الرئيسية / الحدث / قصور وواحات في حضن رمــال تسحــر السيــاح

قصور وواحات في حضن رمــال تسحــر السيــاح

من بنــــي عبــــاس إلى تاغيــــت لؤلــــــــؤة الســـــاورة

كانت الانطلاقة من مقر وزارة السياحة والصناعات التقليدية بالجزائر العاصمة، على متن حافلة من نوع مرسيدس، وضعها الديوان الوطني للسياحة، في خدمتنا طوال أيام الرحلة التى قادتنا إلى ولاية بشار السياحية، حيث قضينا أوقات لا تنسى، خاصة وأن الرحلة تزامنت مع احتفالات المولد النبوي الشريف، حيث يحج سنويا الآلاف من السياح إلى منطقة بني عباس، قادمين من مختلف ولايات الوطن، فضلا عن الأجانب الذين اعتادوا حضور هذه الاحتفالات التي تغذيها القصص والأساطير التى توارثها سكان المنطقة عن أجدادهم، بقداسة المنطقة والبركة التى تحل بكل زائر لها، وروايات أخري اكتشفناها في حديثنا لأولئك الذي زاروا المنطقة وعادوا إليها هذه السنة بعد أن سحرتهم طيبة الشعب المضياف وخصوصية الأكل الشعبي.

سارت الحافلة التي تقلنا إلى ولاية بشار، وبالضبط إلى منطقة ايغلى، التي تبعد 150 كلم جنوب الولاية، مباشرة بعد ان صلينا مع السائق عمي كمال، الذي لبس ثوب المرشد السياحي نظرا للخبرة التي اكتسبها مع مر الزمن، صلاة المغرب والعشاء جمعا، مستفيدين من رخصة المسافر. ساعدنا الطريق السيار شرق غرب، في قطع قرابة نصف المسافة في ظرف وجيز، حيث بلغنا ولاية النعامة، في حدود الساعة 3 صباحا، وهو ما يؤكد دور البنية التحتية في تسهيل التنقل وتدعيم السياحة، بربط الجهات الأربع للوطن، خاصة وأن الجزائر تعادل مساحة قارة أوربا على أساس 15 دولة، مع أفضلية التنوع المناخي الذي يتراوح بين الصحراوي والجبال التي تكتسي حلة بيضاء في فصل الشتاء وشواطئ تطل على المتوسط بطول 1600 كلم. طول المسافة، أجبر العديد منا على الغط في نوم عميق، فيما بقي بعضنا الآخر يتبادل أطراف الحديث مع السائق، حتى لا يتعب هو الآخر ويبقي يقظا مركزا في السياقة، إلى أن ظهرت علامات بزوغ فجر جديد، ونحن على مشارف ولاية بشار، أين استيقظ الجميع لأخذ فطور الصباح بمدخل مدينة بشار، حيث لم تتبق عن مكان إقامتنا سوي 340 كلم، حيث من المفترض أن نقطعها في ظرف 5 ساعات. رمــــــال تاغيــــــت الساحــــــرة بعد وصولنا إلى مدينة إغلي، في حدود الساعة الواحدة والنصف بعد الزوال، وضعنا أمتعتنا في غرف إقامتنا وهو مركز إقامة سياحي تابع للديوان الوطني للسياحة، بني وفق طراز معماري تقليدي، يطل على كثبان رملية هي امتداد لتاغيت السياحية، وتتوسطه خيمة كبير بمثابة غرفة الاستقبال، تناولنا فيها وجبة الغداء وارتحنا فيها لساعة من الزمن، ليبدأ برنامج الرحلة بزيارة مدينة تاغيت والتمتع برمالها الذهبية الساحرة، وقد وصلنا إليها في حدود الساعة السادسة مساء، أين ضيعنا لحظة غروب الشمس، وهي من أجمل اللحظات التي يمكن التمتع بها على ظهر تلك الكثبان الرملية، حيث يخيل لمن يراه من الأسفل وكأنها تلامس السماء من شدة علوها. وكما في كل عام في مناسبات مختلفة، في نهاية السنة على وجه الخصوص، “تاغيت” تفتح أبوابها للكثير من السياح من كل مكان، فتوفر لهم الهروب من مشاكل الحياة، والاختناقات المرورية، والإجهاد اليومي، كما أنّ الفرصة متاحة لكل من يزور هذا المكان لتنفس الهواء النقي والتغني عند أقدام أشجار النخيل المتناثرة هنا وهناك في شكل واحات متناثرة تقع غرب العرق الغربي الكبير بين بشار وبني عباس. بعد أن وصلنا إلى القمة، تراءت لنا أمواج رمال على مدّ البصر بالجهة الشرقية، فيما تتناثر غربا مدينة تاغيت المعروفة بالقصر والواحات التي تحولت بفضل جهود السكان إلى بساتين لمختلف الخضر والفواكه التي كانت في وقت سابق حكرا على ولايات الشمال، أما القصور فهي مساكن أثرية تشبه إلى حد ما القصبة في العاصمة الجزائر، أين وعدنا هذه المرة، المكلف بالاتصال في وزارة السياحة، والمسؤول عن تنظيم الرحلة، محمد أمزيان، الذي رافقنا طيلة أيام إقامتنا، بالعودة مرة أخرى لزيارتها ونشهد لحظة غروب الشمس التي ضيعناها في هذا اليوم. أخذنا صورا تذكارية، توثق لهذه اللحظات الممتعة، التي سبقنا إليها العشرات من السياح الذين وجدناهم بعين المكان قادمين من كل أرجاء المعمورة، ليطردنا الليل والتعب الذي نال منا بعد 15 ساعة من السفر، لنعود أدراجنا إلى مكان إقامتنا لنستمتع بوجبة عشاء. سهــــــــــرة على إيقــــــــــاع تارڤـــــــــي ونـــــــوادر الجاحــــــــــــــظ في حدود الساعة العاشرة ليلا، اجتمعنا حول نار أوقدها القائمون على مركز الإقامة لتزيد الجو دفئا، وحضر لنا عمي عيسى، الذي امتهن الإرشاد السياحي منذ سبعينيات القرن الماضي، الشاي في إبريق، ذكرني بقصة علاء الدين والمصباح السحري، التي تدور وقائعها في الصحراء العربية. وفي هذا الوقت، التحقت بالخيمة التي اجتمعنا بها، فرقة موسيقية شعبية متعتنا بمختلف الأغاني التارقية، بآلة القيتار والدف حيث غنت الفرقة مختلف الأغاني المعبرة عن معيشة الإنسان الصحراوي بحلوها ومرها، وكذا سحر المنطقة، والتراث الذي يقومون بالحفاظ عليه. وتخللت السهرة الموسيقية بعض من القصص المضحكة التي كان يرويها بين الفينة والأخرى، أحد ضيوف الإقامة، الذي جاء من ولاية وهران، حيث أمتعنا ببعض القصص عن بخل بعض الشخصيات، في زمن أضحت فيه لقمة العيش صعبة المنال. وعلى هذه الإيقاعات التقليدية انتهت السهرة وخلد الجميع للنوم، على أمل يوم جديد مليء بالمغامرات والاكتشافات الجديدة. احتفـــــــالات خاصـــــــــة بالمولـــــــد النبـــــــوي بنـــــــي عبـــــــاس ونحن في طريقنا إلى مدينة بني عباس، شاهدنا أشخاصا يقومون بطلي الأضرحة، ليؤكد لنا بعض ممن زاروا هذه المنطقة أنها جزء من احتفالات بمولد خير الخلق محمد صلي الله عليه وسلم، خاصة وانه صادف يوم جمعة، حيث حضر هذه الاحتفالات وزير السياحة والصناعات التقليدية، عبد القادر بن مسعود، إذ لا تزال تحتفظ منطقة بني عباس بخصوصياتها وتميزها سواء بالجزائر أو عبر دول المغرب العربي الكبير، في طريقة الاحتفال بهذه المناسبة دينية وثقافية. توافد إلى ساحة الاحتفال، مباشرة بعد صلاة الجمعة، الآلاف من الأشخاص للمشاركة في هذه التظاهرة التي أصبحت واحدة من الاحتفالات الدينية الكبيرة التي ينتظرها بشغف كبير سكان الساورة ومختلف مناطق الوطن، وحتى من خارجه. الاحتفالات تمت وفق التقاليد العريقة التي تعود إلى قرون عديدة مضت بمظاهر متنوعة، من بينها طلي الأضرحة بمادة الجير الأبيض وأماكن العبادة الأخرى تكريما لأشراف هذه المنطقة من جنوب غرب البلاد، على غرار مؤسس المدينة سيدي عثمان غريب، وإقامة احتفالات دينية محضة على غرار حصص يومية (مدة 7 أيام) لترتيل وتجويد القرآن الكريم وحلقات الذكر عبر المساجد والمدارس القرآنية. الطقوس الخاصة بهذه المناسبة بدأت بترديد عشر (10) قصائد دينية في مدح الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) لاسيما منها “المولدية” و”البردة” و” الهمزية” وذلك عبر كل مساجد مدينة بني عباس والمناطق المجاورة لها، وبالموازاة مع ذلك، تم كذلك ذبح جمل أو أكثر بالقرب من زاوية سيدي محمد بن عبد السلام ويوجه لحمه لتحضير “سلكة” (حلقة لتلاوة القرآن العظيم ) والتي تنطلق بعد صلاة الجمعة لتنتهي قبل صلاة العصر وتتزامن مع انتهاء حلقات الذكر الحكيم بسائر مساجد المدينة. احتفـــــال “الفازعـــــة” وطبــــــــــق الكسكسى المرصــــــــــع باللحـــــــــــــــم تناولنا بعد صلاة المغرب، طبق الكسكسى المرصع باللحم، الذي تم توزيعه على جميع الحاضرين بعد صلاة المغرب، وكانت قد سبقه الاستعراضات لمختلف تشكيلات الفولكلور الشعبي للبارود وهو ما يعرف بـ”الفازعة”، التي تتميز بفسيفساء عديد الألوان، وتأتي في صلب الاحتفال بمولد خير الأنام وتتم خلالها دعوة المئات من رجال البارود (أصحاب البارود) من مختلف قصور وبلديات ولايات جنوب غرب البلاد، سواء من السكان أو الحركات الجمعوية التي تحمل على عاتقها تنظيم هذه الاحتفالية الشعبية، و”الفازعة” احتفالية قديمة، حيث تنظم منذ أزيد من قرن من الزمن على مستوى الساحة الكبرى “المسرية” المزودة بمدرجات بأزيد من 500 مقعد. قصـــــــر تاغيـــــــت الأثـــــــري بعد ان قضينا يوما مليئا بالذكريات الجملية التي سنبقى نحكيها لسنوات من الزمن، عدنا إلى مكان إقامتنا في انتظار يوم السبت الذي برمجنا فيه العودة إلى تاغيت للاستمتاع أكثر بهذه المنطقة السياحية الثرية بمعالمها. البداية كانت باستكشاف ما يعرف بالقصر، وهو عمران مكون من 120 منزلًا، يحتفظ بأزقته الضيقة المصممة كي تكون بعيدة عن حرارة الشمس، حيث يتعجب السائح من عبقرية بناة هذا المبنى، الذي استمر في تحد مع الزمن. ومن بين ما تمتلكه المدينة الساحرة من مقومات ومميزات، تستقبل “تاغيت” العشرات من الأشخاص الذين يعانون من الروماتيزم. ثلــــــــــوج في طريــــــق العــــــــــودة إلى العاصمـــــــــــــــــــــــــة حزمنا أمتعتنا للعودة إلى الجزائر العاصمة، بعد أن قضينا أوقات لا تنسى بولاية بشار، وكل من كان على متن الرحلة يحمل في أمتعته هدايا للأهل، وتذكارا يذكره بالأيام الجملية التي قضاها وسط الصحراء، وفي طريق العودة الذي من المنتظر أن نقطع فيه ما يزيد عن ألف كيلومتر، أشارت مصالح الأرصاد الجوية إلى أن المناطق الشمالية تسودها اضطرابات جوية، لكن لم نعر ذلك اهتماما فقد كانا منغمسين في الأجواء الصحراوية، إلى أن خرجنا من حدود ولاية بشار، أين بدأت درجات الحرارة في الانخفاض، وفجأة بينما نحن نيام، إذ سمعنا السائق عمي كمال ينادي، ’’الثلج راه داير حالة’’، فأسرعنا إلى مقدمة الحافلة، أين شاهدنا قطع الثلج تعانق رمال الصحراء، فسألت عن المنطقة التي كنا فيها، فأجابني عمي كمال، نحن في منطقة النعامة، وهي بوابة الصحراء الغربية، لنكتشف مرة أخرى ثراء هذا الوطن الكبير الذي يسعنا جميعا، ويذهلنا في كل مرة بجماله وتنوع مناظره الطبيعية، التي أدهشتنا هذه المرة عندما جمعت في يوم واحد بين الكثبان الساحرة وثلوج بيضاء تعد بغد أفضل لكل من أحب هذا الوطن. ح. ب

شاهد أيضاً

التماس 20 سنة في حق أويحيى وسلال

في مرافعة تاريخية للنيابة ممثل الحق العام: “المحاكمة درس لكل من یتقلد المسؤولية” أغلق، أمس، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *