عندما تفصح الطائفية عن نفسها

في هذا الأسبوع وقع حدثان منفصلان مكانيا لكنهما مرتبطان عمليا على المستوى السياسي، وهما يعكسان طبيعة ما آلت إليه السياسات الطائفية في العراق بعد عام 2003، كما يعكسان حقيقة الأوضاع على الأرض كما هي، بعيدا عن البروباغاندا عالية الصوت التي تقدم توصيفات مجانية وعبثية لطبيعة الأوضاع في العراق.
في يوم السبت الماضي 1 حزيران/ يونيو هاجمت ميليشيات مسلحة قرية (أبو خنازير) في ناحية أبي صيدا في محافظة ديالى، وقتلت ثلاثة أشخاص بدم بارد، ثم غادرت القرية، بدون أن تتدخل القوات العسكرية والأمنية، التي بقيت «محايدة» فاسحة المجال لمسلحي الميليشيات وعجلاتهم بالمرور ذهابا وإيابا! وهذه الجريمة تكررت كثيرا في ديالى خلال السنوات الماضية، تماما كما تكرر «حياد» القوات العسكرية والأمنية و«صمت» الجهات الرسمية في ديالى وفي بغداد أيضا!
شهدت محافظة ديالى صراعا طائفيا دمويا وغير اخلاقي بين الأقلية الشيعية التي تسيطر بالكامل على القرار السياسي والأمني والإداري في المحافظة، وبين الأغلبية السنية التي تحولت إلى مواطني درجة ثالثة، وربما عاشرة، على الرغم من التمثيل السياسي الشكلي لهذه الأغلبية السنية في مجلس المحافظة (13 نائبا من مجموع 29 نائبا)، وفي مجلس النواب (6 نواب من مجموع 14 نائبا)، فبسبب أزمة التمثيل السني التي بدأت منذ العام 2014، وما سميّناه انحسار السياسة السنية، وبسبب التهديدات التي تعرض لها هؤلاء بموجب تهمة الإرهاب التي طالت معظم أعضاء مجلس المحافظة من أجل تدجينهم، وبسبب طبيعة الهيمنة الشيعية في المحافظة، كانت أدوار هؤلاء الممثلين السياسيين هامشية في مجال الدفاع عن مصالح جمهورهم لاسيما أن الدولة نفسها، عبر سلطاتها وأجهزتها كافة، كانت تتعمد تكريس معادلة الشيعة المنتصرين والسنة المهزومين في محافظة ديالى تحديدا، باعتبارها (أي الدولة) طرفا فاعلا وأساسيا في إنتاج هذه المعادلة!
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 نشرت شخصيا دراسة بعنوان «التهجير القسري: الحرب الأهلية غير المعلنة في العراق»، تحدثت فيها عن الصراع الطائفي الحاد الذي تشهده محافظة ديالى، وعن نتائج هذا الصراع على الأرض، تحديدا فيما يتعلق بالصراع السياسي وتحركات الميليشيات المسلحة بغطاء من الدولة، وتحدثت أيضا عن التهجير القسري المنهجي الذي يجري في هذه المحافظة. وخلصت الدراسة إلى أن محافظة ديالى قد شهدت الصراع الطائفي الأعنف، كما شهدت حالة النزوح الأكبر في العراق بين عامي 2004 و2007؛ حيث بلغ عدد النازحين فيها إلى ما نسبته 20٪ من مجموع سكان المحافظة! كما شهدت المحافظة حالات تهجير قسري واسعة النطاق بعد العام 2014، وقد منع النازحون من العودة إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم التي هجروا منها!
وفي يوم الاثنين 3 حزيران/ يونيو نفد تنظيم «الدولة» (داعش) كمينا ضد عجلات عسكرية تابعة للجيش العراقي في منطقة الطارمية شمال بغداد، أوقع عددا غير محدد من الشهداء والجرحى (البيان الرسمي تحدث عن 4 شهداء و4 جرحى، وإن كانت المعلومات المتوفرة تتحدث عن أرقام مختلفة)! لتنطلق بعدها حملة منهجية تطالب بعمليات عسكرية في هذه المنطقة. كما تم الربط بينها وبين «جرف الصخر» بشكل صريح ومباشر. ومن المعروف أن منطقة جرف الصخر شمال محافظة بابل قد تم تهجير ساكنيها من السنة العرب بالكامل، وعددهم يتجاوز 80 ألف نسمة، ومنعوا من العودة إليها بشكل مطلق، على الرغم من أنها استعيدت من «داعش» قبل ما يزيد عن أربعة أعوام (تمت استعادتها في تشرين الأول/ أكتوبر 2014)! ولا يمكن فهم هذه الحملة إلا من خلال طبيعة الاتصال الجغرافي بين منطقة الطارمية ومدينة سامراء، والخطط الموضوعة لفصل مدينة سامراء عن محافظة صلاح الدين، وتحويلها إلى محافظة مستقلة، وعدم الاكتفاء بالإبقاء على وضع مدينة سامراء الحالي كمدينة تسيطر عليها قوات سرايا السلام التابعة للتيار الصدري! ومتابعة ماجرى، ويجري، في مناطق جنوب سامراء يكشف عن طبيعة هذه الخطة بكل وضوح!
بعد 2003، وضعت مخططات، وخرائط غير معلنة، تم تنفيذها على الأرض، في سياق الصراع الطائفي الحاد، قوميا ومذهبيا الذي تصدر المشهد في العراق، وقد أسهمت «داعش»، بشكل مباشر، في تحويل الكثير من هذه المخططات والخرائط إلى وقائع حقيقية على الأرض، يراد تكريسها بشكل دائم! والخطير هنا، كما قدمنا، أن الدولة بسلطاتها ومؤسساتها واجهزتها كافة، هي فاعل أصيل وأساسي في ذلك كله! في كانون الأول/ يناير 2014 أصدر مجلس الوزراء العراقي قرارا بالموافقة من حيث المبدأ على تشكيل ثلاث محافظات جديدة؛ هي محافظات طوزخورماتو (قضاء يتبع لمحافظة صلاح الدين)، ومحافظة الفلوجة (قضاء يتبع لمحافظة الأنبار)، ومحافظة سهل نينوى (قضاء يتبع لمحافظة نينوى)، ولكن دخول «داعش» إلى الموصل عطل تنفيذ هذا القرار! لاحقا أصدر مجلس محافظة بابل قرارات متتالية بمنع عودة النازحين من جرف الصخر إليها بشكل مطلق، بل وصل الأمر إلى التصريح علنا بعدم تنفيذ قرار أصدره مجلس الوزراء العراقي بهذا الشأن! لاحقا شهدنا إجراءات عملية لفرض «أوضاع خاصة» على مناطق جنوب سامراء، تحديدا في منطقتي يثرب وعزيز بلد بتواطؤ صريح من الدولة، بل كان التوسع في «تأويل» المناطق المتنازع عليها قد شمل مناطق لا ينطبق عليها النص الدستوري بأي حال من الأحوال، كما هو الحال مع منطقة «النخيب» التابعة لمحافظة الأنبار، بوصفها منطقة متنازعا عليها بين محافظتي كربلاء والأنبار، ولا يمكن فهم ذلك كله خارج سياق الخطط والخرائط التي تحدثنا عنها!
في النهاية لا يمكن التعويل على الخطابات التي تحتفل بنهاية الطائفية في العراق، بل لابد من متابعة الوقائع على الأرض والتي تكشف بوضوح أن السياسات الطائفية التي حكمت العراق منذ ابريل/نيسان 2003 ما زالت حاكمة، ولا يمكن التعويل على استمرار الوضع الهش القائم، فمن غير معالجة حقيقية لهذا الوضع، فإن المؤشرات كلها توحي بأننا نعيش مجرد هدنة مؤقتة لا غير!
يحي الكبيسي/ كاتب عراقي

عن Wakteldjazair

تحقق أيضا

مستقبل فلسطين يملكه المتمسكون بأهداف التحرير والعودة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهووس بالصفقات والبيع والشراء، وصاحب باع طويل في الابتزاز وانتزاع الحقوق …

الفــلاشا ويهــودية الدولة… إذ ينقلــب السحر على الساحــــر

تذهب معظم الدلائل التاريخية، ومقولات المفسرين، إلى أن مملكة سبأ كانت تقع في اليمن، إلا …

الحماية للشعب السوداني

ما يجري الآن في السودان لا علاقة له بالمعنى المتداول والمعروف لمفهومي السياسة والصراع السياسي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *