عام على نهاية الاتفاق النووي… صيف طهران ساخن

مع اقتراب نهاية العام الأول على إلغاء واشنطن الاتفاق النووي مع الحكومة الإيرانية، يمكن القول إن تأثير هذا الإلغاء لم يكن بالدرجة التي كان الكثير من المراقبين يتوقعونها، كما لم تكن موازية لسقف التحذيرات التي رسمتها خطابات المسؤولين الأمريكيين، وعلى رأسهم دونالد ترامب، فالعقوبات الاقتصادية التي بدأت في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي، والتي كان من المتوقع أن تؤدي لسقوط متسارع في البنية الاقتصادية للنظام الإيراني، مع منع طهران من تصدير الغاز والنفط، ويؤدي لانتفاضة شعبية تسقط هذا النظام من الداخل، إلا أن المفاجأة كانت بالسماح لطهران بإبقاء تصديرها للنفط لثماني دول، ما ألغى المعنى الحقيقي لهذه العقوبات.

وعلى الرغم من الضغوط الأمريكية مع ضغوطات أوروبية من تحت الطاولة، استمرت طهران في منهجها العسكري الداخلي والإقليمي الميليشياوي نفسه، فبرنامجها الباليستي تحول من الداخلي نحو الإقليمي، وهو ما أكده عدد من التقارير الإعلامية الإسرائيلية، التي أشارت لنشر النظام الإيراني عددا من المعامل العسكرية الخاصة بحرسه الثوري في كل من سوريا ولبنان، مما يعتبر تطوراً خطيراً على الوجود الأمريكي في المنطقة وحليفتها الاستراتيجية اسرائيل، كما أن برنامجها النووي السري، الذي كشفت تفاصيله تل أبيب، لا يزال بعيداً عن أعين المراقبين الدوليين، مع استمرار نفي طهران لوجوده. فيما استمرت طهران بمشروعها في منطقة الشرق الأوسط، عبر دعم نظام الأسد في سوريا وميليشيا حزب الله اللبناني عسكرياً، وضخ الذخيرة لميليشيات الحوثيين في اليمن، وبهذا المشهد استمر التساؤل لدى المراقبين عن الخطوة الأمريكية المقبلة؟
عسكرياً، منتصف الشهر الحالي إبريل/نيسان أعلنت واشنطن عن خطوتها التالية من خلال وضع الحرس الثوري الإيراني بجميع ألويته ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، الحرس الثوري يمثل رأس الحربة للنظام الإيراني في الشرق الأوسط وإفريقيا مؤخراً، هذه الخطوة من المؤكد أنها ستؤثر على مجمل الشرق الأوسط سياسياً وعسكرياً، فواشنطن من خلال هذا القرار، ستكون قادرة على منع أي دولة أو شركة من بيع السلاح لطهران بشكل كامل، كما ستعني أحقية واشنطن استهداف هذه الميليشيا أينما كانت، سواء في الداخل الإيراني أو خارجه، ومن المحتمل أن تنشر واشنطن خلال الأيام المقبلة المزيد من التفاصيل، بما يخص التعامل التجاري مع أذرع هذه الميليشيا في المنطقة. فالحرس الثوري في إيران ليس مجرد ميليشيا مسلحة وإنما هو منظمة متكاملة تملك العديد من البنوك والشركات الزراعية والتجارية والبحرية ، ومن الممكن لواشنطن أن تفرض حظراً اقتصادياً تمنع من خلالها أي نوع من التعامل مع فروعه التجارية، وبالتوازي مع هذه الخطوة وجه البنتاغون رسالة تحذير وترقب لجميع القطع العسكرية التابعة لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط عموماً، سواء في سوريا أو العراق أو أفغانستان أو لبنان، بشكل يوحي بإمكانية تطور الأمور نحو الحرب المباشرة، على الرغم من النفي المستمر للمسؤولين الأمريكيين لذلك.
اقتصادياً، في صباح 22 من الشهر الجاري، أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن إلغاء الاستثناء الممنوح من واشنطن لثماني دول بما يخص حظر بيع النفط الإيراني، بومبيو أكد على أن الإدارة الأمريكية ستعمل على وصول الصادرات النفطية الإيرانية للصفر. وبالفعل من خلال تواصلي مع مسؤول يوناني رفيع المستوى أكد لي أن أثينا إحدى الدول الثماني المستثناة، قد استلمت رسالة من واشنطن تطالبها بوقف استيراد النفط الإيراني، وهو ما تم تطبيقه على أرض الواقع بداية الشهر الحالي، واستعاضت أثينا بالنفط الجزائري كبديل، ومن خلال التصريح الصحافي لبومبيو، يمكن التأكيد على أن واشنطن تواصلت بالفعل مع الدول الثماني مسبقاً في هذا المجال. ولفهم خطورة هذه الخطوة يمكن استرجاع التصريحات الصادرة عن عدد من المسؤولين الإيرانيين، على رأسهم خامنئي، الذي أكد على أن منع طهران من بيعها للنفط هو بمثابة إعلان الحرب.
بالأرقام فإن 40% إلى 50% من إيرادات النظام الإيراني، التي تقدر بخمسين مليار دولار سنوياً تأتي عبر واردات بيع النفط، وبالتالي فإن الحكومة الإيرانية المتعبة مسبقاً اقتصادياً، ستكون أمام عجز جديد في الميزانية يقارب الـ50%، مع توقع اعتراض كل من الصين وتركيا على هذه الخطوة الخطيرة، إلا أن المرجح أن تطبق على أرض الواقع من الجميع ، فتركيا التي كانت تستورد 800 ألف برميل يومياً من إيران صيف العام الماضي؟، أصبحت تستورد 250 ألف برميل الشهر الماضي، وضمن السياق نفسه، وجه البنتاغون بعدد من القطع البحرية التابعة للأسطول الخامس الأمريكي للتحرك نحو مضيق هرمز، منذ بداية هذا الشهر كرسالة موجهة لطهران بعدم التهوّر بإغلاق المضيق.
في الشأن السياسي فإعلان وزير الخارجية المستقيل والعائد للضرورة محمد جواد ظريف قبل أيام عن عدم قدرة الاتحاد الأوروبي، على تخطي العقوبات الأمريكية هو إعلان لنكسة في المنظومة السياسية الإيرانية، فلغة الصواريخ الباليستية التي تعتمدها طهران في الشرق الأوسط أصبح من غير الممكن تغطيتها سياسياً، إلا أن الأوضاع لم تقف عند هذا الحد، ففي سوريا بدأ الخلاف مع الحليف الاستراتيجي الروسي يطفو على السطح أكثر بأكثر، وبحسب المصادر المحلية هناك التوتر بين الطرفين أصبح عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ، فالروسي بدأ بدفع الميليشيات المدعومة من طهران بعيداً عن الغرب السوري، بشكل يوحي بتقاسم النفوذ، كما أن توقيع موسكو المفاجئ والمستعجل لعقد استئجار مرفأ طرطوس، يعد خطوة استباقية لأي خطوة إيرانية باتجاه الساحل السوري، ومن جهة أخرى فزيارة بن سلمان لإسلام أباد الشهر الماضي لها ما لها بما يخص علاقات طهران مع باكستان، وفي ظل توجّه واشنطن نحو الخيار الدبلوماسي، بما يخص الصراع في أفغانستان تكون طهران قد خسرت ورقة ضغط أخرى في المنطقة.
مع إعلان وزير العدل الأمريكي عن تفاصيل تقرير مولر بما يخص دور موسكو بوصول ترامب لقيادة البيت الأبيض، الذي أكد على عدم وجود دليل ثابت يضع ترامب في دائرة الاتهام أو الخطر، فإن الأجواء في واشنطن لا تبشر بالخير لطهران وحلفائها في الشرق الأوسط، فترامب باقي لعامين آخرين مع مؤشرات عالية لبقائه في دورة رئاسية ثانية، والأخبار السيئة للنظام إيراني لم تنته عند هذا الحد، فنتنياهو هو الآخر تمكن من حصد انتصار انتخابي جديد يعطيه المجال نحو إتمام مخططاته المعادية للنفوذ الإيراني في المنطقة. مع دراسة الخريطة الميدانية والسياسية والعسكرية والاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط عموماً يمكن القول، إن الحلف الممتد من طهران وحتى بيروت سيكون أمام صيف ساخن بدايته نفطية وقد تكون نهايته حربية.

إيفا كولوريوتي/ كاتبة يونانية

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *