الرئيسية / مجتمع / “دفتر الاقتراحات”.. منبر لتفجير المكبوتات

“دفتر الاقتراحات”.. منبر لتفجير المكبوتات

ثورة على الأوضاع.. مكبوتات ونوادر “إلياذة من المشاعر تدوّن في ثوان

تحولت دفاتر الاقتراحات والشكاوى التي تضعها مختلف المؤسسات العمومية في مكاتب الاستقبال إلى منبر للثورة على الأوضاع والتعبير عن المكبوتات لدى المواطن الجزائري الذي يترصد كل فضاء يربطه بالمسؤولين لينقل إليهم مواجعه تارة، وترجمة مشاعره وهمومه تارة أخرى، حيث حملت بعض الدفاتر التي تصفحناها إلياذة من المكبوتات تعبر صراحة عن نوادر المواطن الجزائري.

لم يتوقف المواطن الجزائري في ثورته على الأوضاع المعيشية عند حدود اللوحات الإشهارية واللافتات وكذا جدران الفضاءات العمومية بكتابة عبارات  ورسومات غريبة، بل واصل ثورته على دفاتر الاقتراحات والشكاوى بتوجيه رسائل كثيرة، منها حتى العاطفية والشهوانية، ففي الوقت الذي ساهمت فيه بعض الكتابات في كسر روتين ذكر أسماء مسؤولين وأحزاب سياسية بانفجار القارئ لبعض الصفحات ضحكا.
نظرا لمعاني الهزل التي تحملها، اتخذها البعض الآخر من المهتمين بقضايا المجتمع موضوعا للدارسة والبحث العلمي، حيث أكدت لنا الدكتورة “بارة.ب” المختصة في علم الاجتماع وكذا الدكتور “يامين.ب” رئيس قسم الإعلام بجامعة سطيف ومختص في سيميولوجيا الصورة والكاريكاتير، إلى جانب بعض الأساتذة الجامعيين أنهم معوّلون على طرح هذه الظاهرة على طاولة البحث ضمن واجباتهم البحثية المكلفين بها، مؤكدين أهميتها الاجتماعية لاسيما وأن الكثير منها قد أعطت الوجه الحقيقي للواقع المعيشي، خاصة في أعماق الجزائر أو ما يسمى بالقرى والمداشر، كما تزداد أهميتها حسب هؤلاء أنها تمثل أحد الوسائط التي تربط المواطن بالسلطة وبالتالي دراسة هذه العلاقة وما تحمله من دلالات.

 ماذا قال بعض الذين أدلوا باقتراحاتهم؟
خلال جولة قصيرة قادتنا إلى بعض المؤسسات العمومية بولاية سطيف لتصفح ما أدلى به المواطنون من آراء على هذه الدفاتر، وقفنا على غرائب وعجائب الجزائريين التي ترجمتها تلك العبارات والصور على الأوراق، والأمر الذي أدهش القائمون على مكاتب الاستقبال أن البعض من المواطنين الذين زاروا هذه المؤسسات وأدلوا باقتراحاتهم لم يمكثوا أمام هذه الدفاتر إلا بعض ثوان، لكنهم تمكنوا من كتابة إلياذة من المكبوتات، وحكايات في نصوص مطولة، فقد سرد أحد المواطنين بولاية سطيف حكايته مع أزمة السكن بتفاصيلها، مشيرا إلى أن يوم 2 أفريل الذي قدم فيه إلى بلدية بوقاعة يمثل بالنسبة له عيدا لميلاد ملفه المودع لدى المصالح المعنية في ذات اليوم من سنة 2000، والذي مضت عليه أكثر من 15 سنة لكنه لم ير النور، كما فضل المرضى الذي عجزوا عن تلبية احتياجات التدواي وتطليق المرض أن يودعوا وصفاتهم الطبية داخل هذه الدفاتر وهو ما حدث في أحد مكاتب استقبال بالمؤسسة الاستشفائية سعادنة عبد النور، كما كان للمواعظ والآيات الشريفة والأحاديث النبوية التي تدعو للخير وتندد بالاستبداد والتسلط الذي تعيشه البلاد نصيبها الكبير ضمن هذا الفضاء، وبالخصوص تلك الموجهة للمنتخبين على مستوى البلديات والذين عاثوا -حسب الشكاوى الواردة في الدفاتر- فسادا في الأرض، وقد مارس السطايفية في هذا الفضاء عشقهم الكبير للنسر الأسود على غرار باقي الولايات التي شهدت نفس الظاهرة بإدلاء المواطنين عشقهم لمختلف الفرق واللاعبين المحبوبين، وحتى القصص الغرامية كانت حاضرة في هذا العالم الغريب لاسيما تلك التي لم يكتب لها النجاح بفراق المحبوب لمحبوبته حيث قام أحدهم بوضع صورة صديقته السابقة داخل أحد الدفاتر كاتبا على ظهرها عبارات وصفها بأبشع الأوصاف، في حين أبدت إحداهن في دفتر آخر سخطها الكبير من محبوبها السابق الذي وصفته بالخائن محذرة في رسالتها جميع النساء من سخطه وسلوكاته الخداعة، كما نالت السلطة والحكومة نصيبها من الشتم، ومجدّ آخرون ظاهرة الحرقة” والغرب وغيرها من القضايا التي شغلت عقول الجزائريين.

اقتراح شخصيات غريبة لتسيير بعض المؤسسات
لم يجد البعض الآخر من المواطنين واحدا من المسؤولين يتماشى مع رغباتهم فراحوا يصنعون شخصيات افتراضية لتسيير شؤون بعض المؤسسات حيث قدموها داخل الدفاتر ليراها هؤلاء المسؤولون، وقد تم اختيار في غالب الأحيان أشخاص من الطبقة المرفوع عنها القلم كالمجانين والمتشردين، مطلقين عنها تسميات متطابقة مع بعض القضايا التي شغلت هؤلاء في الواقع كبعض المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها لمستويات جنونية مثل “مسؤول البطاطا”، وكذا بعض المعاني كالتخلف إذ عثرنا على صورة متشرد تحمل اسم “مسؤول الروطار” خلال زيارتنا لأحد مقرات مديرية الضرائب ببوقاعة شمال ولاية سطيف، في حين اهتدى البعض الآخر إلى تسمية المسؤول المفضل لديهم بعبارة “مسؤول الشكارة”، واضعين هذه الأسماء داخل هذه الدفاتر ما دامت هي الطريق الوحيدة لهم للتعبير عن مواجعهم.

المسؤولون غير واعين بكل ما حدث
ويبقى الأمر المحيّر في كل ما ذكرناه سابقا أن غالبية المسؤولين المشرفين على تسيير بعض المؤسسات غير واعين تماما بما يدليه المواطنون من اقتراحات على هذه الدفاتر التي وجدنا البعض منها في حالة يرثى لها وكان دهرا من الزمن قد مر عليها، حيث كشفت دردشتنا مع بعض المسؤولين بخصوص هذه الدفاتر أنهم لم يتصفحوا ولو لمرة واحدة هذه الدفاتر مما يوحي أنها غير مجدية ولا معنى لها، لتبقى مجرد خطوة شكلية تدخل ضمن مساعي الدولة الجزائرية في تقريب مؤسساتها من المواطن وكذا تحسين الخدمة العمومية، فغياب الاهتمام جعل من هذه الدفاتر خاصية تضاف إلى بعض الإجراءات الأخرى التي تدل صراحة على فشل المساعي المذكورة، فهل يعلم المسؤولون الكبار بهذه الحكايات التي تنسج وراء أبواب مغلقة أم أنها تدخل ضمن مقولة “لمن تقرأ زابورك يا داوود” وبالتالي بقاء دار لقمان على حالها؟.

سليم.خ

شاهد أيضاً

دعوة إلى تطوير التشريعات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة

لضمان تكفل أمثل بهذه الشريحة أكد مشاركون في أشغال المنتدى الدولي الأول حول ذوي الاحتياجات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *