الرئيسية / أقلام / صفقة ماي وصفاقة ترامب

صفقة ماي وصفاقة ترامب

لعلّ البريطانيين، خاصة أولئك الذين صوّتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة، قد تلقوا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمريناً تمهيدياً على ما سيشهدونه من أعراف “العلاقة الخاصة” البريطانية ـ الأمريكية؛ ليس بعد آذار (مارس) 2019، حين سيغادر التاج البريطاني الحاضنة الأوروبية، بل منذ هذه الساعة.

للمرء أن يدع جانباً تلك الإهانات التي أطلقها ترامب، خلال مقابلة صحيفة الـ”صن”، ضدّ مضيفته رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي؛ فهذه رياضة أثيرة لدى الرئيس الأمريكي، خاصة حين تكون ضحيته امرأة (المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، قبل ماي)؛ وخاصة، كذلك، حين تكون الـ”صن” نظيرة “فوكس نيوز” في عرف ترامب. مَنْ يهُنْ يسهل الهوان عليه، كما ذكّرنا أبو الطيب المتنبي، وما دامت ماي قد راهنت على زيارة ترامب وعلّقت عليها الآمال؛ فلها أن تحصد الأشواك بدل الرياحين. اللافت، في المقابل، أنّ ترامب لم يأت إلى بريطانيا ليبارك طراز الخراب الذي يستهويه شخصياً، أي خروج البلد من اتحاد طوعي مع أوروبا، له ما له وعليه ما عليه، فحسب؛ بل لكي يطلب المزيد من الخراب، وذاك الذي يصنعه بيديه أيضاً. لقد سخر من الحزمة التي توصلت إليها ماي مع حكومتها وحزبها، وعليها سوف تتفاوض مع الاتحاد الأوروبي لتنظيم الخروج؛ وأعلن ـ دون أية لباقة دبلوماسية، والحق يُقال ـ أنه علّم رئيسة وزراء بريطانيا كيف تتفاوض على نحو أفضل، لكنها لم تأخذ برأيه! أيضاً، لاح أنّ الصفاقة هي الصفة الوحيدة التي يمكن أن يُنعت بها تصريحه بأنّ حزمة ماي ليست ما صوّت عليه البريطانيون المطالبون بالخروج؛ وكأنه، في نهاية المطاف، يطعن في شرعية خيارها، بل يحرّض على التمرد ضدها. وبالفعل، لم يكن إطراؤه لوزير الخارجية المستقيل بوريس جونسون، في أنّ “هذا الرجل الموهوب” يمكن أن يصبح “رئيس وزراء عظيماً”، سوى مباركة لأحد أبرز منافسي ماي على “داوننغ ستريت”. وبين اشتراطاته خلال القمة الطارئة للحلف الأطلسي في بروكسيل، وآرائه التي حملتها الـ”صن” إلى البريطانيين، ورغم تخفيف اللهجة تارة أو التراجع عن فحوى الإهانة طوراً؛ ظلّ ترامب وفياً لاثنين على الأقلّ من المبادئ التي هدت سلوكه طيلة 18 شهراً من توليه رئاسة الولايات المتحدة: أنه رجل أرباح ومكاسب ونهب واحتكار، على طريقة أيّ رجل أعمال سائل اللعاب أبداً؛ وأنه، ثانياً، يكره مواثيق الهيئات الجماعية لصالح الصياغات الفردية والاستفرادية. هكذا كان موقفه من اتفاقية المناخ، ثمّ الاتفاق الغربي مع إيران حول برنامجها النووي، فإجراءات فرض الرسوم الجمركية والتهديد بالانسحاب من منظمة التجارة الدولية، فابتزاز الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي، وصولاً إلى الرغبة المعلنة في تفخيخ الاتحاد الأوروبي تمهيداً لتقويض أركانه… لم يكن عجيباً، والحال هذه، تصريح ترامب بأنّ القمة التي ستجمعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في هلسنكي يوم غد، هي المحطة “الأسهل” في مشواره الأوروبي؛ قياساً على مشاركته في القمة الأطلسية، وزيارته إلى بريطانيا. الأرجح أنه لم يقصد مظاهرات الاحتجاج الشعبية في بروكسيل، والأخرى العارمة التي احتشدت في شوارع لندن، ضدّ سياساته وشخصه؛ وإنما قصد مقدار التطابق مع بوتين في مبدأ الانفراد والاستفراد، ثمّ عقد الصفقات على أساس شروط التعاقد بين رجل أعمال ورجل المزيج الأوليغارشي المافيوزي. أخيراً، يقتضي الإنصاف التذكير بأنّ ترامب لم يكن أوّل رئيس أمريكي يتدخل في القرار الوطني البريطاني، إذْ كان باراك أوباما قد حذّر البريطانيين ـ على نقيض ما يفعل خَلَفه اليوم ـ من أنّ مغادرة الاتحاد الأوروبي سوف تضع بريطانيا في “آخر صفّ” الاتفاقيات التجارية مع الولايات المتحدة. الأمر الذي يؤكد أنّ “العلاقة الخاصة” المأثورة ليست، في نهاية المطاف، تعاقداً بين شريكين متساويين تجمعهما “القِيَم” ويقرّبهما التاريخ؛ بل هي أقرب إلى صيغة السيد والتابع، حيث صفاقة الأوّل جزء من الصفقة مع الثاني!

 

صبحي حديدي/ كاتب سوري

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *