الرئيسية / ثقافة /  “قصص دون أجنحة”.. الحِداد وترميم الذات

 “قصص دون أجنحة”.. الحِداد وترميم الذات

عمار تريبش يعرضه فيلمه للجمهور بعد 6 سنوات من تصويره:
 
 قال المخرج عمار تريبش، أن فيلمه الجديد “ قصص دون أجنحة” كان في البداية مشروعا لمسلسل، لأن بناء السيناريو الذي كتبته الممثلة المغتربة عديلة بن ديمراد يتضمن عدة قصص متوالفة، وأنه قرر بعد قراءات عدة أن يرضى بفكرة الفيلم، مستخدما ممثلين معروفين وآخرين يطلون على الشاشة الكبيرة لأول مرة..

وأكد المخرج، في حديث إلى “وقت الجزائر”، أن حادثة الطائرة ليست سوى رمز للأحداث الدامية التي عرفتها الجزائر خلال التسعينيات، كما أن موت ركابها وأزمات أهاليهم هي تقريبا ما جرى في جزائر التسعينيات، حيث ساد الموت والدمار، وواجه الناجون أزمات نفسية حادة.

مصائر مـختلفة
يتقاسم البطولة في الفيلم ممثلون عديدون، يظهرون تباعا بعد حادثة تحطم الطائرة ونشر خبرها في الإعلام: سارة، الفتاة الطموحة المتحررة (تؤدي دورها عديلة بن ديمراد) تتلقى نبأ وفاة والدها بجزع كبير، وتحاول حماية والدتها وأختها سلمى من الصدمة، لكن صدمة أخرى كانت في انتظارهن: لقد اكتشفن بعد مدة قصيرة –خلال عملية حصر الإرث- أن الوالد لم يكن موجودا في الطائرة بمفرده، بل بصحبة سيدة، اتضح في ما بعد أنها زوجته، وأنه أنجب منها عدة أبناء، سيدة كن يعرفنها جيدا، غير أنهن لم يخطر ببالهن أبدا أنها قد تكون زوجة لرجُلهم الوحيد.
يكتشفن أيضا أن الوالد لم يترك لهن شيئا تقريبا، عدا محل قديم في زقاق ما، وأن أملاكه الكثيرة الأخرى ذهبت كلها إلى أسرته الثانية، وهنا تنهار الأم وتدخل مصحة نفسية، بينما تستسلم الأخت الصغرى للضياع، وتجد سارة نفسها في مواجهة الفقر، ومهمة إيجاد سكن للأسرة، ومداواة الأم، وتحمل انهزامية الأخت.. وفي الأخير، متطلبات القلب الذي يهفو إلى أحد معارفها.
أما يوسف، الرسام الكاريكاتوري، فيرسل أمه (التي لم تخرج يوما من البيت للنزهة أو الاستجمام) في رحلة إلى خارج البلد، ليتلقى بعدها خبر موتها.. يعيش أزمة نفسية جراء فقدانها، وأزمة أخرى بسبب لوم شديد يضعه عليه الإخوة والأقارب، متهمين إياه أنه سبب وفاتها. تحاول خطيبته إخراجه من أزمته، لكنها لا تفلح، إلى أن تقص عليه إحدى خالاته كل ما تعرفه عن والدته، فيكتشف أنها أحبت رجلا قبل زواجها القسري بأبيه، رجلا رساما اختفى من القرية بعد هذا الزواج، فيقرر البحث عنه، كي يستأنس بذكرى والدته، فيشد الرحال إلى جيجل، وهناك ينزل في فندق صغير، ولن تمضي سوى أيام قليلة حتى يكتشف أن صاحب النزل هو الرجل المطلوب: رسام ترك ماضيه خلفه في قريته وجاء إلى جيجل ليكون أسرة جديدة، ويبني هذا الفندق، الذي سيكون شاهدا على هجمة إرهابية كادت تودي بحياته.
عادل (يؤدي دوره مصطفى العريبي)، هو الآخر، يعاني بطريقة مزدوجة تبعات حادثة الطائرة: لقد ماتت نفيسة، زوجته الطبيبة، وماتت معها ابتسامتها، ليحل محلها الحزن مضاعفا: يزوره طبيب العائلة ويلقي على مسامعه نبأ ثقيلا: لقد أصيبت زوجته بمرض نادر، مرض ينتشر في أمريكا اللاتينية، ويصيب ضحاياه بالشيخوخة المبكرة لقد اكتسبت زوجته الراحلة هذا المرض بعد سفر لها إلى كوبا، للمشاركة في ملتقى، ويطلب منه أن يجري تحاليل لمعرفة ما إذا كان قد أصيب هو الآخر.
يدخل عادل دوامة من الخوف والهواجس والكوابيس، ويرى زوجته في أحلامه، ويخيل إليه انه يراها في كل مكان، وقد صارت ملامحها شائخة معروقة طافحة بالتجاعيد بشكل مخيف. يصبح سلوكه غير سوي، مسببا الهلع لوالديه المسنين، ولا يستطيع النجاة من كل ذلك إلا باللجوء إلى المسجد، حيث تخفف الصلاة من أزمته، وتريحه نصائح الإمام، الذي يدعون إلى الإيمان بالقضاء والقدر، ومحاولة العيش مجددا بطريقة أخرى.
وفي لوحة أخرى، يصور الفيلم مأساة والد ابتلي بوفاة ابنه: لقد وصلت الأزمة المالية بتلك العائلة حد التفكير في بيع البيت، وهو القرار الذي كان الوالد يعارضه بقوة. العجوز يشعر أن شجاراته كانت السبب في لجوء ابنه إلى تلك الرحلة المشؤومة التي انتهت بوفاته، ويرضى أخيرا ببيع المنزل القديم، الذي بناه الأجداد منذ قرنين على الأقل: لكنه يشترط على المشتري أن لا يهدمه، ويرفض عروض زوجته في بيع بعض النفائس التي تتوارثها العائلة منذ أجيال (كناية عن التراث)..
في نهاية الفيلم، يلتقي جميعهم (ولم يكن أي منهم يعرف الآخر قبل حادثة الطائرة) عند نصْب شيد تخليدا لضحايا الطائرة، وكتبت عليه أسماؤهم: يضع كل منهم تذكارا صغيرا، ثم يعود إلى حياته بطريقة أخرى، مقررا الانتصار على الألم: تحول سارة محلها إلى دكان لبيع التذكارات القديمة، ويتزوج عادل مرة أخرى، أما يوسف فيأنس بصاحب الفندق ويعود إلى خطيبته وعمله، في حين يتخلص العجوز من العذاب النفسي الذي لازمه بعد بيع المنزل.

سقوط المحرمات الاجتماعية
في الفيلم، يحاول المخرج كسر بعض الصور التي يرفضها المجتمع الجزائري للمرأة المتحررة اجتماعيا: سارة المدخنة تتعاطى سجائرها علنا أمام الأصدقاء، وتدافع عن نفسها تجاه النظرات المستنكرة، وتحاول إيجاد حل طويل الأمد لأزمتها، بالاعتماد على نفسها، بدلا من اللجوء إلى رجل. ويعيب الفيلم سلوك الأخت والأم الانهزامي بطريقة ما، ويقدم نماذج نسائية إيجابية طوال الفيلم.
ويقول عمار تريبش في هذا السياق: “ربما يتوافق ذلك مع قناعاتي الشخصية تجاه المرأة، فأنا أشجع المرأة القوية، المعتمدة على نفسها، وأرى أن التدخين أمر شخصي، وليست قضية اجتماعية معيبة”. وعن تواجد الخمر في فيلمه، قال: “أنا أنتمي إلى سينما الواقع، إن الفنادق تقدم الخمر في سهراتها، وهذا الأمر لا ينبغي إنكاره، ويبقى الخمر مساألة فردية مثل التدخين، وكل شخص مسؤول عن اختياره لوحده”.
وجاءت صورة رجل الدين إيجابية في الفيلم، على الرغم من نبذه التطرف الديني بشكل ما، وهنا يضيف المخرج: “تعمدت أن يكون الإمام في فيلمي ذا زي جزائري، دون لحية كثة وببرنوس محلي، إنني انتمي إلى عائلة لبست البرنوس وحافظت على قيمها الدينية والاجتماعية، ولست راضيا عن موجة اللباس ‘الإسلامي’ الذي يأتينا من السعودية ومن دول أخرى”..

  عثرات عديدة
لم يكن طريق هذا الفيلم مفروشا بالورد منذ البداية، يقول تريبش: “تلقيت مليارين كدعم للفيلم، أولهما من وزارة الثقافة، والآخر من الوكالة الوطنية للإشعاع الثقافي، وهو مبلغ بالكاد غطى النفقات الأساسية للفيلم. لقد جرى التصوير بين عامي 2009 و2010، لكننا لم نستطع عرضه حتى الآن، بالنظر إلى جملة من العراقيل، من بينها أن الوزارة اشترطت علينا نسختين 35مم، والجزائر لم تعد تتوفر على مخابر تحميض جيدة، لقد سافرنا إلى المغرب من أجل هذا الأمر”.
ويضيف: “لقد أخرجت أفلاما ومسلسلات من قبل، وعملت للتلفزيون الجزائري أكثر، لأنه كان الجهة الداعمة والعارضة الوحيدة آنذاك، وكان يطلب مسلسلات أكثر من الأفلام، لذلك تعثرتُ سينمائيا، والآن أعود إلى السينما، لا أستطيع أن أقيّم نفسي وأعمالي، لكنني أعطيت السينما الجزائرية كل ما استطيع رغم غياب المال الكافي”.
خالدة.م

شاهد أيضاً

مريم بن علال تكرم الشيخ رضوان بن صاري 

في ألبومهـــا الجديــــد كرمت مطربة الحوزي، مريم بن علال، عميد الأغنية الأندلسية الشيخ رضوان بن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *