عوالم خفية في “هايكو” عفراء طالبي

“سبعة عشر نفساً تحت الماء”
عن دار بوهيما في تلمسان، صدرت حديثاً مجموعة الشاعرة الجزائريّة عفراء قمير طالبي المعنونة بـ”سبعة عشر نفساً تحت الماء”. واللافت أن هذه المجموعة تجري قصائدها على نظام الهايكو الياباني، منخرطة بذلك في تيار شعريّ جزائري ما فتئ يغنم مساحات جديدة في الأدب الجزائري، ونعني بذلك تيار قصيدة الهايكو.
ويبدو الشعراء الجزائريون هم من أكثر الشعراء العرب استرفاداً لهذا النّوع الشعري وتوظيفاً لإمكاناته الفنية والجمالية حتّى أنّ البعض تحدّث عن ظاهرة تختصّ بها مدونة الشعر الجزائري الحديث دون بقيّة المدوّنات الشعرية العربيّة الأخرى. ومن أهمّ شعراء الهايكو في الجزائر، نذكر الشاعر عاشور فنّي الذي يعدّ رائد هذا التيار الشعري. وقد عمد إلى اختبار هذا النوع الشعري في عدد من المجموعات الشعرية منها “أعراس الماء” الصادر عام 2003، و”هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي” الصادر عام 2007، كما استدعى الشاعر فيصل الأحمر هذا النوع الشعري في ديوانه “قلّ… فدلّ” وفارس كبيش في “كرز الحقد” والأخضر بركة في ديوانه “حجر يسقط الآن في الماء” ومعاشو قرور في ديوانيه “هايكو القيقب” و”هايكو اللقلق”، وحبيبة المحمدي في عدد كبير من قصائدها.
لا شكّ في أنّ السبب الذي يفزع إليه الدارسون، كلّما أرادوا تأويل هذه الظاهرة، هو البحث عن ينابيع شعرية بكر تمتح منها القصيدة الجزائريّة طرائق مختلفة في الكتابة والأداء بعد أن نضبت الينابيع القديمة، بخاصّة الغربيّة منها فلم تعد تمدّ الشاعر العربيّ بطاقات تعبيرية جديدة. وهذا ما يؤكده الناقد الجزائري لونيس بن علي حين يقول: «استدعاء قصيدة الهايكو محاولة للانعتاق من أسر الشعريّات الغربية التي تعدّ أصل شعرنا الحديث… وتعتبر هذه القصيدة بإيجازها اللغويّ وكثافتها اللغوية منسجمة مع إيقاع العصر وأفق انتظار القارئ…». في هذا السياق، سياق اختبار هذا النوع الشعري، يندرج ديوان الشاعرة عفراء قمير طالبي.
والواقع أنّ قصيدة الشاعرة قد تشرّبت بعض خصائص الهايكو وعدلت عن بعضها الآخر، أثبتت بعض عناصره وتخلّت عن عناصر أخرى. وربما سعت من وراء هذه العملية، عملية التشرب والإثبات والعدول والتخلّي، إلى تطويع هذا النوع الشعري إلى تجربتها الشعرية الذاتيّة. فالهايكو في هذه المجموعة، وإن حافظ، في الظاهر، على بنيته الثلاثية، وأسلوب المفارقة إلّا أنّه تصرّف فيهما تصرّفاً واضحاً بحيث تبدّى، في كثير من الأحيان، قريباً من قصيدة الومضة التي لا تخضع لنواميس الهايكو الصارمة.    ق.ث

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *