الرئيسية / أقلام / في أسباب انكسار الربيع العربي

في أسباب انكسار الربيع العربي

إثر انكشاف قوى الربيع العربي وتكشف ملامح انكسار مشروعها الاجتماعي -السياسي في هذه المرحلة، التي لا تقل حجما وتأثيرا عن هزيمة جوان 1967، لم يعد من الممكن رد تزاحم مجموعة الأسئلة المحورية المتعلقة بمآلات التغيير السياسي في الأنظمة الشمولية في الشرق الأوسط، والنجاح في وأد استحقاقات هذا التغيير المنتظر إلى عناصر جزئية وطارئة على مشهد التفاعلات السياسية في هذه التجربة، أو تلك بمعزل عن تركيز النظر بصورة مركبة على تجليات نظيرات لها على امتداد الخريطة السياسية العربية.

ذلك أن آليات عمل منظومة الاستبداد هذه لا تشتغل فرادى في جزر معزولة، كما يبدو للكثير من القوى السياسية الساعية للتغيير السياسي، ما يفسر حالة العجز المستدامة في تقديم إجابات واقعية على تلك الأسئلة المستعصية، التي ستبقى كذلك طالما يصار إلى تناول كل تجربة على حدة، في مقابل معسكر بات تماسكه وترابط آليات عمله باديين للعيان ولا تخطئهما عين. والحال، فإن التحليل الموضوعي لظاهرة الاستنفاع السياسي، وبقاء تلك الأنظمة الشمولية على قيد الحياة كل تلك المدة القياسية من الزمن، يتطلب الانتقال بأدوات التحليل ومنهجيته من موقع إلى موقع، من موقع تفكيك الظاهرة إلى موقع إعادة تركيبها بشكل بنيوي مرات ومرات، وعلى نحو شامل يضع عناصر المنظومة كلها في بوتقة واحدة ويعيدها إلى أصلها الكاشف، مع إبراز التمايزات الخاصة بكل تجربة على حدة بطبيعة الحال، الأمر الذي من شأنه، ربما، الدفع باتجاه خلق حالة من السيولة ذات الجدوى في عملية تقديم إجابات وتحليلات واقعية قد تساهم في فهم ما يجري تمهيدا لتجاوز المعوقات التي تحول دون تقدم مسيرة التغيير، أو الشروع في قراءتها على نحو صائب على أقل تقدير. من أغرب ما يعيق عملية الولوج إلى قلب ظاهرة الاستنفاع السياسي هذه وإمكانية تناولها بالدراسة والتحليل الموضوعيين، ذلك الاصرار “الشمشوني” على اعتبار الدولة القطرية في المنطقة العربية أمرا ناجزا من ناحية التكوين تجاوز، بحكم الزمن والزمن وحده، مسوغات نشوء تلك الكيانات ارتباطا بعوامل تقليدية ثلاثة معروفة (الكيان الصهيوني والنفط وجغرافية المنطقة) في حين يعلم الجميع أنه ما كان لتلك الكيانات أن ترى النور على هذه النحو لولاها، أو بمعزل عن أدوارها الوظيفية الموزعة على نحو دقيق على كل منها، بحيث يصير تناول الظاهرة بهذا الشكل معوجا من أساسه، وعاجزا عن المساهمة في قراءة المشهد برمته، إن لم يكن يساهم في تشويه تلك القراءة وحرف بؤرة النظر عن مسارها الصحيح، بهدف توجيهها إلى عناصر هامشية خادعة، تكرس الحالة عوضا عن السعي إلى الخروج منها. وبالتالي، فإن تجاوز عقدة العداء للمنظور التركيبي في تناول مجمل النظام السياسي الرسمي العربي، والحركات السياسية المناهضة له يصبح من الضرورات البراغماتية البحتة، التي لا تمت بأي صلة لنرجسيات قومية أو عرقية أو دينية دمغت مراحل سياسية سابقة وحالية، لم يعد أحد يملك الجرأة على ذكرها (الضرورات البراغماتية) أو وضعها على طاولة البحث والتحليل، بوصفها عناصر موضوعية قائمة بذاتها وتشكل موضوعيا، مواد وأدوات تحليلية لا غنى عنها ساعة الشروع في أي معالجة موضوعية للأزمة السياسية الداخلية، في مجمل تجارب التغيير السياسي الفاشلة حتى الآن في البلدان العربية كافة، وذلك خوفا من تلقي تهم جاهزة وزائفة تتعلق بالنكوص إلى مواقع فئوية أو جهوية ضيقة لا معنى لها في واقع الأمر، لكنها تساهم في إضفاء مزيد من التضليل على مشهد الصراع السياسي في البلدان العربية.  كما يلاحظ أن المنظور التركيبي لهذا الصراع السياسي يتأتى في المقام الأول من الآليات الداخلية لعمل وطبيعة الأنظمة السياسية العربية التي لم ترق بعد إلى تصنيف الدولة الناجزة، بل حافظت على نفسها بوصفها أشباه دول تشرنقت على ذاتها، بحكم أدوار وظيفية موكلة إليها من الخارج، في تصنيف أدنى من الدولة وأعلى من القبيلة بقليل، لكنه لا يتجاوز، بأي حال، خطوط تقاسم الغنائم والحدود والتحكم بمقدرات عناصرها ومكوناتها الكامنة، وللاستدلال على هذا النوع من الاستنفاع السياسي، الذي بات ماركة عربية مسجلة بامتياز، فإنه يكفي إلقاء نظرة سريعة على تاريخ حافل باستعداء الأنظمة للشعوب وبالاستقواء بالأجنبي عليها حتى لو أدى ذلك إلى شلالات من الدماء، كما في الحالة السورية على سبيل المثال لا الحصر.  لذلك تبقى سائر الدعوات المنادية بالمراجعة النقدية لتجارب الربيع العربي الناهضة حاليا، إثر الهزيمة التي ألحقتها أنظمة الاستبداد وقوى الثورة المضادة بها، عاجزة بنيويا عن أداء وظيفتها، لأنها تفتقر إلى المادة التحليلية الخام بنزوعها إلى فصل الكلي عن الجزئي أو العكس بطريقة تقود بالضرورة إلى مزيد من العجز عندما يتعلق الأمر بمحاولة فهم أسباب تلك الهزيمة التي لا يمكن قصرها على بأس قوى الاستبداد وشدة بطشها واستعدادها لإبادة شعوب بأكملها، أو بعض من مكوناتها في سبيل تأمين آليات عملها الداخلية واستمرارها في تأدية أدوارها الوظيفية المناطة إليها من الخارج، وإذا لم يكن الأمر كذلك فكيف يمكن أن يفسر رد النظام السوري الساحق على قوى الداخل الوطنية في محاولتها للتغيير السياسي، بينما يقف موقف المتفرج إزاء التدخلات والاعتداءات الخارجية بما فيها الحربية منها، ومثالها الأبرز الغارات الحربية الاسرائيلية المتكررة بلا هوادة على مواقع حيوية في العمق السوري.  في السياق ذاته فإن التحليل السياسي لهذا لمشهد يجب أن يميط اللثام عن ماهية الممارسة السياسية الضرورية لفهم التوازنات والنزاعات التي تشكل نظاما اجتماعيا معينا، ذلك أن توظيف هذا التحليل السياسي يسمح بإجراء تشخيصات دقيقة للمجتمع أو المجموعة التي يقع على عاتقها التصدي لمهمة التغيير، مثلما يسمح بتصميم سياسات عامة مناسبة وبتقييم بطريقة نقدية، تأثير وفاعلية اللاعبين الحقيقيين في السياسات العامة وإعادة صياغتها في ممارسة سياسية جديدة توضع في خدمة اللاعبين الذين يريدون تطوير استراتيجيات المعارضة والمقاومة وحتى التفاوض والإصلاح أو القطع مع النظام السياسي القائم.  في نهاية المطاف ومبتدئه، يمكن القول إن الفعل الاجتماعي السياسي لا يتبلور بذاته ولا يأخذ معناه بشكل تلقائي من دون النظر إليه في سياقه الإشكالي المركب وتسميته وتوجيهه في هذا الاتجاه، أو ذاك من خلال ممارسات سياسية محددة لا تأتي أبدا بمفردها كتعبير طبيعي وضروري عن حدث اجتماعي ما، فالأمر يتعلق هنا بتحليل بناه وقواه وعناصره المؤثرة، وتفكيك وتركيب تلك العناصر بغية توجيه السلوكيات السياسية والشرعية لمختلف القوى الداخلية والعوامل الخارجية العاملة في الميدان العام وفي المحصلة النهائية في ميدان السلطة السياسية.

 

باسل أبو حمدة كاتب فلسطيني

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *