في الذكرى الأولى لـ”مسيرات العودة”.. حسابات المكسب والخسارة

<تحل في الثلاثين من هذا الشهر (مارس 2019) الذكرى الأولى لمرور عام على «مسيرات العودة»، التي انطلقت في مناسبة إحياء يوم الأرض العام الماضي (30 مارس 2018)، وهي النسخة الأحدث في الحراك الفلسطيني المستمر لأكثر من قرن؛ نجح فيها الفلسطينيون في توحيد جهودهم، واجتمعوا على هدف واحد.. هو استمرار «مسيرة العودة الكبر ى» على الرغم من تعقيدات نشأت عن «وعد ترامب» الذي أعلنه أثناء حملة انتخابات الرئاسة في 2016، ففي نهاية عام 2017 اعترف رسميا بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية؛ قافزا على قرارات أممية صدرت من مجلس الأمن والجمعية العامة وكثير من المنظمات القارية والإقليمية، في آسيا وافريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ولم يُشِر البيان الصادر عن ترامب بالخصوص إلى القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية المرتقبة ضمن مبدأ «حل الدولتين.»… حمل الموقف الرسمي الأمريكي والتسريبات التي صاحبته معنى المصادرة على «حق العودة»، الوارد في قرار التقسيم رقم 194 الصادر في كانون الأول/ديسمبر عام 1948، وفيه وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على طلب تل أبيب الانضمام إلى الأمم المتحدة بعد تعهدها بتنفيذ ذلك القرار، وكان معروفا بـ«قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين». ومثل ذلك الموقف الأمريكي يعد استفزاز وتحد سافر لعالم زادت فيه مساحة التأييد للحقوق الوطنية المشروعة للبلدان التي احتلت أراضيها أو أجزاء منها، وإن كان الوضع عكس ذلك على المستوى الرسمي العربي، حيث تهرول دول وتتسابق إلى «التطبيع»، وتحرص على «صهينة» سياساتها. وكثيرا ما يبدأ الحراك عفويا، وهكذا بدأ بالنسبة لمسيرات العودة، وكانت له مقدمات في دراسة اطلعت عليها مخطوطة لكاتب بريطاني هو «بِل كروفورد»، وترجمة عنوان الدراسة، على ما أذكر، «انتفاضة العودة 2000»، وصدرت عام 1997، وضمَّنها الكاتب تصوره لزحف مليوني سلمي؛ يرابط على خطوط التماس الفاصلة بين الأرض الفلسطينية المغتصبة؛ المقامة عليها الدولة الصهيونية وما تبقى من فلسطين (الفلسطينية)؛ أي التاريخية، ووجه الدعوة للعرب؛ فلسطينيين وغير فلسطينيين، وكذلك لجموع المؤيدين لحق التحرير والعودة وإقامة الدولة المستقلة، وصدرت الدراسة باللغتين الإنكليزية والعربية، وبمناقشة الكاتب وجدته قد تأثر بـ«إنتفاضة الحجارة» في 1987، وما نتج عنها من حراك غطى قطاع غزة، وكثير من المدن والقرى والمخيّمات الفلسطينية. وتوالت الانتفاضات والمسيرات والاحتجاجات؛ اندلعت الانتفاضة الأولى كرد على حادث دهس سائق شاحنة صهيوني لعدد من العمّال الفلسطينيّين على حاجز «إريز»، الفاصل بين قطاع غزة وبقية الأراضي الفلسطينية، واستشهد منهم أربعة عمال، وكانت الجريمة متعمدة، وأثناء تشييع الشهداء في اليوم التالي للجريمة اندلعت احتجاجات عفوية واسعة؛ ألقيت فيها الحجارة على موقع للجيش الصهيوني بمنطقة «جباليا»، ورد بإطلاق نار كثيف؛ لم يُزحزح الحشود عن موقفهم، واستمر إلقاء الحجارة وقنابل المولوتوف، وطلبت القوات الصهيونية دعما. ومع وصول القوات الداعمة انطلقت الشرارة الأولى للانتفاضة. وبدا حادث الدهس بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير»، ولم تتمكن القوات الصهيونية من وقفها. وفي سنة 1991 أخذت الأوضاع تهدأ تدريجيا، وتوقفت الانتفاضة تماما عام 1993؛ مع توقيع «اتفاقية أوسلو»، وقُدّر عدد الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا أثناءها بـ1.300 شهيد؛ وسقط على الجانب الصهيوني 160 قتيلا. بالإضافة إلى إعدام حوالي 1.000 متعاون مع القوات الصهيونية. وتلك الانتفاضة التي اندلعت لاستشهاد أربعة فلسطينيين، ما كان لها أن تستمر إلا بسبب تراكمات طول المعاناة ووحشية الاحتلال ورفض وجوده، والاصرار على عدم السماح بتكرار ما حدث نتيجة حروب 1948/ 1967؛ من تشريد، وتهجير قسري، ومصادرة أراض وممتلكات، وحروب دورية، وإهانات متعمدة؛ علاوة على آثار نجمت من عجز عربي ودولي عن إعادة الأمور إلى نصابها قبل الاحتلال، وجاءت «انتفاضة الحجارة» فاتحة لحراك لم يتوقف بعد. ٭ وإنطلقت الانتفاضة الثانية؛ «انتفاضة الأقصى»، في 28 سبتمبر 2000؛ بعد اقتحام أرئيل شارون لساحة المسجد الأقصى في حماية حراسته المدججة بالسلاح؛ استفز ذلك المصلين ودفعهم للتجمهر والتصدي له ولحرَّاسِه، وتفجر العنف، الذي استمر مصاحبا هذه الانتفاضة لأكثر من أربع سنوات، وتوقفت فعليا في فبراير 2005 بهدنة خرجت بلقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الصهيوني أرئيل شارون في شرم الشيخ، واختلفت «انتفاضة الأقصى» عما سبقها؛ سادت فيها المواجهات المسلحة، واحتدت خلالها وتيرة الصدام، وكانت الحصيلة استشهاد 4412 فلسطينيا، وحوالي خمسة آلاف مصاب، وسقوط 334 قتيلا من الجيش الصهيوني، ومن المستوطنين 735 قتيلا، ووصل مجموع القتلى والجرحى الصهاينة 1069 قتيلا و4500 جريح، وأصيبت 50 دبابة «ميركافا» ودُمرت أعداد من المركبات المدرعة وسيارات الجيب العسكرية. وتعرضت الضفة الغربية وغزة لحروب عدوانية دورية؛ «الدرع الواقي.. وأمطار الصيف.. والرصاص المصبوب». ٭ أحيت «انتفاضة الأقصى» نداءات كانت قد خفتت في الدوائر العربية الرسمية؛ عودة نداء مقاطعة المنتجات والسلع الأمريكية والصهيونية من جديد، ودبت الحياة في أروقة مكتب المقاطعة العربية في دمشق، فعقد اجتماعا حمل قيمة رمزية أكثر منها عملية، لأنه لم يسفر عن شيء، وصدحت الأغاني الوطنية الممنوعة، وعاد شعراء المقاومة للمحافل الثقافية في الشوارع والقاعات، وبثت الفضائيات برامج وتقارير حية ومصورة عن «انتفاضة الأقصى»، واتسعت لها مساحات أكبر في معظم أجهزة الإعلام العربية. ٭ أعادت «مسيرات العودة» قضية اللاجئين لاهتمام الرأي العام العربي والدولي. وأربك ذلك تل أبيب وواشنطن في المحافل الدولية، وأعادت حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مداولات المحافل السياسية والإعلامية، خاصة بعد كشف أعمال القنص التي نُفِّذت ضد الشباب الثائر والتنكيل بهم، وأظهر استهداف الجنود الصهاينة لأكثر من 1400 فلسطيني في يوم واحد؛ مستوى التوحش والغل والعنصرية تجاه المواطن الفلسطيني الأعزل، وتحويل حدود غزة الشرقية والجنوبية والشمالية لخطوط تماس ملتهب، وبؤر احتكاك دامٍ، ونقاط تحرش أرعن. ٭ وعاد الصراع ضد الاحتلال إلى طبيعته وطابعه.. فطبيعته في كونه صراع وجود، واستعاد طابعه الشعبي، وكانت تل أبيب تتحسب لذلك وتتجنبه، وبالغت في «شيطنة» المقاومة، وأحكمت الحصار حولها، وفاقمت من آثاره اللا إنسانية، وزاد الاهتمام بالمقاومة، وأدى ذلك إلى عقد اجتماع طارئ لكل من مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية، وتراجع تجاهلها في البيئة الإقليمية والدولية، واستعادت أهميتها وأهليتها، وانعكس ذلك سلبا على «التطبيع»، الذي تهرول إليه دول عربية؛ تتقدمها المملكة العربية السعودية. وتبقى الدونية العاكسة لما وصل إليه التردي، واعتماد تل أبيب على قوى وشركاء عرب ومسلمين؛ يتولون تنفيذ المطلب الصهيوني في التصدي لمسيرات العودة، وتشجيع جهود رسمية؛ مريبة ومشينة، تنقل الحراك الفلسطيني السلمي من الحدود وخطوط التماس مع الاحتلال إلى الداخل الفلسطيني، في ظروف تعقيد أحوال المعيشة، ووقف الالتزامات والمخصصات المالية المقررة وتقليصها، وخفض رواتب وتجميدها، وإحالة أعداد كبيرة من العاملين إلى التقاعد المبكر. محمد عبد الحكم دياب/ كاتب مصري

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *