلى ان امنح موسيقاي الخاصة بي لمسة رومانسية. لقد أدخلت الجاز الأمريكي على بعض أغانيّ، المنحدرة من الديوان.. أرسلت بعض القطع إلى موسيقيين في خارج البلد، فأبدوا إعجابهم بها.. الذين لا يعرفون الكثير عن موسيقى الديوان يعتقدون أنني اقتبس من البلوز.. لكن الموسيقى تتحول بين أصابعنا إلى مديح ديني. أما الأجانب فإنهم اعتقدوا انه جاز عندما سمعوه أول مرة دون كلمات.. في تيبازة شكلت موسيقاي مفاجأة لموسيقيين أمريكيين كانوا هناك، لقد رأوا رجلا اسود البشرة يحمل قومبري ويعزف الجاز.. كان جازا من تأليفي وقد نجح أسلوبي الموسيقي كثيرا. أقدم الديوان القح لجمهوري الجزائري، وغالبا ما أقدم للأجانب أغاني المبتكرة.
 
ماذا عن تعاونك مع صافي بوتلة، وهل هناك المزيد من المشاريع مستقبلا؟
لدي اتصالات مع صافي بوتلة، الموسيقي الكبير، اشتغلت معه سابقا بعد ان أعجب بأغانيّ وعرض علي مشروع حفل. وبدلا من ساعة واحدة غنيت ساعتين، لأن الجمهور طلب المزيد. يزورني كريم زياد ويوسف كلة وآخرون، نعزف الموسيقى.. أحب الجاز والبلوز، أحاول دوما المزج وخلق طبوع جديدة.. الكثيرون يعرفون أخي الراحل بن عيسى.. كان يعشق الريغي إضافة إلى البلوز والجاز. قبل ان يصبح فنانا نال جائزة موسيقية في مركب ماتاريس وهو لا يزال فتى يافعا سنة 1977.
 
ينادونك “سيدي” في منطقة القبائل، لماذا؟ وهل لذلك علاقة بفنك؟
 زوجتي من منطقة القبائل.. عندما أزور منطقتها يناديني الناس هناك تبجيلا باسم “سيدي”، إنهم من أوائل من أعجب بفن الديوان عندما ظهر في الجزائر على أيدي أجدادي.. كانوا يؤسسون الزوايا ويجلبون “الوصفان” (العبيد)
للعزف، وغالبا ما كانوا يزوجونهم بناتهم، لشدة تقديرهم لهم. علمت من أسلافي ان سكان منطقة القبائل كانوا يعمدون إلى تزويج الوصيف بإحدى بناتهم وذلك لاستبقائه والحؤول دون عودته من حيث أتى، وهذا سبب وجود السمر والسود في المنطقة.
 
تتحدث عن تاريخك الحزين كمفخرة، هل يؤثر ذلك على فنك واختياراتك الموسيقية؟
 ليس لدي أية عقدة من تاريخي العائلي، فأنا اعرف أصولي، وقد اذهب إلى القول ان ذلك صار مفخرة لي.. كلما سافرت إلى إفريقيا اكتشفت أشياء جديدة، اكتشفت أيضا البيت الذي اختطفت منه جدتي الأولى، الناس في مالي أحبوني وفتحوا لي الأبواب، من بينهم مديرة متحف قدمتني إلى اوركسترا مالية تضم 17 عازفا على آلة القومبري، حيث أعجبوا بمدى محافظة الجزائريين على القومبري الأول. بالنسبة إليهم فقد تطور القومبري كثيرا، وصار يضم من 4 إلى 6 أوتار، الجيل الجديد هناك لا يعرف الآلة القديمة التي استعملها والتي تضم 3 أوتار فقط. كنت الباب الذي تعرفت من خلاله تلك الاوركسترا على أسرار الأوتار الثلاثة.
 
إذن، فقد حرمتك الحرب من مشروع كبير.. هل من مشاريع أخرى عدا ذلك؟
 للأسف، نعم، لقد حرمتني حرب مالي من مشروع مهم، كانت هناك نية لتأسيس أوركسترا قومبري قديم يديرها جزائري، سننتظر انتهاء الحرب، وسنحقق هذا المشروع. حاليا لدي ألبومان جديدان، الأول يحمل اسمي والآخر اسم أخي الراحل بن عيسى، فلقد كان ينوي إصدار ألبوم عن “ديوان الجزائر”، ضمّ أزيد من 100 قطعة.
حاورته: خالدة.م

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *