الرئيسية / فن وثقافة / “علينا أن لا نحمّل النقد ما تقترفه دور النشر”

“علينا أن لا نحمّل النقد ما تقترفه دور النشر”

الناقدة والشاعرة، دليلة مكسح لـ”وقت الجزائر”:

قالت الناقدة والشاعرة الجزائرية دليلة مكسح، إن التذمر الذي يبرز من حين لآخر بخصوص عدم مواكبة النقد للإنتاج الوفير، لا يعني عدم وجود نقاد كفاية، إنما النقد ليس ملزما بتتبع كل ما تنتجه دور النشر من أعمال، وقالت إنه إذا كانت أغلب دور النشر اليوم لا تعتمد على الغربلة، ولا على لجان القراءة، فإن النقد ليس مسؤولا عن الإسهال الحاصل، وليس ملزما بمتابعة نصوص لا صلة لها بالأدب هذا أولا..

 “وقت الجزائر”: لماذا مغامرة الشعر؟

دليلة مكسح: حقيقة نحن لا نختار أقدارنا، إنما كل أمر بقدر، والشعر أحد أقدارنا، كُتِبَ لنا  أن نكون ممتلئين بروحه، تائهين في أخاديد المجهول، باحثين عما وراء الأشياء، متلبسين بلغة هي داؤنا ودواؤنا في الآن نفسه، واقفين بين البين، لا نحن قادرون على السير فوق الأرض باطمئنان، ولا نحن قادرون على البقاء محلقين في السماء، إننا هناك في برزخ لا يقف فيه غيرنا، وتلك هي مغامرتنا المضنية.

 ولماذا ديوان “تعرجات خلف خطى الشمس”؟

أقصد خروج المغامرة إلى عالم الضوء، لأني أؤمن أن الشعر ولد معي، وسايرني في خطواتي الأولى، ثم جاءت الكتابة لتقيده، ولتمنحه بعض الوجود الرمزي المؤقت في حضرة القراء، ولأنه بداية المغامرة فقد جاء الديوان متعرجا، يسير ويسقط، فاقدا لإيقاعه الذي ينسبه كلية إلى الشعر، لكنه كان ممتلئا بنبض الشعر وروحه، ينبئ من إيقاعه الخاص أن هناك روحا شعرية جديدة تطل بقلبها إلى العالم رغم ما يعتريها من خجل، وتريد أن ترى الأفق بعينها، وتلونه برؤيتها لعلها تضيف لمسة جمالية خالدة.

 هل توافقين الرأي الذي يقول إن الشعر يعيش مأزقا سببته الفنون السردية؟

لا أحب هذا النوع من الأحكام، لأن الفنون متكاملة، ولا يتسلط فن على آخر، فلكل نوع طريقته في قول جزء من الحقيقة، لكن لكل عصر فنه الذي يلقى الرواج والقبول، يكون ذلك نتيجة ظروف ومتطلبات متشابكة ومعقدة، وعصرنا اليوم وإن برزتْ فيه الفنون السردية، وأقبل عليها القراء، فهذا لا يعني مطلقا أن الشعر صار في عداد الموتى.  إذا كان الشعر يعيش مأزقا فهو بالتأكيد المسبب الأول وليس الفنون السردية، الشعر لا يعيش مأزقه إلا إذا فقد بوصلته التي تقوده إلى أرض الجمال واليقين، إلا إذا كان رهين الجمود والتبعية والنمطية، إلا إذا كان غائبا عن رؤية العالم، مترفعا عن الالتحام بالإنسان، منكفئا منطويا على نفسه، غير قادر على مد رؤاه بعيدا، والحياة لا تقبل الفراغ، إذا لم يعد الشعر قادرا على أن يكون اللسان الناطق عن نفسه، المرشد والملهم، فلابد أن تأخذ الأدوارَ فنون أخرى، وعبارتي الأخيرة لا تعني أن الفنون السردية في الجزائر قد وجدتْ خيط يقينها، لأنها هي أيضا ما زالت تحفر،  ولم تصل إلى العمق بعد، العمق الذي يجعلها قادرة على فلسفة الحياة وليس وصفها.

 ما هي منطلقات القراءة النقدية عندك؟ وهل التذوق الشخصي للنصوص عامل أساس في الدراسة النقدية؟

النقد في أساسه حكم ذوقي، ويعد التذوق الشخصي منطلق كل ناقد في اختياره للنصوص وقراءتها، لكنني لا أستأنس كثيرا بالذوق، وأسعى دائما إلى إرفاقه ببعض الآليات والإجراءات التي تتيحها المناهج النقدية، أملا في تبصر سبيل حيادي يقودني إلى مقاربة النص دون الالتفات إلى صاحبه، أي أستند على مجهولية المؤلف على الأقل بشكل مؤقت، حتى أتمكن من قراءة النص بعيدا عن سلطة صاحبه، الذي أعود إليه بعد ذلك لأبسط بين يديه مكتشفاتي، وإبعاد صاحب النص مؤقتا ليس عملا أنانيا، إنما هو أولا فرصة لاكتشاف قدراتنا كقراء في فهم ذواتنا، فنحن حين نقرأ النص إنما نقرأ أنفسنا، ونظهر بعض خصائصنا، وثانيا نتيح الفرصة للنص كي يقول حقيقته ويقينه، ثم تكون العودة للمؤلف الذي يبقى صاحب الفضل، فمن غير اللائق أن نتشبث بسلطتنا ونلغي سلطة صاحب الحق (صاحب النص). والمنطلقات النقدية يفرضها النص ذاته، الذي يعين الناقد على اختيار المنهج أو المناهج المناسبة، وأميلُ عادة بعد قراءة النص بشكل عميق إلى تتبع فلسفته، وما تنطوي عليه من رؤى، ونوعية الوعي المحرك لها، وعلاقة الموضوع في النص بالمرجعيات الفكرية أو الاجتماعية أو النفسية، وطبيعة اللغة في مستوياتها المعجمية والتركيبية بخاصة، وتبقى النصوص الجيدة مفتوحة على القراءات المتعددة، والتأويلات المتنوعة.

   لماذا لا نجد نقادا جزائريين كفاية مقارنة بالكم الهائل من النصوص المنتجة سنويا؟ أهو عزوف؟

^^هذا سؤال متشعب جدا، والإجابة عنه لا يفيها رأي واحد، صحيح أن هناك إنتاجا أدبيا وفيرا تشهده الجزائر وفي مختلف الفنون الأدبية، وصحيح أن هناك تذمرا يبرز من حين لآخر مفاده أن النقد لا يواكب ذلك الإنتاج الوفير، وأريد أن أقول وبصراحة أن ذلك لا يعني عدم وجود نقاد كفاية كما تفضلتم، إنما النقد ليس ملزما بتتبع كل ما تنتجه دور النشر من أعمال، فإذا كانت أغلب دور النشر اليوم لا تعتمد على الغربلة، ولا على لجان القراءة، فإن النقد ليس مسؤولا عن الإسهال الحاصل، وليس ملزما بمتابعة نصوص لا صلة لها بالأدب هذا أولا.  ثانيا إنْ كان هناك عزوف فإنه حتما ليس مرتبطا بإنكار النقاد لقيمة النص الجزائري، ولكن لأن بعض الكتاب اليوم يرفضون حقيقةً النقد الذي يفحص النص ويقوِّمه ويسائله، ويريدون أن يكون الناقد مروجا للنص لا فاحصا له، مهمته إعلانية إشهارية لا غير، ويظنون أنه بمجرد نشر العمل يصبح محصنا من المتابعة النقدية الفاحصة، لذلك نجد اليوم أن النقد الجيد انحسر في دوائر ضيقة، وحول أعمال محددة،  وبقي بدله مجموعة من المجاملات أو المناطحات غير الموضوعية والعلمية التي تعج بها المواقع الافتراضية، والجلسات الأدبية التي تقام هنا وهناك، في الآن ذاته نجد بعض النقاد يتخلون عن مسؤوليتهم النقدية، ويحكمون على أصحاب النصوص لا على النصوص ذاتها، ما يغيب الفعل النقدي الحقيقي، ورغم ذلك يوجد نقاد جزائريون تعج بهم الساحة النقدية بخاصة في الفضاء الجامعي، ولهم باعهم الطويل في البحث، ولهم أيضا بصمتهم الخاصة، ويبذلون جهودا طيبة في التعريف بالنص الجزائري ومتابعته نقديا.  ثالثا غياب استراتيجية تربط بين إنتاجية النص وإنتاجية النقد: إذ حتى نستفيد من النخبة النقدية – المنحسرة في الفضاء الجامعي بخاصة –  في تتبع النصوص جيدها ورديئها، نحتاج إلى استراتيجية شاملة، تربط بين إنتاجية النصوص التي تكون قد مرت على الغربلة في دور النشر، وبين الإنتاجية النقدية، بمعنى أن يكون هناك وسيط إعلامي مهمته الترويج لكل إصدار أدبي جزائري في الوسط الجامعي بخاصة، والترويج أيضا للإنتاج النقدي الذي يتعلق بالنصوص الجزائرية وإخراجه من الفضاء الجامعي إلى فضاءات أخرى، وقبل ذلك نحن بحاجة إلى نخبة جامعية نقدية متفرغة فقط للنص الجزائري، أقصد على مستوى مهامها البحثية والبيداغوجية.

حاورتها: خالدة بورجي

شاهد أيضاً

“لا أنوي التوجه للغناء حاليا”

أثبتت قدراتهــــا في عديـــــــد الأعمـــــــال العربيــــــــة، أمل بوشوشة: أكّدت النجمة الجزائرية، أمل بوشوشة، أنها لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *