الرئيسية / أقلام / خطورة تباين الموقف الغربي على التواجد الإيراني في العراق

خطورة تباين الموقف الغربي على التواجد الإيراني في العراق

في الوقت الذي يلفظ تنظيم «الدولة» (داعش) أنفاسه الأخيرة في المدن العراقية تستمر إيران، وكما كان متوقعا، في تثبيت وترسيخ دورها في العراق، بالشكل الذي يتلاءم مع مصالحها، ويخدم أهدافها القومية على مختلف الصعد سياسياً، طائفياً واقتصادياً، وبما يتناسب مع استراتيجيتها الإقليمية، في ظل إشكالية المتغيرات التي تشهدها الساحة الدولية، ووفق معطيات الواقع الذي حملته رياح عملية الغزو الأمريكي، التي فرضت على العراقيين القبول بنظام الأحزاب الطائفية والحاجة للدعم الإيراني للبقاء والاستمرار في السلطة. وعلى الرغم من التغير الواضح الذي طرأ على السياسة الأمريكية، منذ استلام إدارة ترامب للسلطة، في طريقة التعامل مع الوجود الإيراني في العراق، واختلافه الواضح مع مواقف الإدارات الأمريكية السابقة، في تعاطيها مع الملف الإيراني، من خلال إجبار النظام الثيوقراطي على تغيير سياسته التوسعية، بيد أن الموقف الغربي الأوروبي الحالي، المتساهل مع النظام الإيراني، يبدو غامضا ومقلقا، إلى درجة التفكير في احتمال قبول الغرب بمأساة العراقيين، واستسلامهم للأمر الواقع ومشاطرتهم المفاجئة لمعتقدات المجتمعات الإسلامية الشرقية، التي تؤمن بما كتب وأصاب الله به عباده في «القضاء والقدر» التي أصابت العراق والعراقيين، التي على ما يبدو في شكل الموقف الأوروبي المُعلن استسلاماً وقبولاً لمفهوم «القدرية الروحانية»، التي طالما لم يؤمن بها الغرب ولم يصدقها. في الوقت الذي أثبتت مواقفه السياسية الثابتة التي يطبقها على الأرض، أكثر براغماتية وذكاء على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وبداية تقسيم المنطقة في معاهدة «سايكس ـ بيكو» سيئة الصيت، انطلاقا من مصالح الغرب الأوروبي أنذاك. في المقابل، أثبتت معطيات الواقع الناتج من الاحتلال الأمريكي للعراق، عن استمرار الاستراتيجية الغربية لبريطانيا وألمانيا وفرنسا وعموم الغرب، فيما يخص أهمية إيران الاستراتيجية لمصالح هذه الدول، في الوثائق السرية البريطانية التي نشرتها «بي.بي.سي» والتي أظهرت حجم التباين في الرؤيتين البريطانية والأمريكية حيال إيران والعراق، وأهمية إيران الاستراتيجية، وباختلاف وتنوع أنظمتها «الإمبراطورية الشاهنشائية»أو«الخمينية الثيوقراطية»، من أوروبا وعموم الغرب، وهذا ما يعزز أسباب الموقف الأوروبي المعارض لسياسة إدارة دونالد ترامب تجاه إيران ومساعي المجموعة الأوروبية لمساعدة طهران في الالتفاف على العقوبات الأمريكية. آخر هذه المساعي المشجعة للتعنت الإيراني، تكمن في إطلاق المجموعة الأوروبية، لألية مالية للتبادل التجاري مع إيران، هدفها مساعدة الشركات الأوروبية التي لها مصالح تجارية، على تفادي العقوبات الأمريكية، بعد اجتماع عقد في بروكسل، لخمس دول أوروبية، أعضاء في مجلس الأمن الدولي، وهذا ما يُمثل، تحديا وعائقا للمساعي الأمريكية الهادفة إلى إضعاف القدرة العسكرية للحرس الثوري الإيراني، وبالتالي تشجيع إيران على استمرار سياستها التوسعية في العراق والمنطقة. من هنا يبدو واضحاً، أن المساعي التي تقوم بها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وباقي الدول الأوروبية، لتمكين إيران من الالتفاف على العقوبات الأمريكية، تأتي في نطاق سياسة المصالح، التي تؤمن بها الدول العظمى. انطلاقا من المعطيات الجديدة التي تبلورت من احتلال أمريكا للعراق، التي تتلخص في أن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي تقودها إدارة ترامب في عالم أحادي القطب، هي ليست تلك التي تتناسب مع مصالح الدول العظمى الأوروبية في عالم متعدد الأقطاب. لا شك أن للاختلاف والتباين الكبير في طبيعة الأهداف والمصالح، بين الغرب الأمريكي والأوروبي ـ الروسي، الأثر الخطير في تنامي التواجد الإيراني في العراق وتوسعه في الشرق الأوسط، حيث لم يكن له أن يصمد ويدوم، لولا هذا التباين في مصالح وأهداف الدول العظمى، التي مهدت الطريق لهذا الدور المؤثر سلبيا على جغرافية العراق، وفي مجريات الأحداث المصيرية السياسية والاجتماعية في الساحة العراقية، في جميع أبعادها. وهكذا أصبحت مصالح الدول العظمى، عاملا أساسيا لبقاء الأنظمة وحمايتها وورقة رابحة في صراع القوى العالمية في العراق وإيران، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها، حيث أصبحت «لوبيات» النفط هي الواجهة الفاعلة في رسم الخريطة السياسة للشرق الأوسط الجديد. وهذا ما قد يدفع بنا إلى التفكير في إشكالية تشابه الأدوار الغربية الأمريكية والأوروبية على حد سواء، في ما يتعلق بمستقبل العراق السياسي واحتمالات تعنت الأحزاب المذهبية في نهجها الطائفي، في حالة استمرار دعم استراتيجية التوسع الإيرانية، وبالتالي حمايتها وإسنادها سياسيا وعسكريا. وهذا ما يثبت حجم وأهمية الزيارات التي يقوم بها زعماء الغرب للعراق، التي يعتبرها كل من له بصيرة وطنية، بمثابة إشارة دعم ومباركة للنظام الطائفي، الذي جاء من رحم الاحتلال، على الرغم من الحقيقة المرة التي يرددها كل العراقيين، في وصفهم لبلدهم، بالدولة الفاشلة سياسيا، اجتماعيا، أمنيا واقتصاديا، نتيجة لتجذر الطائفية التي أوصلته على مشارف الانهيار، من خلال ظهور إرهاب «تنظيم الدولة» والفساد بعد تغير الأمور من السيئ إلى الأسوأ. من منا لم يسمع بعد بوعود الأشقاء في ما سمي بمؤتمرات إعادة بناء العراق، والتعهدات التي أقرتها الدول المانحة، التي وصلت إلى نحو 30 مليار دولار، في الوقت الذي لا يزال الملايين من سكان مدن العراق المنكوبة، يعيشون في خيام نتيجة لعرقلة قوانين النظام الفاسد في البلاد، التي تنفذ وفق أهواء وخفايا حسابات المسؤولين. ومن منا لم ير بعد زيارات الرؤساء المتهافتين على ثروات العراق، والمتخفين تحت غطاء يافطة إعادة إعماره، من أجل قيام الدولة المدنية التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، في الوقت الذي لا تزال الطائفية والتبعية لإيران إحدى أهم لوائح دستوره، وعلى حساب الدولة المستقلة بدستورها الوطني القادر على منع الأنظمة الإقليمية المارقة، من التدخل في شؤونه، والتأثير على وحدة مجتمعه وسلامة مواطنيه. يبقى السؤال في معنى استمرار هذا الدعم والقبول الغربي لنظام قسّم العراقيين، وجرّعهم المرّ، تسيره الأجندة الإيرانية، في ظل حكومات طائفية ساهمت في تحويل العراق إلى ساحة للتدخلات الإقليمية والدولية، ليصبح في النهاية حلقة من حلقات صراع النفوذ الأمريكي ـ الأوروبي ـ الروسي، التي أعادت العراق إلى واجهة السجال في لوائح اتفاقيات القرون الماضية الهادفة لتقسيمه. أمير المفرجي/ كاتب عراقي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *