شكرا جوليان أسانج..

«احرقهم… نعم كلهم!»، يقول الجندي الأمريكي مشجعا زميله وهو يرش العراقيين الذين يتراكضون في الشارع، في بغداد الجديدة، تحت مروحية الاباتشي. يعجبه مرأى الضحايا على الأرض، فيصرخ فرحا «آه، نعم، أنظر إلى هؤلاء الأوغاد الميتين. منظر لطيف».
هيفاء زنكنة/ كاتبة عراقية

عندما اكتشفت قوات الاحتلال، فيما بعد، وجود طفلين بين الجرحى، قال المسؤول عن رش الضحايا بالرصاص، مبررا جريمته «حسنًا، إنه خطأهم… جلب أطفالهم إلى المعركة». ليس هذا الحوار واطلاق صرخات الفرح بالقتل المتعمد هو لقطة في فيلم هوليوودي. بل هو واحد من الأفلام والوثائق السرية التي كشفها الصحافي جوليان أسانج عام 2010، في تسريبات، ما بات يعرف بـ«ويكيليكس»، التي أدت إلى القاء القبض عليه من قبل الشرطة البريطانية، يوم الخميس 11 أبريل، بعد إخراجه عنوة من سفارة الاكوادور، في لندن، بعد سبع سنوات ونصف من بقائه لاجئا فيها. تم خلال سنوات لجوئه الكشف عن مئات الآلاف من الوثائق الأمريكية وغيرها الفاضحة لتبادل المعلومات التي طالما أريد لها ان تبقى طي النسيان، والا يطلع عليها المواطنون لما تحويه من مساس بحرية الفرد والرأي ومساحة التآمر عليه، غالبا، بذريعة «الأمن القومي».
كان الفيديو الذي كشف جريمة قتل 12 مواطنا عراقيا، عام 2007، بضمنهم صحافيون عاملون لدى وكالة أنباء رويترز، وهما نمير نور الدين ( 22 عاما) ومساعده سعيد شماغ ( 40 عامًا، متزوج. ترك أرملة وأربعة أطفال)، والذي ساعدت صحيفة «الغارديان» البريطانية، على توزيعه بشكل واسع، ومن ثم تناقلته أجهزة الإعلام، في جميع انحاء العالم، هو الذي سلط الأضواء بقوة على أهمية عمل فريق «ويكيليكس» التحقيقي الصحافي، المستند إلى حق حرية التعبير، وهو الذي جعل الادارة الأمريكية تطالب برأس الفريق أسانج، حسب فرضية إقطع الرأس تتخلص من الجسد، وبعد أن القت القبض على الجندي الأمريكي برادلي ماننغ، الذي قام بتسريب الفيديو، مع 750 ألف وثيقة عسكرية ودبلوماسية أخرى، إلى «ويكيليكس».
احتل الفيديو أهمية خاصة، أيضا، على الرغم من كشفه بعد مرور ثلاث سنوات على ارتكاب المذبحة، لأنه أوضح بالصوت والصورة، زيف الادعاءات عن « التحرير» و«انسانية» المحتل.
اذ بينت صرخات الابتهاج بحصد الأرواح من طائرة مروحية من طراز أباتشي (المرتبطة بالاذهان بالمجازر الأمريكية بفيتنام)، وبآلات القتل المتطورة، كيف تعتبر قوات الاحتلال نفسها: إنها فوق البشر. وكيف ترى العراقيين كأوغاد مجهولي الهوية، يحاولون الحاق الضرر بهم وهم الذين جاؤوا لـ« تحريرهم».
العراقيون، إذن، أوغاد، بلا اسماء، بدون إنسانية – وتجريدهم من إنسانيتهم، كفعل منهجي متعمد، ​​يجعل قتلهم سهلاً. هكذا، مارس المحتل الأمريكي والبريطاني التعذيب، بأبشع صوره، في سجن أبو غريب ومعسكر «بريد باسكت»، وارتكب المجازر في مدينة حديثة ؛ والاسحاقي (حيث قتل 11 مدنيا عراقيا في يونيو 2006) ؛ والفلوجة التي تم هدم 70 بالمئة منها، بالاضافة إلى اغتصاب وحرق الطفلة عبير الجنابي وعائلتها، ومن ثم اتهام « المتمردين السنة» ليغطي الغزاة جريمتهم. وغالبا ما يأتي أحدهم ليبرر جرائم قتل الاطفال بأن الخطأ هو «خطأهم»، أي اهل البلاد، لأنهم يجلبون الاطفال إلى أرض المعركة. ولأن جوهر المحتل واحد أينما كان، استمعنا إلى ذات التبرير من قبل ناطق باسم الكيان الصهيوني عندما وثقت كاميرا (قناة فرانس2) في 30 سبتمبر 2000، جريمة قتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة ( 11 سنة)، وهو بحضن والده جمال، وسط قطاع غزة، لحظة بلحظة. حيث واصل جنود الاحتلال رشهما بالرصاص بعد أن اختبأ خلف برميل إسمنتي طلبا للحماية من عمليات إطلاق النار. إدعى متحدث الكيان الصهيوني، للتبرؤ من قتل محمد الدرة، بعد أن هزت صورته ضمير العالم «أن الفلسطينيين يضحون بأطفالهم لتشويه صورة إسرائيل»!
بالاضافة إلى الفيديو، نشرت منظمة «ويكيليكس» الاعلامية، يوم 22 أكتوبر 2010، أكبر تسريب عسكري سري في التاريخ، وهو نشر 391،832 من «سجلات حرب العراق»، التي توثق الحرب واحتلال العراق، من 1 يناير 2004 إلى 31 ديسمبر 2009 (باستثناء شهري مايو 2004 ومارس 2009) كما سجلها جنود الأحتلال في التقارير الرسمية، ووصفوا فيها الاحداث، كما رأوها وسمعوا عنها، دقيقة دقيقة. وهي أول لمحة حقيقية عن التاريخ السري للحرب التي كانت حكومة الولايات المتحدة مطلعة عليه طوال الوقت، حسب تعبير ويكيليكس.
توثق السجلات المنشورة في موقع Iraq War Logs ))، بالتفصيل، وفاة 109،032 شخص في العراق، تتألف من 66،081 ‘مدني’ ؛ 23984 «عدو» (من يطلق عليهم اسم المتمردين) ؛ 15،196 «دولة مضيفة» (قوات الحكومة العراقية) و 3،771 «صديقة» (قوات التحالف). غالبية القتلى أي 60 بالمئة من 66 ألف هم من المدنيين. بلغ معدل القتلى 31 مدنيا في اليوم خلال فترة السنوات الست. للمقارنة، توضح «مذكرات الحرب الأفغانية»، التي أصدرتها ويكيليكس سابقا، والتي تغطي نفس الفترة، مقتل حوالي 20 ألف شخص. مما يجعل ضحايا العراق الموثقين لدى قوات الاحتلال خلال نفس الفترة، خمسة أضعاف العدد في أفغانستان لنفس النسبة السكانية. وغني عن القول ان أعداد الضحايا أكبر بكثير اذا ما حسبنا وفيات الجرحى بعد حين، وكذلك الوفيات نتيجة دمار المستشفيات وانتفاء الخدمات الطبية وسوء المواصلات.
هذه الأعداد المسماة بـ«الوفيات الإضافية» هي التي تم التعامل معها عالميا لتقدير نتائج الحروب السابقة، والتي استخدمت في تقديرات مجلة لانسيت الطبية المعروفة عالميا، عام 2006 عن وفيات العراق الإضافية، وهي 654 الف عراقي في السنين الثلاث الاولى للاحتلال.
بالنسبة الينا كعراقيين، للسجلات الأمريكية العسكرية التي كشفها جوليان اسانج، مهما كانت نسبة تسجيلها، أهمية قصوى، خاصة في مجال محاسبة المسؤولين عن شن الحرب ضد العراق كمجرمي حرب، والى ان يبادر عدد من الباحثين العراقيين بتفكيك الرموز المتعارف عليها عسكريا، التي استخدمت بكتابتها، ومن ثم ربطها بمجريات الاحداث والجرائم التي غطتها الصحافة، وتقديم ولو جريمة واحدة إلى المحاكم الدولية، إلى ان يتم ذلك اقول شكرا جوليان اسانج فلولا ما سربته لنا أنت وفريق منظمة «ويكيليكس» من سجلات جرائم بحق شعبنا، من حقائق عن الحرب الامبريالية القذرة، لما كان بامكاننا حتى ان نحلم بذلك.

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *