الرئيسية / مجتمع / عندما يجتمع المرض والفقر… حالات تبكي الحجر

عندما يجتمع المرض والفقر… حالات تبكي الحجر

الجمعيات والمحسنون بصيص أمل لهؤلاء

“لو كان الفقر رجلا لقتلته” مقولة مشهورة للصحابي الملقّب بالفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان يمقت الفقر ويسعى لإحلال العدل بين الأفراد، غير أن الفقر في بعض الأحيان رحمة إذا كان صاحبه راض بما قسمه الله له ولا يشكو من أي علّة، فحالات كثيرة ابتلاها الله بأمراض مستعصية اقترنت بحالات فقر مدقع جعلت من المرّ مرّين لولا بصيص الأمل الذي تزرعه جمعيات فاعلة في الميدان ومحسنون يسهرون على الوصول إلى أكثر الأشخاص شقاء.

لم يكن صعبا علينا الوصول إلى الحالات التي تتلاءم مع موضوعنا، بالنظر للأعداد الكبيرة منهم والذين باتوا يملؤون صفحات الفايسبوك، وحتى الشوارع التي عجت بصورهم مرفوقة برقم هواتف للاتصال بهم بغية تقديم المساعدة، خاصة منهم الحالات التي تتطلب عمليات جراحية معقدة ومكلفة خارج الوطن، فهنا تجد الجميع متجند لجمع المبلغ المطلوب الذي يصل في بعض الأحيان إلى الملياري سنتيم وأكثر، الأمر الذي تعجز العائلة في أغلب الأحيان عن تدبره ما يجعلها تستنجد بالجمعيات والمحسنين علّها تجد الحلّ.

“نعيمة” تنتظر التفاتة المحسنين

معاناة “نعيمة” من نوع خاص، فلم يكفها اليتم والظروف الاجتماعية القاهرة التي تعيشها رفقة أخيها المتزوج، والمعاملة السيئة التي تلقاها من زوجة أخيها، زادها المرض الذي حوّل حياتها إلى جحيم حقيقي. يتّمت “نعيمة” وهي في سن مبكرة لم تجاوز عقدها الثاني، يتيمة الأم والأب، عاشت الفقر في أعلى درجاته، بيت قرميدي قديم لا يقي ساكنيه لا القرّ ولا الحرّ، رغم طلباتهم للحصول على سكن اجتماعي إلا أنه لا حياة لمن تنادي، سوى الوعود تلو الوعود، حالة مزرية عاشتها العائلة المتكونة من أخت وحيدة وأخوين، انعدام تام للدخل، عاشوا لسنوات طويلة منذ وفاة الوالد على صدقات المحسنين، قبل أن تلحقه الوالدة تاركة ثلاثة أطفال في عمر الزهور. ضغط نفسي كبير عاشته “نعيمة” وإخوتها إلى أن جاء اليوم الذي كبر الأخوان وباتا يعملان في ورشات للبناء يحصلون بعض الدينارات تقي حاجتهم لسؤال المحسنين، تمكنوا أخيرا من تشييد سكن جديد لهم بإعانة أصحاب الخير، قبل أن يقرّر أحد الأخوين الزواج، وهنا كانت نقطة التغيّر لحياة الأخت التي تحولت طبعا إلى عالة على أخيها وزوجته، هذه الأخيرة التي لا تتردد في بثّ سموم الكراهية لـ”نعيمة” محاولة إيجاد حل للتخلص منها ولو بتزويجها لشيخ طاعن في السنّ، سارت الأمور عكس ما تمنت زوجة الأخ، وتقدم أخيرا أحدهم لخطبة “نعيمة” كان شاب يقربها في السنّ، يملك كامل المواصفات التي تتمنّاها كل فتاة، منزل مستقل، عمل قارّ، تم كل شيء على ما يرام، ولم تكن تظهر على “نعيمة” أية علامات المرض، حيث أنها لم تشكو يوما من أي مرض، لكن بعد زواجها وفي اليوم الموالي تفاجأت “نعيمة” كما تفاجأ زوجها بعدم مقدرتها على النهوض من مكانها، شلل كامل في ركبتيها لم تقو على تحريك رجليها، ثارت ثائرة الزوج واعتبر الأمر خديعة من طرف أهل العروس، ولم يتردد لحظة واحدة في تطليق عروس عاجزة عن أداء أي مهمة منذ يومها الأول في بيت الزوجية. نقلت “نعيمة” إلى المستشفى وساعتها بدأت رحلتها الجديدة مع المرض، فأصبحت المعاناة معانتين، مشاكل زوجة أخيها، المرض، والفقر، لم تجد المسكينة أحدا في مصابها غير المحسنين وبعض الجمعيات، فحتى أقرباؤها تخلوا عنها ولم يعد أحد يسأل عنها، عمليات جراحية كثيرة تكفل محسنون بإجرائها، آخرها كانت قطع رجلها اليمنى، وهي اليوم تنتظر من ذوي البرّ والإحسان مساعدتها في تركيب رجلا اصطناعية.   المرض المفاجئ أطفأ شمعة “عماد” مرض مفاجئ أصاب “عماد” في ربيعه الثاني من ولاية سطيف، وجعله حبيس الفراش ينتظر بصيص أمل للشفاء، لم يصدق كل من سمع بخبر إصابة “عماد” بمرض الفشل الكلوي، فقوامه وحيويته الكبيرة توحي بأن الشاب في كامل صحته، مرض نزل كالصاعقة على كامل أفراد عائلته الذين تجنّدوا للتضامن معه ولو بكلمة تخفّف عنه المعاناة المبكرة مع المرض. على الرغم من الأثر النفسي الكبير الذي خلّفه المرض في نفس الشاب، إلا أن البسمة لم تغب عن محيّاه، فهو الذي يواسي والدته كلما رأى دمعة تنهمر من عينيها، وهو الذي يدعي القوة كلّما سأله أحدهم عن حالته، قوة تخفي وراءها الكثير من الآلام عند شاب في عمر الزهور يجد نفسه بين مخالب المرض الذي لا يرحم، فغسيل الكليتين أو الدياليز الذي كان يجريه “عماد” مرة في الأسبوع أصبح اليوم ثلاث مرات في الأسبوع وأحيانا أكثر، الأمر الذي ينذر بتعقّد حالته الصحية وضرورة الإسراع لإيجاد حلّ. تكاليف كبيرة يتحمّلها والد “عماد” الذي وعلى الرغم من أنه يعمل كحارس في مؤسسة صحية، إلا أن هذا لم يشفع له لإجراء عملية الدياليز في المستشفى، حيث أنه يضطر لإجرائه في العيادات الخاصة بمبلغ لا يقلّ عن 8 آلاف دينار للعملية الواحدة، ويجري فقط عملية دياليز واحدة أسبوعيا في المستشفى، ناهيك عن مصاريف الأطباء الأخصائيين الذين يضطر للتنقل إليهم إلى العاصمة والتحاليل الكثيرة التي يجريها، وضع لم يعد يقوى عليه والد “عماد” إلا أنه لا يتردد في دفع الغالي والنفيس لإنقاذ ابنه البكر الذي تنطفئ شمعته أمام عينيه يوما بعد آخر، آملا أن يجد الحل لحالته والتخلص من هذا الكابوس الذي حوّل حياتهم إلى جحيم. “عماد” اليوم ينتظر بصيص أمل للعثور على متبرّع بالكلية، والدته التي أصرّت ومنذ البداية على منح كليتها لفلذة كبدها، لكن الأطباء فضلوا التريث قليلا علّهم يجدون حلا آخر من خلال الأدوية، لكن اليوم بات لزاما عليهم إيجاد متبرع بغية إنقاذ حياة الشاب الذي يجري تحاليل مطابقة الأنسجة هو ووالدته بغية مباشرة الإجراءات اللازمة للتبرع بالكلية وإعادة البسمة إلى كامل العائلة.

مرض في الأطراف ينخر جسد “فريدة”

أصيبت “فريدة” في ربيعها الثالث بمرض السكري وهي في سن مبكرة، عانت ولدتها الكثير معها كونها أرملة وتملك معاشا قليلا لا يسد حاجياتهم اليومية فما بالك بمصاريف الأدوية والأطباء، بدأت “فريدة” صراعها مع المرض وكان صعبا عليها التأقلم معه فكثيرا ما كنت تنسى ريجيمها اليومي، وحتى أدويتها في بداياتها كانت تنساها، حتى تواصلت مع إحدى الجمعيات المختصة في الوقاية من السكري، أين تعلّمت الكثير من فنون التعامل مع المرض، وتعرّفت على مصابين بالسكري. أنهكتها مصاريف العلاج قبل أن تتمكن من الحصول عليه بالمجان عن طريق بطاقة خاصة بأصحاب الأمراض المزمنة، حيث خف عليها ووالدتها الحمل قليلا، قبل أن تصدم بمرض آخر نخر جسدها وهو مرض نادر يصيب المفاصل ويجعلها بالكاد تحرّكهم، خاصة على مستوى الأطراف العلوية، والذي يسبب أوراما كبيرة على مستوى اليدين تسبب أوجاعا كبيرة، أجرت الكثير من العمليات لكن حالتها تسوء يوما بعد يوم، فلا الأدوية نفعت معها ولا الجراحة، حيث صرفت الكثير من الأموال بلا فائدة وهي اليوم تحمد الله تعالى على كل شيء آملة أن لا تصيبها مضاعفات أخرى للسكري.

“محمد” لولا إعانات المحسنين؟ 

أصيب “محمد” في عقده الرابع منذ سنوات بمرض السرطان، حيث بدأ معه بورم على مستوى الرقبة وتطور ليكتشف أنه ورم خبيث، حيث نزل الخبر كالصاعقة على عائلته الكبيرة والصغيرة المكوّنة من زوجة وثلاثة أطفال في عمر الزهور، مصاريف كثيرة باتت تتكبدها العائلة بعد مصاريف المدرسة والمنزل، هاهي مصاريف العلاج الكيميائي والأدوية تضاف للقائمة، تقول “سامية” إن مرض زوجها كان نقطة تحوّل في حياتها حيث تحولت من تلك المرأة البشوشة إلى امرأة منهارة نفسيا كلما نظرت في عيون أطفالها وزوجها الممدد في الفراش، “محمد” الذي كان يعمل كسائق شاحنة عند أحد الخواص بلا تأمين وجد نفسه خاوي اليدين في مواجهة لمصاعب الحياة والمرض، صرفوا كامل المال الذي كان مدّخرا ليجدوا أنفسهم أمام واقع صعب فالمرض لا ينتظر تدبر المال، تحاليل وأشعة تقريبا يوميا، العلاج الكيميائي والأدوية التي يستعملها مريض السرطان كلها أرهقت العائلة، تقول “سامية” إنها لم تشأ سؤال أحد في البداية وكلما سأل عن حالهم أحد تقول إنها تملك المال والحمد لله، لكنها وصلت لمرحلة لابد لها من تدبر المال، كانت البداية مع أهلها الذين تجندوا لمساعدتهم كل على حسب مقدوره، وتضيف حقيقة صرختي كانت بمثابة المنقذ لحالتنا، حيث نظم أهل القرية التي تقطنها هبة تضامنية كبيرة معهم وخصصوا ميزانية شهرية خاصة بهم، كما تكفل صاحب العمل الذي كان يشتغل عنده “محمد” ميزانية أخرى يقدّمها للعائلة بشكل دوري كما أنهم حصلوا أخيرا على سكن اجتماعي وتنقلوا للعيش فيه مؤخرا أنساهم قليلا صعوبة الحياة مع الفقر والمرض، وكان بمثابة النافذة التي أدخلت أدخلت لهم القليل من الأوكسجين كونهم كانوا يقطنون في بيت قديم ووضعيته كارثية، كما عمل أهل القرية على تجهيز الشقة الجديدة بالأثاث وكل المستلزمات الضرورية أعادت البسمة للزوج المريض والمنهار نفسيا الذي أخيرا اطمأن لحال أطفاله بحصوله على سكن لائق يحفظ كرامته وكرامة عائلته.

وسيلة لعموري

شاهد أيضاً

دعوة إلى تطوير التشريعات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة

لضمان تكفل أمثل بهذه الشريحة أكد مشاركون في أشغال المنتدى الدولي الأول حول ذوي الاحتياجات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *