صفقة القرن التجارية: سوق نخاسة جديد

مما لا شك فيه، أن النضال الفلسطينيي يتعرض منذ أكثر من عقدين وبالذات في السنوات الأخيرة لهجمة شرسة ومخطط لها بعناية، وأخطر ما فيها، أن المختفيات منها، لا تزال طي الكتمان وحبيسة الغرف المظلمة في دهاليز ما تحت الأرض، للسياسة الامريكية الاسرائيلية.

بداياتها اتفاقية أوسلو ذات المدخلات والنتائج الكارثية على الكفاح والجهاد الفلسطيني، الذي على الرغم من هذا المخطط، ظل يواصل جهاده بلا هوادة أو توقف، وهو الوحيد في ساحة الكفاح، بعد ما جرى للمحيط العربي من دول الطوق. وهنا نحن لا نبرئ حكومات هذه الدول من ألاعيبها في قضية الكفاح الفلسطيني لصالح كراسيها الماسية، فهي أي تلك الانظمة كانت السبب القوي في تعدد ولاءات منظمات الكفاح الفلسطيني، مع هذا، كانت ملزمة بتقديم ما قدمته لتجميل صورتها أمام شعوب العرب. ومن الجهة الثانية كانت هي السبب في عقد الكثير من الصفقات على حساب الحق المشروع للفلسطينيين في الجهاد والكفاح. ومن ذلك ما جرى للنضال الفلسطيني الذي قاده المرحوم أحمد الشقيري بعد حرب عام 1967 لتجري بعد هذا بثلاث سنوات، أي في عام 1970، مجازر أيلول الأسود التي استهدفت معاقل منظمة التحرير الفلسطيني في الأردن. والمجازر الأخرى في لبنان. لتستمر إلى الآن، الأمر الذي ترك فيه شعب فلسطين يواجة بصدر عار، إلا من الإيمان بالارض وعشق ترابها؛ جرافات الكيان الاسرئيلي ورصاص بنادقه. في عملية مخطط لها بدراية، لقضم الأرض في القدس والضفة الغربية، خطوة بعد خطوة، لتهجير أهلها، في فضاء من الصمت السياسي العربي والإقليمي والدولي. يصاحبها الترويج وأيضا سياسة الخطوة خطوة وبهدوء وبلا ضجيج لصفقة القرن التجارية. فقد نشر موقع “جلوبس” الاسرائيلي الالكتروني؛ أن ترامب عرض على السلطة الفلسطينية 5 مليارات دولار لإنعاش الاقتصاد في الضفة والقطاع و5 مليارات أخرى من الدول العربية الغنية، أي دول الخليج العربي للهدف ذاته. وفي المقابل يجري الضغط المالي والاقتصادي على سلطة فلسطين، ومن ثم على النضال الفلسطيني وبنتائج أقوى وأشد تأثيرا على حياة الناس. بين حين وآخر تظهر معلومة لتضاف إلى معلومات أخرى سبقتها، وهي أي هذه الأخبار التي تضخ لجس ردود الأفعال الفلسطينية من منظمات الكفاح  الفلسطيني، خارج السلطة الفلسطينية، ليتم بهذه وغيرها، التي كشف عنها النقاب في الذي سبق من الزمن، صناعة سلالم الصعود الى سطح صفقة القرن، حتى تكون واقعا يتحرك على الأرض. ومن أهمها، بل أخطرها هو الطرح الاخير للكونفدرالية بين الاردن وفلسطين. يخطئ من يظن أو يعتقد أو يتصور بان ما للفلسطينيين للفلسطينيين وما للعرب للعرب؛ فهذا خطأ تكتيكي واستراتيجي في الآن نفسه، وإلا ما هي الدوافع لكل هذا الخراب والدمار اللذين تتعرض لهما الدول العربية، الدوافع هو أمن إسرائيل إلى مديات بعيدة، كما يخططون لبلقنة الدول العربية المهمة (نسبة ليوغسلافيا السابقة) في الحاضر من الوقت، أي المديات المنظورة، وليس كما ينتجه الواقع لاحقا. لكن من الأهمية بمكان الإشارة أو التأكيد على أن حكومات تلك الدول التى أُنزلت من عرشها، كانت حكومات ديكتاتورية وأخرى لم تزل جالسة على كرسي الطاووس، شددت الخناق على شعوبها وهي تحتمي قبل هذا الحين بالغطاء الأمريكي السياسي والإعلامي وكذا في البعض منها، المعاونة والدعم الأمريكيين، بمختلف أشكال الدعم، قبل أن تنقلب عليها ديناصورات البيت (الابيض)، للتغير الذي حصل في متطلبات الحال ومنطلقاته الاستراتيجية. نعود الى العرض المالي الترامبي، وهو بالتأكيد عرض ينم عن ضيق الأفق السياسي وعدم معرفة للتاريخ العربي والفلسطيني، من الناحيتين التكتيكية والاستراتيجية.. لنفترض وهو افتراض غير وارد من الناحية الموضوعية والواقعية؛ أن السلطة الفلسطينية وافقت، هل بإمكانها حين تدق ساعة الحقيقة ويتم التطبيق الفعلي لما يراد منها أن تحوله إجرائيا إلى واقع، هل يقبل شعب فلسطين وهنا علينا أن نذكر أن العرض يتضمن التخلي عن القدس وحق العودة؛ بالتأكيد سوف لن يقبل، بل العكس هو الصحيح سوف يثور ضد الموافقين عليها وضد جيش الاحتلال الاسرائيلي البغيض. إن الفلسطينيين يقارعون لعقود مضت بدم يفور، عدوا مدججا بأحدث ما أنتجته آلة الحرب ولم يهجع او يستكين، والى الآن يقاوم بطرق مختلفة. هنا نقول طال الزمن أم قصر سوف لا محال؛ ترضح إسرائيل للعدل، مجبرة وصاغرة أو تواجه امرا آخر. الفلسطينيون حتى إن توزع البعض منهم في المنافي تحت ضغط الواقع المؤلم، يظلون هم الأكثر سكانا، سواء في الضفة والقطاع أو في الشتات الداخلي، أو في دول الطوق. الاسرائيليون، اي اليهود، مهددون بقلة السكان في المتوسط من الزمن بالقياس الى الفلسطينيين، وحتى في الداخل أو في الضفة والقطاع. إن النمو الديموغرافي للفلسطينيين أكثر على اقل تقدير بأربع مرات من النمو الديموغرافي اليهودي، تلك مشكلة كبيرة على صعيد المستقبل. وهذا واحد من أقوى الاسباب وربما هو السبب الوحيد للقانون الإسرائيلي الاخير، قانون يهودية الدولة اي دولة اسرائيل.

مزهر جبر الساعدي/ كاتب عراقي

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *