عن الشرّ محروما من الاسم والأوكسجين

لا شك عندي أن بعضا، ولو قليلا، من سكان نيوزيلندا وغيرهم من المتحدثين باللسان الانكليزي ممن شاهدوا جلسة البرلمان التي أعقبت المجزرة العنصرية الرهيبة هناك قد اهتموا بمعرفة المزيد عن القرآن الكريم بعد أن استمعوا إلى ترجمة معاني الآيات التي افتتحت بها الجلسة. إذ لا يمكن لأي باحث عن الحقيقة، أو على الأقل لأي عاقل غير متحيز سلفا، أن يستوعب تلك المعاني دون أن تتحرك فيه بواعث الاستزادة والاسترشاد. يكفي أن يصغي أي عاقل إلى القارئ يتلو: «يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين (…) وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون» حتى يكتشف أن الإسلام، الذي لم يكن يسمع به في السابق إلا بمناسبة ما يرد في نشرات الأنباء عن أعمال الإرهاب، إنما هو دين سماوي أتى لتزكية النفس البشرية ولتحصينها بمبدأ التوكّل الكلي على خالقها وإسلام الأمر كله إليه في كل ما يعرض لها من الخطوب وما تبتلى به من المحن. ولو مضى في البحث قليلا لاستبانت له جوهرية الصبر ومركزيته في «الوجودية الإسلامية»، ولطالعته مأساة الشرط الإنساني بأسرها مركزة أبلغ التركيز وأبدعه في ثلاث آيات قصار: «والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر». الإشراقة الثانية في الجلسة البرلمانية تمثلت في أن رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسندا آردرن سنّت على ما يبدو سنّة جديدة، قد يأخذ بها بقية القادة والساسة في الدول الغربية، عندما قررت عدم تسمية المجرم العنصري بالاسم. قالت السيدة الفاضلة العادلة «لن نمنحه أي شيء، ولا حتى اسمه»، وشرحت أنه «كان يسعى بهذا العمل الإرهابي إلى تحقيق غايات كثيرة، أهمها الشهرة. ولهذا لن تسمعوني أنطق باسمه أبدا. إنه إرهابي، مجرم، متطرف. ولكنه سيبقى (بالنسبة لنا) غفلا من الاسم. وإني لأهيب بكم أن تنطقوا بأسماء من هدرت أرواحهم لا باسم من أقدم على هدرها». ولا مراء في أن جاسندا آردرن محقّة في ما ذهبت إليه من أن الأعمال الإرهابية هي، في معظم الحالات، أعمال دعائية إشهارية لمرتكبها ولقضيته (على فرض أن لديه قضية). وهذا موقف سبق لمارغرت تاتشر أن عبّرت عنه منتصف الثمانينيات عندما نادت بوجوب حرمان الإرهابيين من «أوكسجين الدعاية». على أن تثمين موقف رئيسة وزراء نيوزيلندا لا يتعلق بمسألة منع الإرهابيين من تنفس هواء النجومية والمشهدية البروباغاندية فحسب، بل إن له سببا آخر أعمّ وأبسط يتعلق بالصراع بين الخير والشر في عموم العلاقات الإنسانية. إذ الرأي عندي منذ زمن بعيد، أي منذ أن بدأت أدرك هول الظلم الذي لا يتورع بعض الأفراد عن اقترافه، أن ذكر اسم الظالم هو أذى إضافي للمظلوم. إذ ليس أقسى على المظلومين من وقع أسماء الظلمة على مسامعهم. والظلم في ملّتي واعتقادي هو جماع الشرور: فانعدام الرحمة من القلب، والتسلّط، والتكبّر، والغدر، والجحود، والكذب، والشماتة، والحسد، ومحاباة الأقارب (سواء أكانوا أقارب بيولوجيين من إخوة وبني عمومة أم أقارب ايديولوجيين من رفاق حزب أو مذهب أو سلاح) وتفضيل الولاء على الكفاءة، وعدم تقدير الناس بميزان الحق بل بعين السخط أو عين الرضا الخ… كل ذلك ظلم وظلمات. ولهذا قرّ عندي أن الأشرار لا يستحقون ما يستحقه بقية البشر من التسمية بالاسم. ذلك أن التسمية استحقاق. أي أنها اعتراف أو تكريم. اعتراف، بمعنى تقرير حقيقة الوجود. أو تكريم، بمعنى الاعتراف بأحقية الوجود. وبما أن معظم المظلومين لا يستطيعون للظلم الذي حاق بهم أو بغيرهم ردّا، فإن أضعف الإيمان أن يترك الظالم غفلا من الاسم، عطلا مما يقترن بالتسمية من معاني الجدارة الوجودية والأخلاقية. وهذه من الاعتبارات التي أدركتها اللغة الفرنسية (بأوضح وأقوى من الانكليزية)، حيث أنها تتضمن مفردة يمكن تعريبها حرفيا بـ«الذي لا يمكن تسميته» أو «الذي لا يستحق التسمية»، وهي عادة ما تطلق على شخص هو من شدة الخسة والدناءة بحيث يصير غير أهل لأن يسمى أو ينعت. كما تطلق على الجريمة أو الخطيئة تبلغ من الشناعة حدا تمتنع به على الوصف. الاسم حق لكل من يمكن أن يرجى منه ولو نزر من الخير. أما من لا خير فيه فلا اسم له. مالك التريكي/ كاتب تونسي

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *