صوتهم من “الحُفر” يناديكم.. ألا تسمعــون؟!

الآلاف من رفـــــات الشهداء في مقابــر جماعيــة، والكل يتنصـل من المسؤوليـة، لكنــــه يحتفل بيومهم الوطني

باقات ورد كثيرة سيتم وضعها اليوم على قبور الشهداء وقراءات متكررة لفاتحة الكتاب على أرواحهم من طرف مسؤولينا بمختلف مناصبهم و”رتبهم” الذين سيتنقلون إلى مقابرهم و”مقاماتهم” مرفوقين بكاميرات التلفزيونات التي ستنقل “الحدث” في يوم سمي منذ 1989 بـ”يوم الشهيد” لكن شهداء كثر بعد 55 سنة من الاستقلال، لا زالوا من “حفر” رماهم بها الاستعمار، أو من تحت “فيلات” أو حتى بيوت قصديرية شيّدت على رفاتهم يصرخون “نريد قبورا..”، ألا يستحقون؟..

لا تكاد المقابر في الجزائر وفي كل بقاع العالم تخلو من زوارها الذين يأتون فرادى وجماعات لزيارة موتاهم والترحم عليهم والدعاء لهم، ويتسابق الجزائريون للمقابر فمنهم من يقرأ القرآن على فقيده ويدعو له بالرحمة والمغفرة، ومنهم من يقف على قبر ميته، يروي له كل صغيرة وكبيرة في حياته، ومنهم من يحرص على نزع الأعشاب من على القبر، وغرس نباتات بدلها وريّها في كل زيارة..مظاهر محروم منها المئات بل الآلاف من أبناء الشهداء في الجزائر، والسبب أن آباءهم “خطفهم” جيش الاحتلال الفرنسي أثناء الثورة التحريرية وعذّبهم قبل أن يقتلهم ويتخلص من جثثهم في سرية تامة برميها في حفر أو وديان، أو ببساطة دفنها -أو بالأحرى- وضعها تحت التراب غير بعيد عن المحتشدات التي كان عساكر الاحتلال يمارسون فيها أبشع أنواع التعذيب على جزائريين عزّل.
تصرف الجيش الفرنسي برّره أحد جنرالاته عندما سئل عن ملف المفقودين أثناء ما اصطلح على تسميته بـ”معركة الجزائر” بأنه “حرص من فرنسا على أن يبقى الشعب الجزائري في حداد دائم، حتى لا يفكر مرة أخرى أن يرفع رأسه في وجهها”، أما نحن فلم نجد ما يبرر صمت السلطات الجزائرية على هذا الملف، وزيادة على عدم مطالبتها جديا، فرنسا بأن تكشف مصير هؤلاء المفقودين، لا تحرص إطلاقا على استخراج رفات الشهداء “المبعثرة” هنا وهناك في حفر، وآبار، وتحت أساسات بنايات فخمة وحتى بيوت قصديرية شيدت فوقها لتكريمها بدفنها، و”إطفاء النار” في قلوب أبناء الشهداء الذين كان أغلبهم صغيرا غداة الاستقلال، أما أمهاتهم (أرامل الشهداء)، فمنعهن الجهل وعسر الحال والأعراف من أن يقتفين آثار أزواجهن، وبعد 55 من الاستقلال، أغلبهن التحقن بأزواجهن عند الرفيق الأعلى، أما أبناؤهن فمنهم غير المبالين، وأكثرهم أدرك أن القضية أكبر مما كان يتصور، ففوض أمره إلى الله، وتنحى عن جنب، وترك أباه في حفرته يصرخ: “ادفنوني”..

البدايــــة مـــن”الدهاليـــز الثلاثـــة”..
هو ما وقفنا عليه أثناء مرافقتنا لعائلة الشهيد محمد بلكحلة الذي اختطفه مظليو الجنرال ماسو خلال ما اصطلح على تسميته بـ”معركة الجزائر” سنة 1957 ، في رحلة بحث جديدة عن رفات فقيدها إثر معلومة بلغتها مفادها أنه عُذب وقُتل ورُمي في بئر بمنطقة “الدهاليز الثلاثة” بالحراش بالجزائر العاصمة رفقة نحو 40 من رفاقه. العائلة كانت قد فقدت الأمل منذ أمد بعيد إذ وجدت أرملة الشهيد نفسها وحيدة تبحث عن زوجها المفقود الذي لم تره منذ 23 أفريل 1957 عندما اقتاده المظليون إلى بيته لتفتيشه بعد أن أخضعوه لتعذيب وحشي لأربعة أيام، وأخذوه مجددا رفقتهم واستولوا على سيارته، كانت –وهي حامل في أصغر أبنائها- تتجه صباح كل يوم نحو الثكنات العسكرية -برفقة ابنتها الكبرى التي كانت تؤدي دور المترجم- باحثة عن “خيط” يوصلها إلى الحقيقة لكن هيهات..استمرت على هذه الحال نحو عام، سألت خلاله كل من كان يعرف فقيدها من قريب أو من بعيد ..لا أحد أتاها بجواب شاف..سلّمت أمرها لله واكتوت وأبناؤها السبعة بحرقة الفراق التي ما تكاد تبرد قليلا حتى يؤججها مجددا “خبر” عن الشهيد الذي صدر حكم بوفاته عقب الاستقلال، إذ أعلم العائلة قريب لها بداية الألفية أن الفقيد عذب أبشع تعذيب ثم أطلقت عليه كلاب نهشت جسده في ساحة السجن..أين دفن ما تبقى من جسده؟، القريب صاحب “الخبر” لا يعلم..لا أحد أكد المعلومة أو نفاها، ومرت السنين..
في نهاية السنة المنصرمة، بلغ العائلة خبر وجود رفات فقيدها في بئر بالدهاليز الثلاثة بالحراش، فقررت البحث مجددا ..الانطلاقة كانت من صاحب “النبأ” ، اتصلنا به فسارع إلى التأكيد أن أصحاب المعلومة كلهم توفوا، اتجهنا-ونحن نتساءل عن سبب صمته إلى أن رحلوا- إلى مقر البلدية أين وجدنا كل المساعدة من قبل رئيس البلدية ونوابه، في البداية دلّونا على ابن شهيد يدعى (ع.ح) والده مفقود في ذات الفترة التي فقد فيها الشهيد محمد بلكحلة، وأكدوا لنا أنه على علم بكل ما يتعلق بالشهداء الذين كانوا يعذبون في المنطقة، اتجهنا إلى بيته، خرج إلينا نافيا قطعيا أن يكون مطلعا على الأمر، واكتفى بالقول أنه غداة الاستقلال، أثناء الحرث كان الفلاحون بالمنطقة يعثرون على عظام، يضعونها في قطع أقمشة، وتأخذها السلطات ..عدنا مساء رفقة اثنين من أبناء المنطقة وهما منتخبان محليان ..حينها عرفنا سبب الإنكار القطعي لـ(ع.ح)..الدهاليز الثلاثة عبارة عن مصنع خمر كان عساكر الاستعمار يعذبون داخله الجزائريين، هو حاليا واقع في حدود مستثمرة فلاحية استفاد منها (ع.ح) من المندوبية التنفيذية لبلدية الحراش في عهد الحزب المحل، ويخشى أن يكون “النبش” في موضوع التعذيب من طرفنا دافعا للسلطات لنزعه منه لا سيما وأنه كان هناك حديث عن تحويل المكان إلى متحف.
بالموازاة، أكد لنا أحد مرافقينا، الذي كان منتخبا في عهد الحزب الواحد، أنه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما شرع في أشغال الحفر لبناء مستشفى “سليم زميرلي” الواقع على بعد أمتار من “الدهاليز الثلاثة”، “طفت” على التربة العشرات من الرفات يعتقد أنها لشهداء عذبوا وقتلوا في المكان، استدعيت السلطات المختصة، التي وضعت العظام في صندوق، بل “علبة” واحدة، قضت ليلتها داخل مقر البلدية مع تشغيل القرآن من مسجل طيلة الليل، ثم دفنت في قبر واحد، سألناه عن مكان القبر، أكد أنه نسيه، واكتفى زميله بالتوضيح أن الدفن تم في مقبرة الكاليتوس..
أكثر من هذا.. بين مصنع الخمر المحتوي على الدهاليز الثلاثة، ومستشفى “زميرلي”، قطعة أرضية شيدت عليها بيوت قصديرية منذ سنوات، لم يستبعد مرافقونا أن يكون تحتها رفات شهداء، أردنا دخول الحي القصديري فحذّرنا مرافقانا وأكدا لنا أن الأمر يتطلب مرافقة مصالح الأمن لنا..مع أن مركز للشرطة يكاد يكون ملاصقا للحي الفوضوي “الخطير”..غادرنا المنطقة، وعادت عائلة الشهيد إلى نقطة الصفر، مفوضة أمرها لله..أما نحن فخرجنا وفي ذهننا تساؤلات كثيرة لا سيما بعد أن أخبرنا شيخ في المنطقة أن هناك فيلات مشيدة على آبار بها المئات من رفات الشهداء، وأدركنا أن قضية الرفات “المرمية” هنا وهناك لا تخفى على المسؤولين، لكن لا أحد يحرّك ساكنا، لأسباب كلّ يفسرها بحسب موقعه .

”مئات الشهداء في حفرهم يئنون، والسلطات تتعمد السكوت”
تأسف الباحث في التاريخ، منتصر أوبترون، لـ”غياب الإرادة والنية الصادقة” في البحث عن الحقيقة في موضوع الشهداء دون قبور لا سيما المفقودين الذي أوضح في مقابلة مع “وقت الجزائر” من سريره بمستشفى زرالدة، أن هناك من يقدّر عددهم على المستوى الوطني بنحو 400 ألف مفقود، ستة آلاف منهم في الجزائر العاصمة خلال شهري فيفري ومارس 1957 فقط، لكن لا أحد يؤكد “علميا” أو ينفي هذه المعلومات المبنية في غالبيتها على مقالات الصحف الفرنسية في ذلك الوقت، و”بناء على ذات المقالات التي كانت تنشر يوميا عدد الذين قتلوا على أيدي الجيش الفرنسي، يفوق عدد شهداء الثورة التحريرية منذ اندلاعها في الفاتح نوفمبر 1954 ، المليوني شهيد”.
وقال أوبترون أن وزارة المجاهدين “لم تطرح أبدا القضية، في الأول (غداة الاستقلال) كان الجرح جديدا، أما الآن وبعد 55 سنة من استرجاع السيادة الوطنية، لا زال 90 بالمائة من أرشيف الثورة التحريرية المتواجد لدى السلطات الفرنسية لم يفتح بعد، ومنه لا يمكن معرفة حقيقة جرائم الاستعمار عامة لا سيما قضايا المفقودين، الإعدامات الجماعية وضحايا الألغام والأسلاك المكهربة”، موضحا أنه على الحدود الشرقية عائلات بأكملها “انقرضت”، في حقول الألغام أو على الأسلاك المكهربة، عندما كانت تحاول الفرار من بطش الاستعمار في القرى، و”لما كانت السلطات تقوم بإعادة دفن رفات تجدها في تلك الأمكنة لا تكلف نفسها عناء إجراء تحاليل عليها أو الاستعانة بطبيب شرعي لمعرفة تاريخ الوفاة على الأقل للتأكد من أن هؤلاء توفوا أثناء الثورة التحريرية”، وضرب مثالا على ذلك بمقبرة جماعية تم العثور عليها في الشريعة بتبسة بها رفات ألفي شهيد منهم رجال، نساء وأطفال، عليها آثار تعذيب وتنكيل، لكن أعيد دفنها في مقبرة شهداء دون إجراء أي تحاليل عليها .
وذكّر الباحث بتحقيق أجرته الفرنسية كلير موس كوبو في الجزائر، تحدثت فيه عن ثمانية (08) مقابر جماعية على الأقل في الحدود الشرقية، أقلها بها مائتي (200) جثة أو بالأحرى هيكل عظمي- لشهداء ، ورغم وجود شهادات عن فقدان المئات من الجزائريين في هذه المنطقة أثناء الثورة التحريرية، إلا أنه لا أحد اهتم بالموضوع، ولا زالت الرفات في “حفرها تئن في انتظار من يكرمها بدفنها في مقابر تليق بتضحيات أصحابها”.
وتحدث الباحث أيضا عن منجم للزئبق بعزابة، وقع فيه اشتباك بين عساكر الاحتلال ومائة (100) مجاهد، استشهدوا ولا زالت رفاتهم داخله، و”تتحجج السلطات بعدم معرفة هوياتهم، مع أن هناك شهادات متطابقة من رفاقهم وعائلاتهم تؤكد أنهم المائة مجاهد الذين استشهدوا في المكان، ومع أن العلم تطور ومن السهل إجراء تحاليل الحمض النووي، ومن السهل أيضا التعرف على تاريخ الوفاة”.
أما في ما اصطلح على تسميته بـ”معركة الجزائر”- يضيف الباحث- فرغم وجود “أعين مراقبة” متمثلة في الصحافة، والممثليات الديبلوماسية، إلا أن ذلك لم يمنع المظليين من ارتكاب أيشع الجرائم في حق الشعب الجزائري، إذ كانوا يتعمدون اقتحام الأحياء الصغيرة، واقتياد رجالها لوجهات مجهولة، أغلبهم لم يظهر له أثر، وقد اعترف محافظ شرطة الجزائر العاصمة بول تيتجان آنذاك، أنه بحكم منصبه وقّع ما بين شهري فيفري ومارس 1957 على وضع 3024 شخصا رهن الإقامة الجبرية، ناهيك عن الاعتقالات والتصفيات العشوائية، والتعذيب الوحشي، وهي الجرائم التي لم يحتملها تيتجان واستقال لاحقا. وأشار محدثنا أن وحشية الاستعمار الفرنسي جعلته يضع بعضا ممن اعتقلهم أثناء معركة الجزائر -وكانوا يسمون استهزاء “جمبري بيجار”- ما بين أسوار البنايات التي شيدها في الجزائر العاصمة قبل أن يتم وضع الاسمنت المسلح على جثثهم، أو يلقي بهم في البحر وأرجلهم مثقلة بالإسمنت ما يعني -في الحالتين- استحالة العثور عليهم.، مشيرا أنه أثناء “معركة الجزائر” كان كل الفرنسيين –حتى المدنيين- يقتلون كل جزائري وجدوه في طريقهم في إطار حملة سماها المستعمر الغاشم “RRatonnadeE” (حملة اصطياد الفئران).
وأضاف المتحدث أن الأمر لا يتوقف على المفقودين داخل الجزائر، بل منهم من اختطف في فرنسا ولم يظهر له أثر، إثر مظاهرات 17 أكتوبر 1961، وهو ما كشف عنه ابن شرطي استدعي للشهادة أثناء محاكمة موريس بابون سنة 2000، وقال –نقلا عن والده- أنه تم في اليوم الموالي للمظاهرات أي يوم 18 أكتوبر 1961 إلقاء العشرات من الجزائريين في مزبلة عمومية في كريتاي، فاستغل صحافيان فرنسيان المعلومة واصطحبا طبيبا شرعيا إلى المكان، ولم تكد تمر 10 دقائق حتى شرع في استخراج العظام فعلا، وأمرت النيابة الفرنسية بفتح تحقيق في الأمر لكن نتائجه لم تظهر لحد الآن.
وأوضح منتصر أوبترون أنه من خلال أبحاثه، ومتابعته لقضية الشهداء دون قبور –ومن ضمنهم رموز للثورة التحريرية كالعقيد امحمد بوقرة الذي لديه قبران أحدهما في لعواشرية بالمدية والثاني بمقبرة العالية بالعاصمة، إلا أن رفاته لم يعثر عليها لحد الآن- توصل إلى نتيجة مفادها أن “هناك من يتعمد إخفاء الحقيقة في هذا الجانب، لأن العثور على مزيد من رفات الشهداء يعني ارتفاع عددهم، وهو أمر لا يرضي فرنسا التي يزعجها كثيرا رقم مليون ونصف مليون شهيد، فما بالك إن ثبت بالأدلة أن العدد الحقيقي يفوقه بكثير؟”.
وجدير بالملاحظة في هذا السياق أن الإدارة الفرنسية لم تسقّط الجزائريين الذين قتلتهم ورمتهم في مقابر جماعية ومن بينهم المفقودين خلال معركة الجزائر من سجلات الحالة المدنية حتى تتلاعب كما شاءت بأرقام ضحايا جرائمها البشعة في حق الشعب الجزائري أمام المجموعة الدولية والرأي العام العالمي.
وختم الباحث حديثه إلينا بالتأكيد أنه “من حق شهداء الجزائر أن يدفنوا على الطريقة الإسلامية، ومن حق أهاليهم أن يعرفوا قبورهم، حتى تنطفئ الجمرة التي أشعلها المستعمر في قلوبهم” ولا زالت فرنسا تستمتع ببقائها ملتهبة بعد أكثر من نصف قرن من استرجاع السيادة الوطنية.

“ما يحس بالجمرة غير اللي كواتو”..
بهذا المثل الشعبي لخص رئيس جمعية “مشعل الشهيد” محمد عباد، أسباب الإعراض الرسمي عن الخوض في قضية الجزائريين المفقودين أثناء الثورة التحريرية، والذين من بينهم والده. وقسّم عباد في حديثه الهاتفي (لانشغاله باحتفالات يوم الشهيد) مع “وقت الجزائر” الشهداء دون قبور إلى قسمين أحدهما هم “الرموز” أمثال العربي تبسي، امحمد بوقرة، عبد الرحمان ميرة وغيرهم والثاني يتمثل في آلاف الجزائريين الذين فقدوا أثناء الثورة التحريرية في مختلف الولايات التاريخية، وضرب مثلا بالمجاهدين الذين كانوا مكلّفين بإدخال السلاح على الحدود، وكانوا في معظم الأحيان يقعون في اشتباكات مع الجيش الفرنسي، ومن ضمن 50 مجاهدا مثلا، ينجو 20، ويستشهد البقية، إما برصاص العدو أو بأسلاكه المكهربة، عقب الاشتباكات يدفنهم رفاقهم في المكان ويعودون إلى كتائبهم على الحدود. وبعد الاستقلال، ومع تغيّر الأماكن، لا يتذكر رفاقهم مكان دفنهم، لكن على الأقل يؤكدون لذويهم تواريخ وأماكن استشهادهم، ومن هؤلاء أيضا من يتمكن من النجاة من العدو، لكن يضل طريقه، فلا يصل إلى رفاقه، ولا يعرفون مصيره، منهم من ظهر بعد الاستقلال، ومنهم من لم يعد، وهناك أيضا المفقودين الذين اعتقلتهم الآلة الاستعمارية الفرنسية، وأخضعتهم لشتى أنواع التعذيب، وأخفت مصائرهم عن ذويهم، وهؤلاء تطرح عدة إشكالات بشأن أماكن وتواريخ استشهادهم، وحتى إن كانوا قد استشهدوا أصلا.
ونفى رئيس جمعية “مشعل الشهيد” أن إعادة دفن الرفات التي تكتشف في مختلف مناطق الوطن تتم دون التحقق ما أمكن من هويات أصحابها، مستدلا على ذلك بـ”وجود العديد من رفات الشهداء تأخرت إعادة دفنها لأنها في انتظار نتائج تحاليل الحمض النووي، وإتمام الإجراءات القانونية اللازمة في هذه الحالة” ذاكرا على الخصوص مقبرة جماعية في جيجل، مضيفا أن هناك لجنة مشتركة جزائرية- فرنسية تشتغل على الملف، ومع أنها لم تقدم أرقاما رسمية بعد، إلا أن عباد أكد أن السلطات الفرنسية تسعى-في كل قضية تتعلق بجرائمها في حق الشعب الجزائري- لا سيما قضية الشهداء المفقودين أن تخفض العدد “لتصغير” القضية من جهة، ومن أجل التشكيك في كل أرقام ضحاياها في الجزائر لا سيما رقم مليون ونصف مليون شهيد، ولما طلبنا منه وجهة نظره بشأن التعتيم المفروض على قضية الشهداء دون قبور والمفقوين منهم على وجخ الخصوص بوصفهم ابن واحد منهم، ردّ رئيس جمعية “مشعل الشهيد” بقوله: “ما يحس بالجمرة غير اللي كواتو”.

عائلة ولد قابلية تروي حرقتها..
من بين الذين اكتووا بهذه الجمرة عائلة وزير الداخلية والجماعات المحلية السابق، رئيس جمعية قدماء وزارة التسليح والاتصالات العامة (مالغ)، دحو ولد قابلية، الذي استقبلنا في مكتبه بمقر الجمعية وروى لنا معاناة عائلته منذ ترك شقيقه “نور الدين” المسكن العائلي، سنة 1958، بمجرد أن وصله استدعاء من الجيش الفرنسي للالتحاق به في إطار التجنيد الإجباري، “نور الدين” التحق-بدلا من الجيش الفرنسي- بجيش التحرير الوطني وبصفوف الثورة وبشقيقته زبيدة ولد قابلية المدعوة “ صليحة”، وتركا والديهما يعانيان الأمرين لوعة الفراق من جهة، ومن جهة ثانية بطش وظلم جيش الاستعمار الذي اعتدى على حرمة المنزل وقلبه رأسا على عقب وأهان العجوزين اللذين كان عليهما أيضا تحمّل التحاق ابنين آخرين لهما بالثورة التحريرية، ونبأ استشهاد “زوبيدة “ سنة 1958 التي استلم والدها –تحت وابل من الشتائم وسوء المعاملة- جثتها، عكس شقيقها “نور الدين” الذي اضطر الأشقاء أن يخفوا على والدتهم “فقدانه” إلى غاية الاستقلال.وروى لنا المجاهد دحو ولد قابلية، كيف أنه تنقل إلى دوار الوهايبية بسعيدة، بناء على معلومات بلغته عن استشهاد أخيه رفقة 23 مجاهدا آخر في المنطقة، فوجد الدوار خاليا من سكانه الذين هجروه إلا قليلا منهم أكدوا له أن اشتباكا وقع بالمكان بين جيش الاحتلال و24 مجاهدا كلهم هوياتهم محددة من بينهم شقيقه، لكن لا أحد يعرف أين دفنوا.وقال المجاهد أنه كان من الضروري تكثيف عمليات البحث عن المجاهدين المفقودين في السنوات الأولى التي تلت الاستقلال، أما الآن فإن أغلب “الشهود العيان” من مجاهدين قد فارقوا الحياة، والبقية بلغوا من الكبر عتيا و”شاخت” معهم ذاكرتهم، وتحدث أيضا عن “ضعف” المنظمة الوطنية للمجاهدين التي كان من المفروض أن تحرص على البحث عن المجاهدين الذين سبّلوا حياتهم من أجل الوطن، وتعرف مصائرهم وتساهم في إطفاء نار الحرقة لدى أبنائهم وذويهم.

من يزعجه الشهداء؟
أكد لنا موسى تواتي، وهو ابن شهيد أن رفاق الشهداء من المجاهدين هم الوحيدون القادرون على تعريف عائلات الشهداء المفقودين بمصائر ذويها، واستدل تواتي- وهو ومن مؤسسي المنظمة والتنسيقية الوطنيتين لأبناء الشهداء-، بحالته إذ أنه تمكن من معرفة مكان رفات والده قبل 15 سنة من الآن بفضل أحد رفاقه الذي أعلمه أن الشهيد الذي كان مبحوثا عنه من طرف سلطات الاستعمار ولم تتمكن من توقيفه لأنه مسجل لديها باسمه الحقيقي ومعروف لدى الكل بلقب “الجبايلي”، وشى به أحد الخونة، فقبض عليه رفقة عدد من الجزائريين بينما كانوا معا على متن حافلة، تم ربطهم بـ”السلك”، 4 منهم رمي بهم من مروحية والآخرين ألقي بهم في بئر في منطقة بوسكن، وتم ردمهم من بينهم والده، وفي سنة 1978 تم استخراجهم وإعادة دفنهم في مقبرة للشهداء، ويضيف محدثنا الذي يرأس حاليا حزب الجبهة الوطنية الجزائرية- أن الرفات وزعت بطريقة عشوائية –أمام انعدام تحاليل الحمض النووي في ذلك الحين- بشكل قد تجد معه “أجزاء” من ثلاثة أو أربعة شهداء في قبر واحد.
واغتنم تواتي-الذي قال أن عائلته تعد 34 شهيدا مفقودا- الفرصة ليعيد التذكير بقضية نبش قبور الشهداء، واستخراج الجماجم تحديدا ووضعها فوقها، في عهد حكومة مولود حمروش، الذي وعد بكشف المتسببين في ذلك، ومعاقبتهم لكنه “لم يف بوعده”، كما تحدث عن الوضعية الكارثية التي آلت إليها مقابر الشهداء التي تحولت إلى “ساحات” لرعي الأغنام وأماكن لممارسة الرذيلة، معترفا أن وزير المجاهدين الحالي –الذي هو ابن شهيد أيضا- “يبذل كل ما في وسعه لإعادة الاعتبار لمقابر الشهداء”.
وأرجع محدثنا “تملص” المسؤولين المتوالين من قضية الشهداء المفقودين إلى كون “من يمسك زمام الأمور في الإدارة الجزائرية منذ الاستقلال هم من جماعة لاكوست” متسائلا: “هل تخلصنا من تلك الجماعة أم أن السلسلة مازالت متواصلة؟، وهل حصلنا على الاستقلال الحقيقي أم لا؟”، لكنه استطرد مؤكدا أنه سيأتي اليوم الذي تنجلي فيه الحقيقة “عندما تعود الجزائر –فعلا- للجزائريين”.

منظمة المجاهدين ..”الحسناء النائمة”
حاولنا مرارا أثناء تحقيقنا هذا الاتصال بالأمين العام للمنظمة الوطنية لأبناء الشهداء، الطيب الهواري، فوجدنا هواتفه كله مغلقة، وعرفنا أنه مشغول بـ”الانقلاب” عليه داخل منظمته، فاتصلنا بالأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين، سعيد عبادو، هاتفيا ففاجأنا برد “عنيف”، لم يكن ينقصه غير سبنا لما أعلمناه بموضوع تحقيقنا هذا، وقال بغضب شديد وبالحرف الواحد: “كفوا عن هذا الكلام، الشهداء كلهم معروفون ومعروفة هوياتهم وأماكن دفنهم، إنها حكاية فارغة”، طريقة كلامه الفظة لم تمنعنا من الإلحاح عليه بالسؤال: “ألا يوجد شهداء مفقودين؟”، رد بغضب أكبر: “لا يوجد ..هذه حكاية فارغة”، عرفنا حينها أننا في مواجهة “الحسناء النائمة” لكن الأسطورة تقول أن هذه الأخيرة تنام شتاء وتستيقظ في فصل الربيع غير أن منظمة المجاهدين يبدو أنها لن تستيقظ أبدا، حتى وإن حاولت يوما ذلك، يكون قد “قضي الأمر”. وضعنا سماعة الهاتف وضربنا أخماس في أسداس، واتجهنا نحو وزارة المجاهدين حيث اتصلنا بالمكلفة بالإعلام بها وأعلمناها بالموضوع، فأكدت لنا أنه لا يحق لها ولا لأي كان بالوزارة أن يصرّح للصحافة إلا بعد أخذ إذن الوزير، بعد طلب نصحتنا بإرساله إلى ديوانه، ففعلنا، ولا زلنا ننتظر الرد، ورغم نشرنا التحقيق قبل تلقينا له، لحرصنا على أن يتزامن و”يوم الشهيد” إلا أننا سنتابع القضية وسننشره متى وافتنا به الوزارة..التي لم يبق من أمل لذوي الشهداء المفقودين غيرها من أجل كشف ولو جزء من الحقيقة التي لا يريدون من ورائها غير إطفاء نار ألهبتها فرنسا الاستعمارية في نفوسهم -ويزيدها استخفاف البعض بـالحياة التي قدمها الشهداء قربانا من أجل أن يحييوا هم اليوم في نعيم ويتبجحون بالقول أن “فرنسا أهدت لنا الاستقلال”- اشتعالا…وفي انتظار أن تنجلي الحقيقة، يبقى عزاء ذوي الشهداء أنهم “أحياء عند ربهم يرزقون”.

تحقيـــــــــق: خديجــــــة كــــرجـــــــانــــي/ تصوير: رابح عمران

عن Wakteldjazair

2 تعليقان

  1. اتو بالاستقلال الا يستحقون مقابر لهم .الا يستحقون اكراما لهم فبسببهم ننعم بالحرية و الامن والامان الان
    يجب على كل مسؤول القيام بمسؤولياته على اكمل وجه والا فاليتنحى لانه مسؤول امام الله عز و جل
    كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته اشعر بالخجل من نفوس بعض المسؤولين هداهم الله
    انا لله وانا اليه لراجعون

  2. بوكوحرام

    الشهداء احياء عند ربهم يرزقون لا يحتاجون اليك يا كاتب المقال ولا لاي احد حتى الرئيس لانهم في جنة النعيم .. الحفر تنتظر الفاسدين الذين نهبوا الجزائر وتركوا شعبها من افقر شعوب العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *