الرئيسية / أدب، فكر وفن / حيزية .. المرأة التي تحولت إلى قصيدتين بجنسيتين

حيزية .. المرأة التي تحولت إلى قصيدتين بجنسيتين

روايات مختلفة يرويها سكان سيدي خالد عن ابنتهم التي خلدها الشعر الجزائري ونظيره الفلسطيني.. فبعد بن قيطون، لم يستطع الأديب الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة إخفاء ضياعه في سحر القصة-الأسطورة..

حيزية التي ماتت شابة في العام 1878م، عاشت بعد وفاتها 130 عاما، كانت تنتمي إلى عائلة الداودية التي يقال إن لها جذورا مع عائلة الباي الحاكمة في قسنطينة، أما في أقوى الروايات المتواترة إلينا، فيقال إنها ابنة احمد بن الباي، وإنها قد توفيت عام 1295 هجرية، أي حوالي 1878.
ويوجد قبر حيزية غرب مسجد “خالد ابن سنان” العربي، وهو لا يبعد عنه كثيرا إلا ببعض الأمتار القليلة، ويوجد القبر في مكان يدعى “الحوزة”، وهو المكان الذي عاشت فيه قبيلتها.
سبب شهرة القصة التي جرت أحداثها في بلدة سيدي خالد بولاية بسكرة، هو الحكم بالإعدام على حيزية لان حبها لابن عمها “سعيـّد” (شدة فوق الياء)، افتضح في وقت كان فيه إبداء المشاعر والعلاقات الغرامية ضربا من تجاوز أعراف القبيلة، وتمردا على أخلاق الشرع، وعندما علمت القبيلة بهذا الحب الصامت، اجتمعت لتقرر مصير حيزية بسعيد، فقررت الإعدام، وقالوا إنها خالفت أعراف القبيلة، وأخلت بالأخلاق.
المبادئ القبلية كانت واضحة لا تناقش، ما عدا في أمر حيزية، حيث احتدم الصراع بين من طالب بالموت لها وبين من دافع عنها، وقد انتصر الفريق الأخير لتنتهي الأمور بزواجهما، ثم موتها بعد 40 يوما من ذلك.
لا ندري من خلد الأخر: آ القصيدة من جعل محمد بن قيطون الصغير الخالدي البوزيدي احد أشهر الشعراء الشعبيين الجزائريين حتى وقتنا الحاضر، على الرغم من وفاته عام 1907، أم ان الشاعر هو الذي نفخ في القصيدة روحها، ومنحها ببلاغته خلودا ما بعده خلود، لقد طلب سعيّد وهو في حالة حداد وحزن شديد من صديقه الشاعر الكبير أن يرثي حيزية بالقصيدة الشهيرة، فنظم قصيدة يقول في مطلعها:
عزوني يا ملاح في رايس لبنات/ سكنت تحت اللحود ناري مقدية/ قلبي سافر مع ضامر حيزية/ قلبي سافر مع اللي رحلت من الدنيا/ يا حسراه على قبيل كنا في تاويل/ كي نوار العطيل شاو النقضية/ ما شفنا من دلال كي ضي الخيال/ راحت جدي الغزال بالزهد علية/ واذا تمشي قبال تسلب العقال/ اختي ضي النجال راشدة النية
لكن المؤكد أن الفتاة “حيزية” هي من صنعت الاثنين وخلدت الاثنين، بل وصنعت لقرية “سيدي خالد” مجدا آخر، وشهرة واسعة الآفاق بعد الولي الصالح الصحابي الجليل خالد بن سنان العربي.
ثم يأتي شاعر فلسطيني كبير هو “عز الدين المناصرة”، المولود بالخليل عام 1946، والمتحصل على شهادة التخصص في الأدب البلغاري الحديث من جامعة صوفيا وشهادة التخصص في الأدب المقارن من الجامعة نفسها عام 1981، والمتحصل على جوائز عربية عديدة.. ليقول حيزية بلغة شعرية خليلية، حيزية استوطنت أيضا الذاكرة الفلسطينية، من خلال شاعرها الكبير عز الدين المناصرة، وحركت فيه مشاعر وصنعت دلالات وإسقاطات، صارت معادلا شعريا لميسون القضية الفلسطينية، والعربية الإسلامية، وصارت رمزا للأرض عند المناصرة، والوطن.
جاء المناصرة إذن بمجموعة شعرية للمناصرة عام عن دار الكرمل بعمان عام 1990 عنوانها “حيزية عاشقة من رذاذ الغابات”، بها تسع قصائد.. تميزت بينها قصيدة “حيزية عاشقة من رذاذ الغابات” بأن ملأها صاحبها بالعناصر الحياتية الكثيفة، جاء فيها:
أحسد الواحة الدموية هذا المساء/ أحسد الأصدقاء/ أحسد المتفرج والطاولات العتاق الإماء/ الأكف التي صفقت راعفة/ القوارير أحسدها/ والخلاخيل ذاهبة آيبة/ أحسد العاصفة/ في حنايا الفضاء/ ويقول: أحسد الخمر منسابة وعراجينها في ارتخاء/ وابن قيطون أحسده عاشقا/ طاف في زرعها/ وسطيف: حقول الشعير” الأعالي/ ينابيعها/ أحسد الخشب الصدفي الذي لامسته أصابعها/
انه انبهار بحيزية النخلة، حيزية الكثيب، حيزية المرأة، حيزية الخلاخيل وحيزية الإحساس والإلهام، مستشعرا كل شيء: التمر في بسكرة وهو يشيعها.. قلوب العشاق وهي تخفق بها حبا أو تقطعا.. الشعاع الذي التحفته.. الشمع في كفها ثم حناءها في اليدين.. أساها الذي فاق كل الحدود.. والقدر والنار وخزامى العمر..
هذه هي حيزية التي لم تكن تفقه من أمر القراءة والكتابة شيئا.. التي تحولت بعد موتها إلى أكثر من قصيدة، بأكثر من جنسية..
خالدة.م

شاهد أيضاً

أحب التجريب الذي يتيح توظيف التراث

يرى الشاعر الجزائري “عيسى ماروك، إن الحداثة ليست قطيعة مع ماضينا أو تنكرا له أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *