قضايا الثورة والهجرة في الأمسية الثالثة

مهرجان الجزائر الدولي للسينما

شهدت السهرة الثالثة من مهرجان الجزائر الدولي للسينما، المكرس للفيلم الملتزم، في طبعته التاسعة، عرض عدد من الأفلام من الجزائر وبلجيكا ودول أخرى، منها “الاختيار في سن العشرين” و«أطفال الصدفة”..

بعد نصف قرن من انتهاء الحرب بين الجزائر وفرنسا، أغلق الكثير من الملفات، ونسي الجيل التالي كل مآسيها، ولم يبق منها غير ما يعيش في وجدان من عاشها، وهو حال قرابة 300 شاب فرنسي آنذاك، دفعوا حريتهم مقابل إعلان رفضهم المشاركة فيما سمي بـ«حرب الجزائر”. «الاختيار في سن العشرين” هو عنوان الفيلم الوثائقي الجزائري السويسري الذي عرض عشية أول أمس في قاعة ابن زيدون، برياض الفتح (العاصمة)، مفتتحا اليوم الثالث من عمر مهرجان الجزائر الدولي للسينما، في دورته التاسعة، والمكرس للأفلام الملتزمة. يتحدث الفيلم عن ما عاناه قرابة 300 شاب فرنسي خلال سنوات الحرب التحريرية، حيث رفضوا الخدمة العسكرية والالتحاق بجبهة المعارك في الجزائر. موقفهم هذا يعد في نظر القانون الفرنسي عصيانا يستوجب عقوبات قاسية، تصل إلى حد اتهامهم بخيانة الوطن. كانوا في العشرين من العمر حين بدأوا يواجهون هذه المشكلة.. الشباب الرافضون للخدمة العسكرية كانوا ضد الحرب لأسباب مختلفة، إما لأنهم مناهضون للاستعمار، وإما لأسباب شخصية تعود إلى نفورهم من العنف، أو خوفهم من الموت هناك وهم في بداية العمر. أغلبهم هرب إلى سويسرا لتفادي الاعتقال، وقد لقوا هناك مساعدة من طرف السويسريين، وقد تم الحكم عليهم جميعا بخيانة وطنهم فرنسا. المخرج فيلي هيرمان –الذي تعاون مع الجزائر لإنتاج فيلمه- التقى عددا منهم، ونبش جروح الذاكرة. لا أحد يذكر الآن مأساتهم غيرهم. هيرمان التقاهم بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب وإعلان استقلال الجزائر. كان في مهمة إنسانية في منطقة حدودية، وهناك سجل مأساتهم. من جهة أخرى، ساهم المخرج أيضا في افتتاح مدرسة في قرية حدودية بين المغرب والجزائر، وقد عاد في السنوات الأخيرة إلى تلك القرية المعروفة اليوم باسم سيدي العربي، والتقى بمن كان يعرفهم هناك، ونسق بين عدة محطات تلفزيونية بين سويسرا والجزائر، وتعاون مع المخرج الجزائري مالك بن إسماعيل، لينتهي كل ذلك بإنتاج هذا الفيلم.. هذا اللقاء بين المعلم السابق وتلاميذه السابقين هو اعتراف حقيقي بالتاريخ والواقع القاسي للحرب، لقد كان أغلبهم أطفالا ومراهقين، ومع ذلك كانوا شهودا على الحرب.. إنهم يحتفظون ببعض تذكاراتها، كدليل قاطع على مشاركتهم في القتال في ذلك الوقت.. كانوا –هم أيضا- مجرد أطفال. الفيلم مليء بالشهادات والصور والرسومات وكذا الأماكن التي تحكي قصة كل واحد منهم، استعان المخرج بتقنيات التصوير الحديثة لانجاز وثائقي عن أحداث قديمة، محاولا إبراز مشاهده بشكل يدغدغ ذكريات المشاهد، حتى وإن لم يكن قد بلغ العشرين عند مشاهدته إياه. أطفال الصدفة كما عرض في العشية نفسها الفيلم البلجيكي “أطفال الصدفة”، للمخرجين البلجيكيين تييري ميشال وباسكال كولسون، والذي يتمحور حول قضية الهجرة والاندماج، والأفكار المسبقة للشعوب عن بعضها، وكذا الطرق التي ينتهجها المهاجرون في سبيل إثبات أنفسهم في البلد الجديد. مدينة صغيرة تشتهر بوجود مناجم بها، تضم في مدرستها الصغيرة القديمة طلابا مهاجرين، بعضهم مسلمون، يتابعون تعليمهم الابتدائي مع بريجيت، معلمة طافحة بالحماس والكرم مع هؤلاء الطلاب كي تساعدهم على التأقلم وبناء حياتهم بشكل صحيح في بيئة مختلفة تماما عما ألفوه في بيوتهم وأوطانهم الأصلية. معظم هؤلاء الطلاب المهاجرين مراهقون، أغلبهم يدين بالإسلام وينحدر من تركيا.. يحاولون أن يتأقلموا مع البلد الجديد الذي قدموا إليه، مع أن أهاليهم لم يستطيعوا ذلك وانكفأوا على أنفسهم، محاولين الحفاظ على الهوية، لكل طفل طريقته في إثبات نفسه وإعطاء معنى لحياته. لكنهم يواجهون بين الحين والآخر مضايقات كثيرة في محيطهم وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، كلما وقع حادث إرهابي في مكان ما من العالم. في هذا الفيلم الوثائقي تسليط للضوء على جانب آخر من حياة المهاجرين المحسودين عليها، والتي يعتقد أنها نعيم دوما. شهادات الفيلم جاءت بصوت الأطفال، في مكاشفات شفافة تبين عن كل آمالهم ورؤاهم للمستقبل. العفوية هي زادهم، وهو ما يعطي الفيلم قوته، فينسج الروابط بين الماضي والحاضر والمستقبل ويرسم شعورا بالسعادة ، داخل المدرسة والمجتمع. المخرج تييري ميشيل يشتهر بهذا النوع من الموضوعات، كما في فيلمه “أطفال ريو” عن أطفال الشوارع في البرازيل. والنتيجة هي عمل رائع دون تردد أو ممارسة التمييز.

خالدة بورجي

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *