الرئيسية / أقلام / حول انتخاب عربية مسلمة رئيسة لبرلمان هولندا

حول انتخاب عربية مسلمة رئيسة لبرلمان هولندا

لا يستيقظ العرب والمسلمون فجر كل يوم إلا على كوارث، فجيوش الاحتلال والاستبداد والحروب والنزاعات والمجازر والمجاعات صارت تسدّ عليهم ساحات الرؤية وتجعلهم مصابين بأحاسيس المؤامرة المستمرة عليهم، أو بأنهم ممتحنون من الله مثل النبيّ أيّوب، أو بأنهم مسؤولون، لسبب ما، عن طوفان المصائب الذي ينهال عليهم.
ابتداء من الصين وتايلاند وميانمار وباكستان وأفغانستان والشيشان، مروراً بفلسطين والعراق والشام واليمن ومصر وليبيا وغيرها، يفرّ الملايين بشاحنات وقوارب الموت حالمين بالهجرة إلى فردوس الغرب، ليجدوا أنفسهم محاصرين بين تهديدات الإرهاب التي تلاحقهم إلى حيث هربوا والعنصرية التي تستقبلهم حيثما حلّوا.
تفسّر هذه الملحمة اليومية المستمرّة للعرب والمسلمين أسباب البحث الدائبة عن شبابيك للفرح والأمل أو للتسلّي عن الموج الذي لا ينقطع من النعوش والجنازات ومسيرات الموت واللطم، فيجدونه في طفل موهوب أثبت جدارته، كما حصل مع الفتى السودانيّ صانع الساعة التي ظنّتها مدرسته «قنبلة إرهابية»، أو في قصة ستيف جوبز الذي كان ابناً لمهاجر سوريّ من حمص، أو عالم الذرة الفلسطيني منير نايفة أحد واضعي أساسات علم النانو تكنولوجي، أو في كون المهندسة المعمارية من أصل عراقي زها حديد أول امرأة في العالم تحصل على الميدالية الذهبية للعمارة التي يمنحها المعهد الملكي للهندسة المعمارية أو حتى في فوز فنانة محجّبة مثل نداء شرارة في مسابقة «أجمل صوت»!
يجيء خبر انتخاب خديجة عريب، النائبة الهولندية من أصل مغربي، رئيسة لمجلس النواب في البرلمان الهولندي كواحد من هذه الأخبار التي تشرح القلب وتؤكد على قدرات الإنسان العربي والمسلم على تبوؤ مكان تحت شمس العالم رغم الهجوم الهائل الذي تتعرّض له صورة العربيّ والمسلم في كل أنحاء العالم من تهشيم ممنهج، تشارك فيه، بالتأكيد، نشاطات الإرهاب المعولم تحت اسم «الدولة الإسلامية» وغيرها، ومرآة ذلك الإرهاب وأحد المساهمين الأساسيين في صنعه والمعتاش عليه: اليمين العنصري المتطرّف الغربيّ.
لم يتأخر رئيس اليمين العنصريّ الهولندي غيرت فيلدرز في التعبير عن استيائه الشديد من انتخاب خديجة معتبراً ما حصل «يوماً أسود في تاريخ البرلمان» الهولندي، وهو أمر متوقّع، فخديجة عريب تمثّل كل ما يتعارض مع أشكال التحقير الجاهزة لهذا اليميني العنصري عن العرب والمسلمين، فالصورة العنصرية المطلوبة عنهم هي صورة رجال مستبدين يضطهدون النساء والأطفال، ولا يمكنهم (لأن جيناتهم من آباء عرب أو مسلمين) التعايش مع الديمقراطية، وها هنا امرأة مولودة في المغرب ووصلت الى أوروبا في مراهقتها فتعايشت مع آليات الديمقراطية الغربية وانتُخبت نائبة، ثم متحدثة باسم البرلمان، وأخيراً أصبحت، أمس، رئيسة له، وهي في الوقت نفسه لا تزال تحتفظ بجنسيتها المغربية وتعتز بثقافتها الأم.
من لطائف الصدف أن اسم النائبة الهولندية – المغربية يحمل دلالات عربية وإسلامية، فخديجة اسم زوجة الرسول الكريم، وعريب هو تصغير أو اشتقاق من كلمة العربي، وبتراكب هذه الدلالات شديدة العمق الرمزيّ، مع ولادتها في الدار البيضاء (المدينة الشهيرة التي تحمل أيضاً اسما هو الترجمة اللاتينية لاسمها: كازابلانكا، والذي هو أيضاً اسم لفيلم أمريكيّ شهير)، وهجرتها، ثم استقرارها وفاعليتها الكبيرة في البلد الجديد، تتبلور صورة إيجابية رائعة عن قدرة القادم من بلاد كبلادنا على الجمع بين احترامه لهويته الثقافية الأصلية (وهي ليست ديناً فحسب، بل هي أيضا لغة وحضارة وعمارة ومشاعر وروائح ومطبخ وحركات الخ…)، وانتمائه لقيم وأخلاقيات وثقافة وطنه الذي يعيش فيه، ويحترم قوانينه ونظمه وطرق معيشته.
خديجة عريب هي برهان الحضارة الغربية على قيمها الإنسانية العالمية وقدرتها على استيعاب الآخر، وهي أحد أجوبتنا، كعرب ومسلمين، البليغة على الطرح العنصريّ الغربي، وأيضاً على الاستبداد العربيّ بكل أشكاله.
القدس العربي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *