الرئيسية / أقلام / غـــــــادر ماكـــــورغ بانتظــــار سليمــــاني!

غـــــــادر ماكـــــورغ بانتظــــار سليمــــاني!

إعلان الموفد الأمريكي الدائم في العراق بريت ماكورغ استقالته، وخروجه فعلياً من المسؤولية مع بداية العام الجديد، خبر جيد لمعظم العراقيين، سواء أصدقاء أمريكا أو أعدائها، مثلما سيكون سحب يد الجنرال قاسم سليماني من المسؤولية في العراق خبرا جيدا لمعظم العراقيين من أصدقاء إيران وأعدائها أيضا. والحديث بلسان طرفين مختلفين تماماً في تقييمهما للمعطيات العراقية، يبدو أمرا مستحيلاً، وقد ينبري من يقول انه يشعر بالحزن لمغادرة ماكورغ، وقد ينصب آخر مجلس عزاء لمغادرة سليماني المحتملة! لكنه واقع حال، فالأصدقاء قبل الأعداء أصبحوا غير قادرين على التعاطي مع السياقات التي حاول الرجلان تكريسها في العراق طوال السنوات الماضية، وإبدال الأشخاص وان كان لا يمثل متغيراً استراتيجياً حاسماً في السياسة الأمريكية او الإيرانية، فانه قد يمثل بداية جديدة لمصلحة الانسجام العراقي الداخلي. كان ماكورغ حسب شهادات معظم الساسة العراقيين من كل الإطراف والاتجاهات متورط خلال ولاية اوباما في نقل رسائل غير دقيقة حول الوضع العراقي، كما أن رسائله إلى حكومة المالكي بشأن التعاطي مع أزمة الاحتجاجات السنية، قد ساهمت بالانهيار الأمني الذي شهده البلد، ومع استمراره في مهامه وتطويرها بعد 2014 كممثل للتحالف الدولي في العراق، ومن ثم سورية، كان ماكورغ يلبس سترة ترامب الفضفاضة، ليعبر عن أراء غير موضوعية حول مجمل الشأن العراقي، ويتجاوز السياقات الدبلوماسية ليدخل في سباق إرادات مكلف وأحياناً شخصي الطابع، مع المندوب الإيراني الدائم لإدارة الصراع في المنطقة الجنرال قاسم سليماني. وليس غريباً القول أن افتقار الولايات المتحدة إلى استراتيجية محددة في العراق عام 2003 لا يختلف كثيراً عن افتقارها إلى استراتيجية محددة عام 2018 الذي ختم بزيارة درامية لترامب إلى قاعدة عين الأسد من دون لقاء أي مسؤول عراقي، وان غياب ماكورغ سيحدث فرقاً شكلياً على مستوى آليات تعاطي الأطراف العراقية المختلفة مع واشنطن عبر وسطاء جدد وربما أكثر حكمة ودراية وهدوءاً. سليماني ليس أفضل حالاً، في العراق، وحديث أصدقاء إيران عن قرب مغادرته المشهد العراقي، لا ينتمي إلى أمنيات غير الأصدقاء، بل يستند إلى معطيات إيرانية داخلية، ومتغيرات متوقعة في مشهد إدارة الصراع في المنطقة عموماً. والجنرال بات يدرك كما يبدو، ما يدركه صناع القرار الإيراني، بان نجاح النفوذ الأمني والسياسي في العراق طوال السنوات الماضية، وتحويل سليماني إلى صانع فعلي محترف وعلني لكراسي الحكم في هذا البلد، وما صاحب كل ذلك من احتفاء وتعظيم في الشخصية التي يتزاحم السياسيون لالتقاط صور إلى جوارها، لم يحقق سوى ربح تكتيكي، وان الخسارات الاستراتيجية الحقيقية، تتعلق بالشارع العراقي الشيعي قبل السني والكردي، الذي يحمل إيران كدولة وليس سليماني كشخص فقط مسؤولية فشل الدولة العراقية، واستشراء فساد من استغل نفوذ إيران ليفسد. ليس متوقعاً أيضا أن تغير إيران استراتيجياتها فيما لو سحبت يد الجنرال، لكن الأمر سيكون مريحاً لأقرب أصدقائها، الذين ينتقلون من صفوف المقاتلين إلى صفوف السياسيين، وأصبحوا أكثر انسجاماً في التعاطي مع السفارة الإيرانية من التعاطي مع الحرس الثوري. في مراحل مختلفة كانت بغداد مكان حوار إيراني – أمريكي مباشر وغير معلن، وهناك حوارات في الكواليس تتم حتى اليوم عبر السفارتين اللتين تدركان ان الظروف العراقية قد تتغير في أية لحظة، كما تدركان المخاطر التي ترتبت على إهمال تطلعات الشعب العراقي، والجروح الغائرة التي نجمت عن سياستيهما على حياة العراقيين ودمائهم ومستقبلهم وعلى الدولة التي يحلمون ببنائها، وان الوقت لن يطول قبل أن تنفرط معادلات التوازن الهشة التي تم العمل على تكوينها عبر منظومات سياسية فاسدة ومهلهلة. قد لا يكون إعادة الاعتبار للدولة العراقية لتضبط توازناتها وتوفر الخدمة والنماء والاستقرار لشعبها، ضمن الأولويات الأمريكية أو الإيرانية اليوم أو غداً، فهي في نهاية المطاف مهمة عراقية داخلية، لكن متغيرات في زاوية النظر للدولتين الأكثر تأثيراً في العراق قد يساعد على توفير بيئة مواتية للحوار الداخلي العراقي، بنسبة ضغوط اقل من تلك التي مارسها ماكورغ وسليماني. مشرق عباس/ كاتب عراقي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *