الرئيسية / أقلام / سقوط الطـــــائـــــرة المصريــــة: السيــــاحيّ والسيـــاســـيّ

سقوط الطـــــائـــــرة المصريــــة: السيــــاحيّ والسيـــاســـيّ

أعلنت شركة مصر للطيران أمس الأول أن رحلتها رقم MS804 التي أقلعت من مطار «شارل ديغول» في باريس متجهة إلى مطار القاهرة وعلى متنها 56 راكبا و10 أفراد من طاقمها اختفت عن شاشات الرادار، ثم تم تأكيد سقوطها والعثور على أجزاء من حطامها قبالة سواحل جزيرة كريت.
رئيس الوزراء الفرنسي أكد إن السلطات «لا تستبعد شيئا»، وتبعه وزير الطيران المصري الذي لم يستبعد «فرضية العمل الإرهابي» وهو ما سارع مدير المخابرات الروسية إلى تأكيده أيضا.
ترجيح وزير الطيران المصري للعامل الإرهابي في حادثة الطائرة واعتباره الكلام عن خلل فنّي «كلاماً فارغا»، وتوالي تأكيد الطابع الإرهابي من سلطات أمنية أخرى سينعكس، بالضرورة، مخاوف لدى شركات السياحة العالمية وتراجعاً جديداً في عدد السيّاح، مما سيخلّف أيضاً آثاره على الاقتصاد المصري الذي يعاني من إشكالات بنيوية كبيرة.
وهو ما يعيدنا إلى حادثة تشرين الأول/أكتوبر الماضي التي أدّت لتحطّم طائرة ركاب روسية قرب مدينة العريش في سيناء المصرية وعلى متنها 224 شخصاً أغلبهم من الروس حيث سارعت دول عديدة لإجلاء رعاياها وأوقفت شركات طيران كثيرة تحليقها فوق سيناء وأصيب قطّاع السياحة المصري بضربة كبيرة مما أدّى لخسارة قرابة 280 مليون دولار شهريا.
وإذا كان العامل الإرهابيّ هو ما يربط بين الحادثتين فهناك فارق مهمّ بينهما هو أن الطائرة الأخيرة كانت قادمة من فرنسا، وليس العكس، وبالتالي فكما وجّهت أصابع التشكيك في إجراءات الأمن المصرية بعد حادثة الطائرة الروسيّة، فالعدل أن يجري التشكيك أيضاً في إجراءات الأمن الفرنسية، وهو ما جعل سلطات باريس تسارع لتبرئة نفسها من أي علاقة بسقوط الطائرة بقول وزير نقلها إن الطائرة لم يكن على متنها أي أمتعة خطرة وتشير إلى أن وجود ثلاثة رجال أمن على الطائرة المصرية هو «أمر روتينيّ».
ولكنّ ما يلفت الانتباه في الجهة الفرنسية هو أن سلطاتها قامت أمس بتمديد حالة الطوارئ وأن رئيس مخابراتها الداخلية صرّح في اليوم نفسه أن عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» يستعدون لحملة تفجيرات تستهدف التجمعات الكبيرة في فرنسا، الأمر الذي قد يشرح صدر المسؤولين الأمنيين المصريين باعتبار أن «الحال من بعضه»، وأن لا فرق بين سلطات عربية و»أعجمية» حين يتعلّق الأمر بالمعالجات الأمنية، ففرنسا تعرّضت لاعتداءات إرهابية كبيرة جدّاً، وهو الأمر الذي حصل، ويحصل، في مصر، فما بال سياحكم يهربون من مصر ولا يهرب سيّاح العالم من فرنسا؟
والواقع أن هناك بعض المنطق في هذه المحاججة فالمعالجة الأمنية الفرنسية تترافق مع صعود كبير لليمين الفرنسيّ يقدّم التبرير الشعبويّ للاقصاء المتزايد للمسلمين وللاسلام من الحيّز العام الفرنسي مما يوفّر بدوره الحاضنة لظهور ردود فعل إرهابيّة عنيفة ضمن الجاليات المهمشة والمفقرة للمسلمين، ولكنّ التقاطعات تقف عند هذا الحدّ، فصعود اليمين المتطرّف الفرنسي يوازنه وجود آليّات ديمقراطية كبرى للرد عليه في فرنسا، وهو أمر لا يمكن أبداً أن يقارن بتهافت ورثاثة هذه الآليّات في مصر التي يتكفّل حلف العسكر والأمن ورجال الأعمال في مصر بالتلاعب بها وتوجيهها لخدمتهم وللإضرار بمصالح مصر العمومية، سياسة واقتصادا واجتماعاً.
إن أدوات الحكم الحديث من سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية مضافاً إليها قوّة الإعلام والمجتمع المدني هي التي تحدّد، في النهاية، مصير المجتمع، وهذه الأدوات، تعاني في مصر عبد الفتاح السيسي، من استعصاء سياسيّ خانق لا يمكن حلّه بالأساليب الأمنية والعسكرية.
القدس العربي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *