الرئيسية / أقلام / خلاف المسؤولين الأمريكيين حول الانسحاب من سوريا

خلاف المسؤولين الأمريكيين حول الانسحاب من سوريا

عندما وضع البنتاغون خطة غزو العراق في 2003 التي صممت للسيطرة على بغداد في أسبوعين فقط, عارضها مسؤولو المخابرات الأمريكية والخارجية, الذين كانوا يعتقدون أن العمليات يجب أن تصمم لمواجهة حرب تستمر شهورا وليس أسبوعين فقط.

روى لنا أحد المطلعين على هذه الأجواء, أن مسؤولا رفيعا في الخارجية دخل إلى أحد مكاتب الخارجية وبيده ملخص ورقي لمشروع البنتاغون, قد تم توزيعه على مكاتب الإدارة, فأخذ يقلب الأوراق ثم رماها على المكتب, وقال “انظروا هذا الهراء أسبوعان لإسقاط صدام!”. بالفعل كانت تقديرات البنتاغون دقيقة, وكانت خطته بالالتفاف الصحراوي من جنوب العراق شمالا نحو بغداد ناجحة, وسقطت بغداد بعد بدء الهجوم البري بأسبوعين, وأقر الكثيرون من موظفي الخارجية, الذين التقيناهم حينذاك في بغداد بأن “خطة الثعلب رامسفيلد كانت صائبة. لا أملك معرفة عميقة في الشأن الأمريكي الداخلي الحزبي والحكومي, لكنني مطلع عن كثب على سياساتهم في المنطقة منذ حرب العراق وآلية تعاملهم وذهنية تعاطيهم مع الأحداث, خصوصا بعد العمل عن قرب مع العشرات من مسؤولي وموظفي الأجهزة الأمريكية المختلفة في العراق, والباحثين والصحافيين المقربين منهم, من ديفيد بترايوس في الموصل عندما كان قائدا للفرقة 101 حتى مارك كيميت قائد العمليات في بغداد, وكان من الواضح دائما أن هناك خلافات وتباينات في وجهات النظر بين البنتاغون والخارجية الأمريكية, بل ضمن الإدارات نفسها احيانا ومستشاري البيت الأبيض, إزاء طريقة التعامل مع الكثير من الأحداث العراقية, وفي فترة استمرت نحو شهر بالعمل داخل معسكرات الجيش الأمريكي والمنطقة الخضراء, لتغطية معارك الفلوجة والأنبار, كان العديد من ضباط الجيش الأمريكي لا يتوانون عن الانتقاد اللاذع لسياسات وتصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين في المنطقة الخضراء, وفي لقاء بين رامسفيلد وقادة الجيش في معسكر المزرعة شرق الفلوجة, وبعد أن خرج الصحافيون نعت رامسفيلد أحد تصريحات الخارجية الأمريكية بالبلهاء. كان رامسفيلد حينها من جناح الصقور المحافظ, بزعامة الرئيس بوش, الذي لقي أيضا معارضة داخلية تماما كما يحصل الآن ضد ترامب وفريقه, لكن في النهاية الكلمة الفصل تبقى لفريق مستشاري البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي . بلا شك أن حالة ترامب أكثر تفردا في طريقة اتخاذه القرارات, اعتمادا على حلقة ضيقة من مساعديه, بدون الالتفات حتى لوزير دفاعه الذي استقال, لكن من الواضح أن هناك فريقا يؤيد قراراته, بومبيو وزير الخارجية قال إن قرار الانسحاب اتخذه ترامب بعد مشاورات مع كبار المسؤولين, بولتين مستشار الأمن القومي, سبق أن أيد ترامب في كثير من قراراته التي لاقت استهجانا, ويمكن ملاحظة أن عددا من الباحثين توقعوا, بل أيدوا انسحابا أمريكيا من شمال سوريا قبل اكثر من ثمانية شهور من اليوم, وقبل حتى قرار ترامب الأول في أبريل الماضي, ومنهم مدير الأبحاث في معهد واشنطن باتريك كلاوسون, وقبل تسعة اشهر كتب أرون ستين مقالا في “الفورين بوليسي” اعتبر فيه الانسحاب من سوريا فرصة لعقوبة روسيا ومواجهة إيران. وبعيدا عن مواقف المسؤولين الأمريكيين, فإن الأحداث والوقائع في الشرق الأوسط توحي بأن الوجود الأمريكي في العراق وسوريا وحتى أفغانستان يتحول ليصبح وجودا مكلفا وغير مجد سياسيا, ولعل التمدد الإيراني في سوريا والعراق والعودة الروسية للمياه الدافئة, جعلت الأمريكيين في وضع صعب في سوريا, خاصة إذا عرفنا أن حليف الأمريكيين المحلي شمال سوريا على صدام دموي مع حليف أمريكي آخر وهو تركيا, وعندما يكون حليفاك المحليان الوحيدان في هذه الصورة من العداء, ستتحول الأرض تحت أقدام الأمريكيين لتكون زلقة بمواجهة الأعداء الروس والإيرانيين شمال سوريا, لذلك يبدو الوضع في شمال سوريا معقدا للأمريكيين وانسحابهم أتى نتيجة متوقعة منذ شهور عندما أعلن ترامب قراره, ثم أجله لبعد انتخابات الكونغرس في نوفمبر السابق. الأمر الآخر, هو أن الانسحاب الأمريكي السياسي والعسكري من المنطقة يجري بهدوء منذ حرب العراق, نفوذ واشنطن في المشرق العربي في تراجع واضح امام منافسين مشاكسين هما طهران وموسكو, ومن اعتمد على الدعم الأمريكي المطلق في معاركه المصيرية, عليه أن يتلقى نتيجة سوء تقديراته وقراءته الضعيفة للمشهد, لقد وصل الأمريكيون لحالة من تراجع التأثير داخل سوريا, لدرجة أن فصائل مرتبطة وممولة من وزارة الدفاع والمخابرات الأمريكية تتعرض لقصف روسي, فيكتفي وزير الخارجية الأمريكي بالاحتجاج. وفي التنف على الحدود العراقية السورية الأردنية, حاول الأمريكيون دعم فصائل عشائرية للوصول إلى ريف دير الزور, ففشلت أول مرة في مواجهة تنظيم “الدولة” في البوكمال, وفشلت ثاني مرة في التوسع نحو ريف دير الزور والميادين, بعد أن واجهتها ميليشيات الحرس الثوري الإيراني, وأضحت تلك القوات الممولة أمريكيا محاصرة في مربع التنف, ومن هذه الاعتبارات, فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة من بعد حرب العراق وتقرير بيكر هاملتون, أخذت تميل لتخفيف التدخل العسكري الأمريكي البري المباشر, والاعتماد على حلفائها وقصر العمل العسكري على الدعم الجوي دون البري, وهذا ما أصبح سياسة رسمية لدى إدارة أوباما, حتى أن مفكرا كبرنارد لويس نصح الأمريكيين بـ(الانسحاب بشرف) إذا كانوا غير قادرين على مواجهة أزمات الشرق الأوسط, ولذلك فإن قرار الانسحاب يمكن قراءته أيضا كاستمرار لسياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ نهاية حرب العراق, خصوصا أوباما, بالخروج السلس من المنطقة وعدم التدخل العسكري المباشر المكلف بشريا وماليا. كذلك لا يمكن استقراء التطورات الأمريكية في المنطقة من خلال الأخذ بحديث تيار أمريكي ما كالديمقراطيين, وترك تيار آخر يسيطر على البيت الأبيض, والأهم أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين حتى في البيت الأبيض تتغير وفقا للأحداث والتطورات على الأرض, وموازين القوى, وعلينا أن نتذكر أنه بعد تفجير القوى الموالية لإيران لمقر المارينز في بيروت بداية الثمانينيات, الذي أدى لمقتل وجرح مئات الجنود الامريكيين, أعلن الرئيس الأمريكي ريغان انه لن يستجيب للتهديد ولن ينسحب من لبنان, بعدها بأسابيع انسحبت كل القوات الأمريكية من بيروت.

وائل عصام/ كاتب فلسطيني

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *