خواطر من وحي التطاحن الرأسمالي العالمي الأول

لا شك في أن إخراج أي مشهدٍ يلعب دوراً كبيراً في ما ينشأ من انطباعٍ وتأثيرٍ نفسي وما يتخلق من قناعاتٍ وأفكار، وقد يذهب البعض إلى كونه يلعب الدور الرئيس بأل التعريف، أنه كل شيء. وكذلك الحال مع الخطاب السائد الذي تدعمه قوةٌ مادية كبيرة نسبياً، وبالتالي آلةٌ إعلامية ضخمة ومتسيدة. 

تملكني ذلك الخاطر، وأنا أراقب مراسم الاحتفالات بمرور مئة عامٍ على نهاية الحرب العالمية الأولى، خاصةً في بريطانيا. ذلك الكم الهائل من التحضير وتلك المهابة التي لفت الإخراج المسرحي الفخم والمهيب، أعضاء العائلة المالكة، الذكور بزيهم العسكري الأنيق، وضباطٌ كبار من شتى أفرع القوات المسلحة، رئيسة الوزارة وزعيم حزب العمال المعارض كوربن، مندوبون وممثلون عن المستعمرات السابقة التي أسهمت في المجهود الحربي البريطاني، أثناء تلك الحرب. الكل يتقدم في مهابةٍ وجلال فيضع إكليلاً من الورود على النصب التذكاري، ثم ينحني احتراماً لمن فقدوا حياتهم في تلك الحرب الأشمل حتى حينها، تحت نظر الملكة التي تتابع من شرفة. (بالطبع لم أملك سوى أن أقارن ذلك الإخراج بما يحدث لدينا، بالسيسي الذي يولينا قفاه متندراً متفلسفاً متفاكهاً، إذ أختلف مع المضمون في الحالتين، لا يسعني إلا أن أضحك في مرارة من رداءة الإخراج والأداء لدينا!). مواطنون بريطانيون كثر لا شك تسمروا أمام التلفاز يراقبون العرض ذا الإخراج المبهر، وربما يملؤهم زهو بالإمبراطورية البائدة التي لم تتضاءل وتنكمش حتى لتوشك على الانشطار في حال انفصال سكوتلندا.

احتفالٌ شبيه حدث في فرنسا

لكن السؤال الأهم، كما هي العادة، يظل لا يُسأل كثيراً، يضيع في غمرة العرض الضخم الفخم والمسلمات: لماذا مات كل هؤلاء الملايين؟ ربما أتت الإجابة الجاهزة سريعةً، “كليشيه”، من أجل الحرية أو من أجل الوطن واستقلاله، فالأكيد أن كلمةً لم تبتذل و”تُعهر” كما حدث مع كلمة “الحرية” التي اُتخذت ستاراً لكل القضايا المنحطة والقتلة المأجورين المرتزقة، كالكونترا في نيكاراغوا على سبيل المثال لا الحصر. في بريطانيا أسموها الحرب العظيمة من أجل الحضارة، فيا له من توصيفٍ فخيمٍ جليل. لكن السؤال الطبيعي الذي ينبغي أن يلي هو: حرية من؟ ومن الذي كان يتهدد هذه “الحرية”؟ هل حارب ملايين الهنود من أجل حرية بريطانيا العظمى التي تستعمرهم وتمتص دماءهم في حربين عالميتين؟ بالطبع لا. إن أبشع ما في الواقع، في نظري، هو حين تتبنى الضحية قضية ومصلحة سارقها وجلادها. لم تكن تلك الحرب التي حارب فيها قرابة السبعين مليوناً وراح ضحيتها زهاء تسعة ملايين جندي ناهيك عن الضحايا من المدنيين، حرباً من أجل الحرية، أو أي هدفٍ سامٍ من هذا القبيل وإنما مجرد تطاحنٍ وتصارعٍ على الكعكة، على العالم والأسواق، حيث ارتأت ألمانيا بمصالحها الاقتصادية المتعاظمة والمتنامية القوة، أن حقها مهضومٌ في تقسيمة ومحاصصة العالم تحت سيطرة فكرة القومية والدولة الوطنية. صراع رؤوس أموالٍ ومصالح على تقسيم الأسواق. لا أنكر بطبيعة الحال أن أهواءً ومشاعر “وطنية” قد تكون لعبت دوراً وأثرت في مجريات الأمور والاختيارات، إلا أن الأساس اقتصاديٌ في الأساس، فقد كان العالم في مجمله قد اكتُشف، ووصل صراع رؤوس الأموال على الأسواق نقطة الانفجار، فتطاحنت ومات الملايين هدراً، حربٌ بين القوى الأوروبية، العالم مسرحها ومن ثم وُصفت بـ”العالمية”. وقد أبرزت تلك الحرب القيمة الفارقة لأمر آخر: الاختيار، فمن اللافت في هذا السياق أن جُل الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي كان من المفترض أن يكون أثبت وأعمق من حيث التأسيس النظري، تلك الأحزاب اصطفت إلى جوار الدولة الوطنية، أي رأس المال، في هذه الحرب الطاحنة، وحدهم البلاشفة بقيادة لينين والمناضلة كروزا لوكسمبورغ وقفوا ضد الحرب ورأوها على حقيقتها: صراع كلابٍ وتزاحمها على الغنيمة. كان ذلك اختياراً واعياً من الطرفين أثّر في تاريخ العالم. لكن للأسف، على الرغم من كل الضحايا ومرّ السنين الذي يسمح بالحكم بعيداً عن العواطف، مازال العالم يحتفل بمئوية تلك الحرب البشعة ملقياً ربما باللائمة على الأطماع التوسعية الألمانية، عوضاً عن أن تكون ذكرى لإدانة الجشع الرأسمالي وأزماته الطاحنة التي تؤدي إلى حروب كهذه وعلى نطاق كهذا. والحقيقة أن ذلك ليس مستغرباً تماماً، فقد غُدرت الثورة الروسية، إذ أنتجت دولةً رأسماليةً أخرى تنتهج رأسمالية الدولة، ومن ثم اشتعلت حربٌ أخرى أكلت قرابة الخمسة والأربعين مليوناً هذه المرة في ظل تطور آلات الفتك والتدمير التي أبدعها رأس المال؛ والشاهد أن رأس المال خرج منتصراً من هذه الحرب، فذلك الكم من التدمير والخراب ساهم في إتاحة حقبةٍ من النمو المتصل استمرت قرابة ثلاثة عقود لبناء ما دُمر.

ثم عادت الأزمات

مئة عامٍ على نهاية الحرب الكبرى ومازال رأس المال مسكوناً مفعماً بالأزمات، مئة عامٍ ولم يزل يخرب الكوكب ويغذي الصراعات والحروب، يبدع العلاجات وينشر الأوبئة، وتزداد مقدرته على التدمير بمقدار تطوره العلمي. الفارق هذه المرة أن ما أنتجه الوحوش الكبار من أسلحةٍ نووية وهيدروجينية، لم يعد يتيح المجال للتطاحن بينها بما سيؤدي له ذلك لا محالة من الفناء، فاستعاضوا عن ذلك بحروب الوكالة. فارقٌ آخر أيضاً يكمن في أن كثيراً من المستعمرات القديمة، شبت عن الطوق وانضمت إلى نادي الكبار، بل الكبار جداً كالصين والهند، وهي تطالب بما يليق ووزنها من الأسلاب، ويتعين هنا لفت الانتباه إلى كون ذلك النمو الذي شهدته تلك الدول يرجع في قدرٍ كبير إلى تصدير رأس المال لها بحثاً عن عمالةٍ رخيصة فراراً من صراعات الداخل. والآن، وفي ظل أزمة الرأسمالية، ها نحن نرى حولنا صعوداً لليمين، بل الفاشية، حول العالم وحماساً متجدداً للدولة الوطنية والنزعات الشوفينية بعد أن تصور البعض ضمورها، في ظل العولمة وأحادية القطب التي سادت قرابة عقدٍ ونيف منذ سقوط الاتحاد السوفييتي. من الجدير بالذكر أن كارل ماركس لم ينكر أن الرأسمالية كانت “طبيعيةً” في زمنها، أي أنها خطوةٌ في التطور لم يكن عنها محيص، بل أدرك واعترف بمزاياها وما قدمته للبشرية، إلا أنه عارض فكرة أبديتها ودوام “طبيعيته” وأصر على طبيعتها المأزومة التي لن تني تنتج صراعاتٍ مدمرة، وهو ما نراه الآن. مئة عامٍ ومازلنا نعيش اختلاجات احتضار ذلك المسخ، العنيفة الدموية المدمرة، وفي مقابل ذلك تنمو حركات احتجاجٍ وتستعيد الأفكار اليسارية ألقها، مع ميلٍ ملحوظٍ للعفوية ذات الطابع الاحتجاجي بعيداً عن التنظيم، وهو ما يقلقني شخصياً. منذ مئة عامٍ أساءت القوى اليسارية الاختيار، وكررت ذلك كثيراً، فهل نحسن نحن الاختيار الآن؟

كاتب مصري

يحيى مصطفى كامل

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *