الرئيسية / إصدارات / حين يكشف الأدب ما يجبن عنه التاريخ

حين يكشف الأدب ما يجبن عنه التاريخ

محمد بن زيد يصدر طبعة ثانية من “همس الهمس”..

أصدر الكاتب محمد الكامل بن زيد طبعة ثانية من روايته “همس الهمس”، عن دار علي بن زيد ببسكرة، وهي الرواية التي تتحدث في 104 صفحات من القطع المتوسط عن التفجيرات النووية التي قامت بها السلطات العسكرية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، في سردية مدهشة، مطعمة بجماليات لغوية فريدة، مثقلة بالغموض، وبها ومضات تاريخية قوية إلى تاريخ منطقة التوارق: الشيخ آمود، الملكة تينهنان.. وآخرون تحفل بهم الذاكرة الترقية التي لا نكاد نعرف عنها شيئا..

البطل، الهارب بأحلامه وتحدياته، اللاجئ إلى الصحراء بحثا عن ملجأ نفسي وروحي، يجد نفسه على موعد مع أقسى جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر: التفجيرات النووية التي مازالت تحصد ضحاياها من الأجيال الجزائرية إلى يومنا هذا.. والتي تقتل أحلام البطل كلها مجتمعة في لحظة من الزمن.
تأخذ الرواية منحى بطيئا، في البداية، يكون فرصة للغوص في تاريخ المنطقة، ثم تأخذ منحى رومانسيا حين يلتقي البطل براشال، ثم تتسارع دراميا في النهاية حين تحدث الكارثة:
أفراد العدو يأتون بشكل متكرر، ومتقطع في آن واحد.. “قرابة العام وهو على حال واحد، حينا يأتون فرادى، وحينا آخر جماعات، يحملون كتبا وقراطيس، ينتشرون عبر الأزقة، يقفون في كل مكان وأي زمان، يتحدثون مع بعضهم طويلا، يخطون الكثير في سجلاتهم، يسجلون بالدقة ما يختلف في عداد وعادات أهل هذه القرية: الوفيات.. المواليد.. الأكل.. الشرب.. الهمس..”.
المنازل والخيم كان لها نصيب من سجلاتهم، كل أفعالهم كانت مريبة، وكل من يسأل ينال نصيبا وافرا من الضرب والإهانة.. وفوق ذلك يقتاد إلى مكان لا يعود منه أبدا. الشيخ بن محمود وقف يوما أمام سياراتهم، حاملا حجارة وعصا، وأراد مواجهتهم.. التف حوله عدد كبير من الجنود، لم تنفعه أسلحته أمام عددهم وقوتهم.. إنهم يفيضون كرها لكل هؤلاء التوارق ويعتبرونهم أمّيين وجهلة، فكيف لهم أن يطمعوا في التصدي لقوة فرنسا؟ لم يحترموا سنه الطاعن، ضربوه ثم أخذوه إلى حيث لا يعود أحد..
ذات ليلة، عاد أحدهم رفقة أربعة جنود، ثملين تماما، ولم تمض لحظات حتى سمع صراخ وعويل من إحدى الخيم.. مشادات وسط الظلام أعقبها إطلاق رصاص عنيف..
في الصباح، قيل إن خمسة ماتوا وعشرة يصارعون البقاء وثلاثة نجوا بأعجوبة، أما ابنة الشيخ عبد الله فلم يعثر لها على أثر، وكأن الارض انشقت وابتلعتها..
جاءوا في يوم ثان، بدباباتهم، رآها بعض التوارق لأول مرة، تناثروا بين الخيم والبيوت، حشدوا الناس وألصقوهم بالجدران، علقوا على رقابهم أطواقا حديدية عليها أسماء وأعمار، ثم ذهبوا وخلفوا بعضا منهم ليمنعوا السكان من مغادرة القرية.. حصار تام..
بعد 20 يوما، وفي تمام الساعة الخامسة صباحا: حركة مريبة للجنود.. يختبئون في أماكن حراستهم المكونة من براميل وصناديق حديدية، يرتدون بزات أخرى غير التي اعتاد أن يراهم بها التوارق، على رؤوسهم خوذات وأقنعة واقية للنظر، وطائرة صفراء تحوم..
عرف التوارق بإحساسهم أن شيئا ما سيحدث.. شيئا عظيما، وأن عليهم أن يحتاطوا، لكنهم لم يعرفوا ما هو، ومضت من العمر لحظات جوفاء، مزقها صوت انفجار رهيب.. صارت السماء فوقهم بيضاء تماما، ثم حمراء تماما، فهم التوارق أن انفجارا مهولا دوى في المنطقة ارتفعت على أثره همود من النار، صاحبته غمامة عظيمة من الدخان على شكل فطر، بعد أن برزت في الأرض ندبة واسعة شوهت معالم الطبيعة: تفحمت النباتات، احترقت الحيوانات، وتبخر كل ما كان قريبا من ماء، بفعل درجة حرارة زادت عن 10 ملايين درجة..
اما البشر، فأصيب منهم من أصيب بالعمى بفعل الضوء المصاحب للانفجار، وكذلك الرياح الحاملة للرمل الملوث بالإشعاعات النووية، وأجهضت الحوامل..
انتهت الحكايات الجميلة في تلك القرية الصحراوية، أين كان البطل يخبئ حلمه وخوفه وجسده، انتهت حكايات الشيخ آمود، انتهت حكايات تنهنان الجميلة، وما يصحبها من طيوف تلك الملكة العتيدة التي يمجدها التوارق، وانتهى أيضا حب راشال الذي لم يبتدئ بين البطل وبين تلك السيدة التي تحمل معها طفلتها اينما ذهبت.. انتهى كل ذلك يوم 13 فيفري 1960..

شاهد أيضاً

التقنية السينمائية في رصد بواكير ثورة الياسمين

“الغوريلا” لكمال الرياحي تدور رواية الغوريلا، للروائي التونسي كمال الرياحي، الصادرة مؤخرا عن دار الساقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *