أخبار عاجلة

“كاميكازي” أردني برتبة.. رئيس وزراء

نحن بصراحة كأردنيين أمام معضلة السؤال الأعمق: أيهما فعلا وحقا “لا يشبع” الشارع الأردني أم “الفساد”؟. الشارع الأردني وكلما قفزت قضية تحقيقية وطرحت أسماء محددة أو لمح كلمة فساد يرفع السقف فورا ويقرر أن لا يهدأ قبل المطالبة برؤوس كبيرة وكبيرة جدا في تعبير مرهق عن الفقدان التام للثقة بمؤسسات الدولة والجوع الحقيقي الأزلي لرؤية أسماء كبيرة خلف القضبان.

لا يكل ولا يمل الشارع من تقديم كشف سريع بأسماء نخبة موصوفة بـ”كبار الحرامية واللصوص” بالتوازي مع كل أنماط اغتيال الشخصية عبر سلسلة لا متناهية من المحاكمات الشعبية التي تفتي وتظن وتقرر نيابة عن القانون وبطريقة لم تعد منطقية و”غرائزية” وثأرية وانتقامية في الكثير من الأحيان. مع الوقت تمضي حكايات ينسجها شخص غاضب أو موتور أو لديه ربع معلومة وتتحول إلى قناعات ويصبح مطلوبا من الدولة قبل ودون غيرها أن توضح وتشرح وتلاحق وتطارد الحدث والسبب هنا ايضا غياب المصداقية. المفارقة أن عطش وجوع الشارع الشعبي هنا يتغذى على تلك الأسعار والضرائب التي ترفعها الحكومات المتعاقبة بلا رحمة وبلا شفقة فيصبح حديث أي رئيس حكومة عن محاكمات عادلة وشن حروب على الفساد بلا مضمون ولا نكهة وأقرب لصيغة المشاركة بعرس الجيران ودون هدف عميق أو سخيف. حتى كبار المسؤولين مع كل وزارة جديدة يركبون الموجة ويرفعون سقف التوقعات لكنهم لا يفعلون شيئا حقيقيا للحد من تكهنات الفساد أو حتى وضع حد للفساد الحقيقي فيزيد الارتجال وتتراكم الاتهامات العشوائية ويحترف الجميع تلك النميمة الجنائية والجرمية والسياسية والتي توحي أن الأردنيين وكأنهم لا يزالون خارج منطق الدولة والمؤسسة وهم يقتربون من “100” سنة على عمر الدولة الحالية. الغريب جدا أن الشارع وهو يحاكم ويقاضي ويتهم ينفلت ويخالف كل أنماط الإنصاف وأنظمة النزاهة القانونية ويسقط تماما تلك القاعدة القانونية المستقرة في تاريخ الشعوب المعاصرة حيث “عبء الإثبات على المدعي” فالشارع يدعي ويتهم بدون دليل أو قرينة وعلى اساس فرضية أن “الجميع فاسد” ويترك اعباء الإثبات على الدولة نفسها التي يتهمها في فصام نادر سببه الرئيسي كثرة التقول وضعف الإجراءات والاعتماد على “اللغو الرسمي” في مواجهة الفساد وتشكيل عشرات من لجان النزاهة التي لا يعرف أحد أصلا لماذا تشكلت وعلى أي أساس وماذا قدمت أو أنجزت. الإتهام هو “أسهل” خطوة عند الشعوب التي تفتقر للثقافة القانونية او التي وللأسف الشديد فقدت الثقة بمؤسسات إنفاذ القانون الرسمية أما تقديم الدليل فهو المهمة الأصعب ومع شغف المواطن الأردني الغريب بالتواصل الاجتماعي المهووس اصبح توجيه أي اتهام لأي شخص ممكنا وفي أي وقت في تقنية يعتقد الكثيرون أن الأجهزة العميقة إخترعتها في الماضي حتى ينشغل المجتمع بنفسه ورموزه وتتفوق الدولة التي تدفع اليوم قبل وأكثر من غيرها كلفة وثمن “مغامرة مراهقة” من هذا النوع لطاقم أمني عبث بكل القصص والروايات في الماضي. بطبيعة الحال يتعملق هذا الوضع السلبي مع غياب الرواية الرسمية الصلبة وكثرة قرارات “حظر النشر” وعدم تقديم شروحات منطقية للناس. تداعيات ملف التبغ والسجائر الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن كثرة اللغو الحكومي في الحديث عن محاربة الفساد دون محاربته فعلا راكمت الاحباط ورفعت سقف التكهنات والتوقعات وقدمت مساهمة فعلا بالوضع السلبي الحال الذي وصل من التعقيد إلى مرحلة مفصلية قوامها أن الأردني لن يعود للإيمان بدولته ولن يهدأ بدون رؤية شخصيات من الوزن الكبير خلف القضبان خصوصا وأن المواطن استقرت في ذهنه الجماعي فكرة أنهم يرفعون الضرائب والأسعار لمعالجة “سرقاتهم”. عمليا لم يعجبني تصريح رئيس الوزراء الاخير بخصوص استعداده لتقديم نفسه كـ”إنتحاري”. مكافحة الفساد لا تحتاج لإنتحاريين ولا لعقيدة الكاميكازي الياباني في الأردن ومثل هذه التعليقات هي التي ترفع السقف أصلا وتساهم في إحباط الناس وإحتقانهم وتكاثر اتهامات لكل من يجلس في طبقات المجتمع العليا وظلم رموز ورجال أعمال مستقلين محترمين خدموا المملكة ونظامها أكثر بكثير من كل المتنطحين الذين يعقدون محاكمات شعبية باسم الولاء والوطنية. مكافحة الفساد لا تحتاج لمنتحرين وكل ما تستطيع حكومة الرزاز فعله هو التكثيف والتركيز وإنقاذ سمعة النظام القانوني والأمني حيث تتركز الاتهامات الآن. غير معقول ولا مقبول أن يستقر في ذهن الأردني أن مؤسسات العدالة القانونية بكل تعبيرات قيد “الشكوك”. وغير منطقي أن يسمح العقلاء للموتورين في المجتمع بتشويه كل شيء وبدون ضوابط أو تقاليد. ثمة خطوات اساسية كثيرة يمكن أن تتخذها الحكومة لدعم النظام القضائي ولتعزيز المؤسسات الأمنية ومنهجية دولة المؤسسات والقانون. هنا يحتاج الأمر ببساطة لإرادة سياسية ولتدعيم استقلال القضاء ومؤسسات انفاذ القانون وآليات داخلية للمحاسبة والمتابعة ووضع معايير ضمن القانون لكل صغيرة وكبيرة أكثر بكثير من حاجته لتعبيرات “انتحارية” لا معنى لها عندما يصطدم الجميع بالواقع فرئيس الوزراء الحالي أول القائلين بضرورة عدم اغتيال الشخصيات وهذا أمر يعني ببساطة أن النظام القانوني هو الذي يحقق ويدقق ويتهم ويحاكم المواطنون ولا وسائط التواصل الاجتماعي ولا غرائز الجمهور. الإرادة السياسية وتوابعها بقرار مرجعي وإداري لا أكثر ولا أقل فالشارع مرهق وتلتهمه الشائعات والتسريبات والاسئلة لا تزال معلقة والحكومة ستلجأ قريبا إلى “خصومات” على موقفها الشعبوي لأن الأردن برمته اليوم لم يعد الأردن بل “جزء من الإقليم”. طبعا نحاول التذكير بذلك ونحن نوافق على القول إن الفساد اصبح أكبر مما ينبغي لا بل في بعض الحالات أصبح “يقتل ويفتك” بالأردنيين ويسحب بقايا رصيد المؤسسات والنظام في وجدانهم.

بسام البدارين/ كاتب أردني

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *