الرئيسية / أقلام / روسيــــا ستبلــع الإهانة الإسرائيـــليـــة

روسيــــا ستبلــع الإهانة الإسرائيـــليـــة

روسيا من أشد الدول محافظة على إسرائيل وحرصا على أمنها، وتأكد ذلك بقوة إبان الحرب السورية التي ما زالت دائرة حتى الآن. صحيح أن روسيا لا توافق على بعض الأعمال الإسرائيلية أحيانا، لكن عدم الموافقة لا يتطور إلى غضب، وتستمر روسيا في البحث عن وسائل وأساليب لضمان الأمن لإسرائيل.

روسيا ابتلعت عددا من الإهانات والإذلال وهي تواجه التنظيمات المسلحة في سوريا من قبل تركيا والولايات المتحدة وفرنسا والكيان الصهيوني. فضلت الإهانة على الصدام الذي يمكن أن يتطور إلى ما لا تحمد عقباه. وكان لهذه السياسة ما يشجع الآخرين على الطمع وإلحاق المزيد من الإهانات بروسيا والتي كان آخرها إسقاط الطائرة الروسية ومقتل الجنود والخبراء الذين كانوا على متنها. تركيا أسقطت طائرة روسية، فزمجرت روسيا وأرعدت، وفي النهاية قبلت اعتذارا تركيا ضمن صفقة سمحت لتركيا بدخول الأراضي السورية بدباباتها وعتادها. دخلت تركيا الأراضي السورية باتفاق غير معلن مع روسيا. وأمريكا دخلت إلى سوريا عنوة، ولكن روسيا دخلت بمحادثات غير معلنة مع أمريكا بشأن عدم الاصطدام وتزويد كل طرف للآخر المعلومات الخاصة بحركة الطيران في الأجواء السورية. أما الصهاينة فأخذوا مجدهم في ضرب أهداف داخل سوريا دون اعتراض روسي، بل وبموافقة روسية على ضرب أهداف إيرانية. وأخيرا اقنع الروس الإيرانيين بالرحيل إلى جوف سوريا بناء على رغبة إسرائيل والمحافظة على أمنها. والسؤال الذي طرح نفسه على مدى التواجد الروسي في سوريا هو: لماذا أتت روسيا بصواريخها المضادة للطائرات إلى سوريا إذا كانت الأجواء السورية مستباحة للجميع؟ روسيا لم تطلق أي صاروخ مضاد للطائرات من الأراضي السورية، ولم تقدم بطاريات الصواريخ للجيش السوري لكي يدافع عن حرمة البلاد. وبسبب حرص روسيا على الأمن الإسرائيلي بات واضحا أن روسيا تحارب الإرهاب انتقائيا وفق مصالحها وليس وفق مبادئ. روسيا تحارب تنظيمات تصفها بالإرهابية في سوريا، لكنها لا تحارب إسرائيل التي هي بالتعريف دولة إرهابية. الاحتلال بالتعريف إرهاب، وإسرائيل دولة تحتل وطن الغير وتشرد أهله، لكن روسيا تحافظ على أمنها. أي ان مسألة محاربة الإرهاب لا تقوم على مبادئ إنسانية ولا تهدف إلى المحافظة على الأمن والسلم العالميين، إنما هي خاضعة لمصالح ذاتية. إسرائيل تهدد الأمن والسلم العالميين، وتمارس إرهابا يوميا ضد الشعب الفلسطيني، لكن روسيا لا تأتي على ذكر هذا الإرهاب. الآن ألحقت إسرائيل إهانة كبيرة بروسيا بعد إسقاط الطائرة الروسية فوق أجواء اللاذقية، فماذا ستفعل روسيا؟ بإمكان روسيا أن تسلم بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات للجيش السوري ليصطدم هو بالطائرات الإسرائيلية والأمريكية. وبالإمكان إلغاء اتفاقها مع إيران بشأن الابتعاد عن خطوط محافظة القنيطرة وتسمح للإيرانيين بالتقدم جنوب غرب تحت مظلة الحماية الصاروخية السورية. وبإمكان روسيا أن تطلق صواريخها باتجاه الطائرات الإسرائيلية إن هي رأت عدم تسليم الصواريخ للجيش السوري. وبإمكان روسيا أن تعلن الأجواء اللبنانية تحــت حماية الصواريخ الروسية لكي تمنع الإسرائيليين من استعمال هذه الأجواء ضد سوريا. طبعا بإمكان روسيا أن تتخذ خطوات سياسية ودبلوماسية ضد إسرائيل مثل سحب سفيرها من تل أبيب وطرد السفير الإسرائيلي من موسكو. وبإمكانها أيضا وقف السياحة الروسية إلى إسرائيل، والتوقف عن التعامل التجاري مع إسرائيل. لكن كل الخطوات الدبلوماسية والتجارية ضد إسرائيل لن تجدي نفعا ولن ترفع الإهانة عن الكاهل الروسي. تقديري أن روسيا لن تتخذ خطوات من شأنها التأثير سلبا على هيمنة إسرائيل على أجواء المنطقة وعلى رأسها الأجواء السورية، أو من شأنها التأثير على أمن الصهاينة الذين يؤثرون على أمن كل دول المنطقة. وروسيا لن تنقض عهدها مع إسرائيل بشأن ابتعاد القوات الإيرانية عن خطوط الجولان لأن في ذلك ما قد يهدد أمن إسرائيل. وهنا أشير بوضوح إلى أن علاقات الرئيس الروسي بوتين مع نتنياهو أقوى بكثير من علاقاته مع بشار الأسد. وسوريا بالنسبة لروسيا مجرد دولة تشكل موطئ قدم لروسيا، أما إسرائيل فدولة صديقة. وسوريا في النهاية لا تملك أدوات فاعلة في المواجهات ولا مفر من الاعتماد على روسيا وإطاعة السياسة الروسية، أما إسرائيل فمختلفة تماما لأنها تملك أدوات التأثير على روسيا من خلال أمرين وهما: علاقاتها مع الدول الغربية والتي يمكن أن تساعدها في إجراءات ديبلوماسية وتجارية واقتصادية ضد روسيا، والثاني أن إسرائيل تملك قدرات إسقاط الطائرات الروسية سواء فوق المتوسط أو فوق الأراضي السورية. ولا بد أن أشير إلى أن روسيا تخشى المواجــــهة العسكرية بالأسلحة التقليدية مع الدول الغربية وإسرائيل لأنها تخشى إهانة السلاح الروسي. الســلاح الروسي التقليدي من طائرات حربية وسمتية واستطلاعية ودبابات ومدرعات ومدافع وسفن حربية غير متطورة بالدرجة التي وصلت إليها الأسلحة الغربية. روسيا تشكل ردعا نوويا، لكن قدراتها التقنية لم تصل إلى درجة التطور الغربي. وبما أن إسرائيل تمتلك أسلحة أمريكية تقليدية متطورة فإنها قادرة على النيل من السلاح الروسي ولو ضمن أبعاد محدودة. ولهذا تتجنب روسيا الاصطدام بأمريكا وإسرائيل وتركيا فوق الأجواء السورية. ومن المحتمل أن تُقدم إسرائيل على اتخاذ خطوة تخفف كثيرا من الإهانة التي ألحقتها بروسيا مثل قيام نتنياهو بزيارة لروسيا بهدف الاعتذار العلني. فروسيا دولة عظمى على الرغم من ترددها في الدفاع عن الأجواء السورية.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

عبد الستار قاسم

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *