الرئيسية / الحدث / حيـــــاة بدائيــــــة علــــــى مشــــــارف العاصمــــة

حيـــــاة بدائيــــــة علــــــى مشــــــارف العاصمــــة

بــــدو رحّــــل يعيشــــون ظروفــــا مزريــــة منــــذ أكثــــر مــــن 20 سنــــة

أوجه شاحبة، ملابس رثّة، حفاة الأرجل، في خيم منسوجة من أكياس السكر وأقمشة رثة يتحصلون عليها من صدقات المحسنين، يخيل إليك وكأنهم فارين من جحيم حرب، هكذا استقبلنا سكان البدو الرحل، الذين حطّوا رحالهم ببلدية الرغاية منذ سنوات عدة، على أمل في العيش الكريم والتمتع بأبسط الحقوق الإنسانية، راغبين في الاستفادة من حق التعليم والعلاج، إلا أنهم اصطدموا بواقع مر، بعد أن نبذهم المجتمع وحرموا من أبسط شروط الحياة الكريمة.

يطالبــــــــون بسكنــــــــات والسلطــــــــات المحليــــــــة تتجاهلهــــــــم
صعوبة الالتحاق بتلك الخيم، بسبب وجود وحل وحفر لا تستطيع حتى السيارات الرباعية أن تجتازها للوصول إليهم. وبشق الأنفس وصلنا إلى تلك الخيم، التي لا تصلح حتى لعيش الحيوانات بداخلها، اقتربنا من الموقع، لتستقبلنا روائح كريهة يخيل لكل من يدخل تلك “البيوت” البالية، التي أكل عليها الدهر وشرب، أن أصحابها فارين من ويلات حرب ما أو حلّت بهم كارثة، حيث يرضون العيش في ظروف أقل ما توصف أنها “تحت عتبة الفقر”، وأصبحوا بفعل انعزالهم عن المدينة نسيا منسيا، فالزائر لهؤلاء السكان لا يصدق أن هناك أناسا في زمن التكنولوجيا، يعيشون داخل خيم قديمة تحيطها من كل الجوانب أكواما من القمامة وحشرات ضارة، حيث لا تتوفر تلك الخيم على أبسط شروط الحياة .

 أطفال حفاة عراة مسلوبون من حقهم في العلاج والتعليم
أطفال عراة في الطريق وعائلات تعيش في فقر شديد، يصارعون سنويا حر الصيف وبرد الشتاء في خيم متنقلة وبأماكن لا تصلح للعيش، فالمنازل التي يقطنها السكان، عبارة عن خيم أكل عليها الدهر وشرب، وكأنهم سكان غير محسوبين أصلا، لكونهم مقصيين من الخدمات العمومية، لاسيما التعليم الذي هو حق تكفله الدولة، إلا أن هؤلاء الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و10 سنوات حرموا من حقهم، بسبب عدم امتلاك عائلاتهم وثيقة الإقامة.
أكثر من 263 شخص يعيشون في تلك الخيم، حيث تأوي الخيمة الواحدة أكثر من 13 فردا يستغلونها للنوم والطبخ، لا حمامات ولا دورة مياه، حيث لا يوجد مكانا حتى للجلوس بهذا المأوى، نظرا لاكتظاظ الأشياء داخل الخيمة، وكأنهم في عصر حجري، لاسيما وأن هؤلاء السكان يعانون بسبب قسوة الحياة، حيث لا يزالون يستعملون طرق بدائيه في حياتهم اليومية، في عصر التكنولوجيا، أين يستعملون الحطب والحمير لجلب المياه من أجل التنظيف أو الطهي.

 سكان منسيون ومهمشون.. ينحرهم الفقر والجوع
تقدم إلينا أحد سكان البدو الرحل، ضنا أننا لجنة سوف تقوم بترحيلهم، كما هو معتاد معهم، إلا أنه بعد الكشف عن هويتنا، رحب بنا، قائلا بعبارة كلها حصرا وتأسفا “مرحبا بكم في مدينتنا المنسية”، وعبر المدعو (ب.ج)، عن تذمره من هذه المعيشة، التي قال إن اللاجئين الأفارقة لديهم حقوقا أحسن منا ونحن جزائريون الجنسية، واستغرب المتحدث، طريقة تعامل البلدية معهم وكأنهم غرباء أو لاجئين فارين من الحرب وطلبوا اللجوء.
وحسب المتحدث، فإن هؤلاء السكان استقروا منذ سنوات في بلدية الرغاية، طمعا في حصولهم على سكن وعلاج وتعليم لأطفالهم، إلا أنهم لم يظفروا بالحد الأدنى مما كانوا يأملون من السلطات العمومية؛ لتتحطم أحلامهم بسبب ما يعتبرونه هم التهميش والنسيان، وتوالت السنوات ولا يزالون يعيشون في خيم منسوجة من أكياس السكر وأقمشة رثة، يتحصلون عليها من صدقات المحسنين.

 لا حمامات ولا دورات مياه
وأضاف محدثنا قائلا: “أيعقل أن يعيش الإنسان في 2018 في خيمة لا تحتوي حتى على مراحيض أو حمامات، مشيرا إلى أن السلطات المحلية ترفض استقبالهم، رغم أنهم يعيشون في بلدية الرغاية منذ زمن بعيد، ولم يحظوا بأبسط حقوقهم في العيش الكريم.
ونحن نتحدث مع أحد قاطني تلك الخيم، خرجت عجوز وطلبت منا الدخول إلى خيمتها، لنتفاجأ بوجود أكثر من 13 فردا يعيلهم شيخ طاعن في سن، استغربنا من الوضع المزري الذي يعيشه هؤلاء، الذين يفترشون الأرض ببعض أفرشة قديمة تبرع بها أحد المحسنين، روائح كريهة، بسبب عدم وجود دورات المياه، أكوام من الحطب وكأننا في عصر ما قبل اكتشاف الغاز، أفرشة رثّة متناثرة هنا وهناك، حشرات منتشرة في ذلك المكان، ويتقاسمون الحياة مع حيواناتهم الأليفة، المتكونة من بعض الدجاج والماشية .
تحدثت معنا تلك العجوز، التي عبرت عن الوضع الذي يعيشه هؤلاء السكان قائلة: “لا نملك أبسط شروط الحياة، كما أننا نعاني الأمرين سواء شتاء أو صيفا، حيث أكدت أنه في فصل الشتاء لا ينامون بسبب المياه التي تملأ تلك الخيم وحتى الأفرشة التي تبتل بسبب هطول الأمطار، وأردفت كأننا لا ننتمي للجزائر، فأطفالنا حرموا من التعليم، كما أننا نقتات على صدقات المحسنين بين الحين والآخر.
وأضافت بحسرة كبيرة -لازلنا نطبخ على الحطب ولا نملك تلفازا ولا ثلاجة ولا حتى كهرباء، كأننا لا نزال نعيش في عهد الاستعمار، لقد نفذ صبرنا وذقنا ذرعا من الحقرة والتهميش، فأطفالنا معرضين للأمراض بسبب برودة الطقس والفقر والجوع والسلطات المحلية تدير ظهرها، بل بين الحين والآخر تقوم بطردنا .
وحسب تلك العجوز، فإنهم يأكلون أحيانا بما يتصدق لهم بعض المحسنين من أكل ولباس وحتى أفرشة، ولولا المحسنين لمات بعضنا جوعا” .
أما عمي السعيد، الذي خاطبنا قائلا “نحن نعيش على هامش الحياة، نفترش الأرض ونصارع البرد القارص والشتاء، هذا هو بيتنا وما بيدنا حيلة”، فنحن نعاني كثيرا أثناء هطول الأمطار، فنقضي ليلتنا مستيقظين دون نوم، نرتجف من البرد، كما أن أطفالنا مهددين بالأمراض، بسبب برودة الطقس وعدم وجود أغطية كافية، لاسيما وأنها تتبلل بسبب سقوط الأمطار التي تغمر الخيم، وأكد أنه يجمع الخبز اليابس من السكان المجاورين ببلدية الرغاية، كما أنه يتحصل على بعض الإعانات والصدقات من قبل المحسنين.

رضع داخل صناديق بطاطا
ونحن داخل الخيمة، لاحظنا فتاة قد وضعت مولودها منذ عدة أيام، حيث أن مولودها كانت تضعه في صندوق بطاطا، أما هي فكانت تتضور جوعا، وملابسها لا تكاد حتى أن تحميها من برودة الطقس، وأكدت أنها وضعت مولودها حديثا في إحدى المستشفيات بشق الأنفس، حيث رفضت أغلب المستشفيات استقبالها بسبب عدم امتلاكها لوثيقة الإقامة، إلا أنه تدخل حسب ما وصفتهم “أولاد الحلال” تم استقبالي بمستشفى الرويبة، أين وضعت مولودي بعملية قيصرية.

 أكثر من 133 طفل محرومون من حقهم في التعليم
في حين، استقبلنا أحد سكان هذه الخيم المدعو (م. س)، بنبرة كلها غضب، قائلا “نحن جزائريون، فبأي حق لا يقبل أولادنا في المدارس، كاشفا عن 133 طفل يتراوح سنهم بين 6 إلى 8 سنوات بدون دراسة، مضيفا “أيعقل أن نعيش في هذه الخيم مدة 20 سنة، دون التفاتة من الحكومة إلينا”، مؤكدا أنهم قاموا ببناء بيوت قصديرية، بعد جهد وشق الأنفس، إلا أن السلطات المحلية قامت بتهديمها، لنعود إلى الصفر مجددا.
وأشار المتحدث، إلى أن أطفالهم رفضت بعض المدارس استقبالهم، بسبب عدم امتلاكهم وثيقة الإقامة، وبعد عناء وجهد، تم قبول عدد من أطفالهم في بعض المدارس، إلا أن عناء التنقل، حال دون تمكنهم من مواصلة الدراسة بسبب الفقر والظروف المادية المزرية، ليتجهوا لاحقا للرعي.
كما استنكر المتحدث، عدم حصول رجال تلك المنطقة على مناصب عمل قارة، بسبب عدم امتلاكهم شهادة الإقامة، حيث يقومون بالعمل في أشغال البناء كمساعدين، مقابل حصولهم على أجر زهيد لا يسمن ولا يغني من جوع.

 أطفال يبيعون المناديل الورقية ويحلمون بتلفاز في خيمهم
في حين، أن الأطفال الذين لم يحظوا بحقهم في التعليم، والذين تتراوح أعمارهم ما بين 5 سنوات إلى 12 سنة، توجهوا لبيع المناديل الورقية في محطات القطارات والحافلات، من أجل كسب قوتهم اليومي لشراء كيس حليب أو خبزة تسد جوعهم.
أما من حالفهم الحظ، دخلوا المدارس الابتدائية وعمرهم فاق 10 سنوات، حيث يدرسون مع أطفال أعمارهم 6 سنوات، ما جعلهم محل سخرية من قبل زملائهم، ليقرروا بعد ذلك الخروج من المدرسة والتوجه إلى الحياة العملية.
وعند سؤالنا إن كانوا يرغبون في الذهاب للمدرسة، أكدوا لنا “طبعا نريد الذهاب إلى المدرسة فحياتنا صعبة جدا، كما أن المال الذي نحصل عليه من بيع المناديل الورقية لا يفي بالغرض”.
وعبر هؤلاء “البراءة” عن أملهم في الحصول على تلفاز يشاهدون فيه الرسوم المتحركة، التي قالوا إن أمنيتهم مشاهدة أفلام الكارتون.

 راسلنا السلطات المحلية.. ولا حياة لمن تنادي
وعند استفسارنا إن كانوا قد قدموا طلبات للجهات المعنية، من أجل تسوية وضعيتهم، أكد السكان أنهم طالبوا مرارا وتكرارا الحكومة بتوفير على الأقل قطعة أرض مشتركة  من أجل بناء سقف يؤويهم، كما وجهوا الكثير من الرسائل ممثلي السلطات العمومية، إلا أنهم أكدوا أنه “لا حياة لمن تنادي”، كما أضافوا أنهم لم يحصلوا على أي شيء، وأن البلديات قامت في كثير من المرات بطردهم وتهديم خيمهم أو بيوتهم الفوضوية، رغم أن اللجان التي تزور المكان تؤكد أن وضعيتهم مزرية ويحتاجون إلى سكنات تؤويهم من البرد والحر.
وعبر هؤلاء السكان، عن أملهم في التفاتة السلطات المحلية إلى وضعيتهم المزرية، التي يندي لها الجبين، لاسيما وأنهم يعيشون في خيم منذ أكثر من 20 سنة، ويحرموا أطفالهم من التعليم والعلاج، الذي هو حق تكفله الدولة .
وناشد ال.سكان رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، التدخل السريع من أجل مساعدتهم، ومنحهم قطعة أرض من أجل بناء سكنات تقيهم من البرد القارس والحر، قائلين “نحن جزائريون ولدينا الحق في سكن والتعليم والعلاج”، مؤكدين أنهم همشوا ونبذوا وسلبوا من أبسط حقوقهم، معبرين عن نفاذ صبرهم، لاسيما وإنهم أكثر من 20 سنة يعيشون في خيم، ليصارعوا صعوبة فصل الشتاء وارتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف.

 

روبورتاج:صبرينة دلومي
تصوير: أمين شيخي

شاهد أيضاً

الرئيس تبون يتسلم المشروع التمهيدي للتعديلات الدستورية

الجزائر – استقبل رئيس الجمهورية, السيد عبد المجيد تبون, الثلاثاء, رئيس لجنة الخبراء المكلفة بصياغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *