صراع النفوذ على الكعكة الليبية

مما لا شك فيه أن الاقتصاد الليبي ما قبل موجة الربيع العربي كان من أقوى اقتصادات دول شمال إفريقيا، فالغاز الليبي ذو الجودة العالية شكل أماناً مالياً للمجتمع الليبي، إلا أن المشهد في وقتها لا يمكن اختصاره عند المال فالحياة السياسية كانت معدومة، فالحاكم المفدى هو القذافي والحاكم التالي هو من يختاره القذافي والدستور يفصل عند رغبات القذافي والحرب تعلن وتوقف بمزاجية القذافي، فلا حقوق إنسان ولا حرية تعبير والسجون لم تختصر على المجرمين وإنما حولها القذافي لمسكن إجباري لكل من يعارضه أو يعارض سياساته.

نرجسية القذافي
ضمن هذه الأجواء الداخلية المشحونة بالسلبية لم تختصر نرجسية القذافي هنا، فالعلاقات الليبية الإقليمية والدولية في عهدته كانت تتسم بعدم الانضباط وغياب الخطط والاستراتيجيات، فتارة يتصادم مع واشنطن بمشروع نووي أو بخطاب طفولي وتارة يقدم خدماته المجانية للمخابرات المركزية الأمريكية من خلال فتح مركز التعذيب الخاصة به لمعتقليهم السريين ليكون يدهم القذرة في سحب الاعترافات المطلوبة.
أما علاقاته مع الدول العربية فهي الأخرى لم تكن على ود دائم فتارة يتخاصم مع حكام المملكة العربية السعودية وتارة يتصادم مع الحكومة اللبنانية أو الحكومة الجزائرية.
أما أوروبياً فكان الغاز الليبي وأموال القذافي الخاصة في بنوك القارة العجوز ثمناً كافياً لإسكات الأفواه والصحافة « الحرة « هناك. ومع انطلاق موجة الربيع العربي بداية العقد الحالي كان الشعب الليبي من أولى الشعوب التي انتفضت على الطاغية في طرابلس وبنغازي ومعظم المدن الليبية مطالبين بالحرية المفقودة واسقاط النظام الديكتاتوري، لتبدأ معها الأيادي الخارجية صراعها على الصيد الثمين في باطن الأراضي الليبية.

سقوط نظام العائلة
مع نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2011 أعلن الثوار الليبيون سقوط نظام عائلة القذافي لتدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة، فالمجلس الوطني الليبي المشكل ما بعد الثورة بالرغم من جهوده الحثيثة إلا أن المصالح الخارجية حالت دون نجاح هذه الجهود لاستقرار البلاد، ومن دون سابق إنذار حطت طائرة أمريكية خاصة في مطار بنغازي آتية من واشنطن تحمل معها اللواء خليفة حفتر أو ما يسمى حالياً بقائد الجيش الوطني الليبي، حفتر وبدعم خارجي واضح استطاع تجنيد آلاف الشباب الليبي ممن كانوا سابقاً جنوداً للقذافي، أو ممن دفعته الحاجة المادية ليشكل ميليشيا أدخلت البلاد في صراع داخلي ظاهره ليبي ليبي وباطنه صراع لمصالح خارجية عبر ميليشيا تمتهن تنفذ جرائم الحرب وتحميها دول تدّعي احترامها لحقوق الإنسان، فخلال الأعوام السبعة الماضي حاول حفتر الانقلاب على حكومة الوفاق المعترف بها دولياً مرتين إلا أن هاتين المحاولتين باءتا بالفشل. في الرابع من هذا الشهر أعلن حفتر البدء بمحاولة انقلابية جديدة للسيطرة على طرابلس بشكل يوحي وصول داعمي حفتر وحكومة الوفاق لطـريق مسـدود وأن الكعـكة هـناك لا تقبـل القسـمة.

الأحداث الدموية
بعدياً على الأحداث الدموية الميدانية في محيط طرابلس ومصراتة فإن للمشهد أبعاده الإقليمية والدولية يتهرب من ذكرها معظم وسائل الإعلام الدولية، فالمعركة في محيط مطار طرابلس وقودها الليبيون وأطرافها الفعليون خارج الحدود الليبية. وبكامل الشفافية يمكن القول أن كلا من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر هم داعمون مباشرون لميليشيا حفتر عربياً، وهو ما أكدته زيارة حفتر نفسه للرياض قبل أيام من بدء المعركة الأخيرة، فيما يدعمه دولياً كل من فرنسا وروسيا بشكل علني وبشكل مباشر عسكرياً ولوجستياً، فالقواعد الروسية الثلاث في شرق ليبيا دليل واضح لهذا الدعم، بالإضافة للغطاء الدولي الذي يقدمه كلا البلدين من خلال الفيتو الأخير لموسكو في مجلس الأمن ومن خلال التلاعب الفرنسي بصياغة البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة. ومن جهة أخرى فإن حكومة الوفاق في طرابلس وبالرغم من كونها الحكومة الشرعية المعترف بها اممياً إلا أن أطراف دولية قليلة تدعم موقفها على رأسها تركيا وإيطاليا، وبنظرة سريعة لهذه التركيبة المعقدة من التحالفات يمكن رؤية كمية التناقضات الضخمة والتي تؤكد بما لا شك فيه أن السياسة لا ترى عدواً أو صديقاً وإنما لغة المصالح هي البوصلة الوحيدة في أي تحرك دولي، فأنقرة الشريك الاستراتيجي لموسكو في الملف السوري تقف على النقيض في الملف الليبي، وفيما تعمل باريس بشكل حثيث ضد مصالح موسكو في الملف الأوكراني يتشارك البلدان الصف نفسه في الملف الليبي.

توقيت مفاجئ للتحرك
من خلال ما انتجته المعركة في طرابلس والمدن الأخرى التابعة لحكومة الوفاق من بعد ما يقارب الأسبوعين من انطلاقها يمكن الوصول لاستنتاجات لما قبل هذه المعركة وما بعدها، فالتوقيت المفاجئ لهذا التحرك العسكري يؤكد حصول حفتر لضوء أخضر صريح من داعميه الغربيين والأعراب، هذا الموقف بني على معلومات قدمها حفتر نفسه للحلفاء توحي أن قواته قادرة على إنهاء المعركة في أيام معدودة، إلا أن نتائج المعركة من بعد الأسبوع الأول وزيارة حفتر لموسكو المفاجئة تؤكد أن الأوضاع على الأرض لم تكن مرضية، فيما تأخر واشنطن بطلبها وقف القتال عدة أيام من بعد بدء المعارك يؤكد أن واشنطن كانت موافقة ضمنياً على هذا التحرك إلا أن النتائج الميدانية الأولية دفعتهم للتهرب من أخذ موقف صريح.
على الأرض وحسب ما تؤكده المصادر المحلية فإن فالتقدم البسيط الذي استطاعت تحقيقه ميليشيات حفتر خلال الأيام الخمسة الأولى بدأت تخسرها مع دخول المعارك أسبوعها الثاني، ومطار طرابلس التابع لحكومة الوفاق والذي حاولت ميليشيات حفتر السيطرة عليه لأهميته الاستراتيجية استطاع الصمود لا بل تمكنت قوات الوفاق من تأمينه بشكل صلب في الأيام الأخيرة، كما أن التحالفات الداخلية لحكومة الوفاق مكنتها من جمع أعداد ضخمة من المقاتلين تجعل من عملية حفتر في طرابلس صعبة بشكل كبير ضمن المعادلة العسكرية البرية والجوية الحالية. في ظل غياب أو تغييب الدور الفعلي للأمم المتحدة ووسيطها السامي في الملف الليبي يمكن القول أن أصوات الرصاص والصواريخ هي التي تقود المشهد الليبي الحالي، إلا أن ما هو مؤكد تبعاً للأرقام والخارطة أن الوقت المعطى لحفتر وميليشياته بدأ بالنفاد ومعركة عض الأصابع هي لغة الأيام المقبلة فالذي يتألم أولاً سيكون الطرف الأضعف على طاولة المباحثات السياسية التالية.

إيفا كولوريوتي/ كاتبة يونانية

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *