الرئيسية / أقلام / لـــيـبــيـا فـــي 2018 السنـــة الصـفـــر

لـــيـبــيـا فـــي 2018 السنـــة الصـفـــر

قوض السباق الدولي للسيطرة على ثروات ليبيا الجهود الدبلوماسية التي بذلتها قوى داخلية وخارجية على امتداد سنة 2018 لتكريس تسوية سلمية للصراع الأهلي, الذي يُمزق البلد منذ سبع سنوات. عاد الليبيون إلى المربع الأول بعدما أخفقت محاولات جمع الإخوة الأعداء في عواصم عربية أو أوروبية للتصديق على خريطة طريق تكون ثمرة تنازل متبادل بين القائد العسكري خليفة حفتر من جهة ومجلس الدولة في المنطقة الغربية, وحكومة الوفاق المنبثقة منه, من جهة ثانية. حضر حفتر وغريمه فائز السراج اجتماعين في فرنسا وثالثا في إيطاليا, لكن لم يُعقد أي اجتماع جدي حول مائدة حوار للبحث في جوهر المعوقات والخلافات التي تُعطل مسار المصالحة, والعمل على تجاوزها.

مع ذلك اعتبر الفرنسيون أن هناك التزاما من الجانبين بتنفيذ خريطة الطريق التي لم يُوقع عليها السراج وحفتر خلال اجتماعهما في 29 أيار/مايو الماضي في باريس, بوساطة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وتضمنت الخطة تعهد مجلس النواب (مقرُهُ في طبرق ـ شرق) بوضع مرجعية دستورية تحدد صلاحيات الرئيس وسن قانون انتخابي قبل 16 أيلول/سبتمبر الماضي, ومن ثم إجراء استفتاء عام حول مشروع الدستور, تمهيدا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كانت مقررة للعاشر من الشهر الجاري. وبالرغم من أن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أدى ثلاث زيارات مكوكية إلى ليبيا خلال السنة الجارية, متنقلا بين معاقل الفرقاء لحضهم على تنفيذ خريطة الطريق, استطاع الايطاليون أن يحبطوا الخطة ويدعوا إلى مؤتمر موسع في باليرمو أسفر بدوره عن وضع خطة بديلة. وعلل الايطاليون موقفهم بأن “من يُحدد ميقات الانتخابات ليس مؤتمرا دوليا أو قوة أجنبية” لكن مؤتمر باليرمو هو من قرر, مع ذلك, أن تجري الانتخابات في الربيع المقبل. وكرست المشاحنات الفرنسية الايطالية التحالفات السابقة, والتي تقف روما بموجبها إلى جانب حكومة الوفاق في طرابلس, فيما تسنُدُ باريس القائد العسكري حفتر في المنطقة الشرقية. وأرسلت ايطاليا 250 جنديا إلى مصراتة لحراسة مستشفى أقامته هناك إبان معركة تحرير مدينة سرت من قبضة “تنظيم الدولة”. لكن تلك القوات لم تغادر المدينة بعد نهاية الحرب على التنظيم. أما الانحياز الفرنسي لحفتر فأماطت اللثام عن بعضه صحيفة “لوموند” المعروفة بصدقيتها, عندما تحدثت عمَا أسمته “حرب فرنسا السرية في ليبيا” التي تشمل عمليات استطلاعية جوية ومهام استخباراتية وأعمال تدريب يتولاها خبراء فرنسيون. واستطرادا تحدثت الصحيفة عن وجود قوات فرنسية على الأرض وأعوان سريين يعملون في تكتُم مطلق. تأخير إعادة الإعمار بهذا المعنى يتحمل الفرنسيون والايطاليون مسؤولية تغذية الصراع الليبي-الليبي وإطالة عمره بتسليح الفرقاء وإرجاء تسليط عقوبات على القوى المارقة, وخاصة أمراء الميليشيات. وأضرَ مناخ العنف والمعارك المندلعة بين الميليشيات هنا وهناك بالاستقرار الاجتماعي, وتسبب بتأخير انطلاق مشاريع إعادة الإعمار, على الرغم من العقود التي تم إبرامها في هذا المجال مع شركات آسيوية وأوروبية. وظهرت تداعيات هذا المناخ المشحون من خلال الحراك الذي أطلق عليه أصحابه اسم “غضب فزان” وهي منطقة الجنوب الليبي التي فقدت الحكومة المركزية السيطرة عليه. وأقفل “الغاضبون” حقل الشرارة النفطي الواقع في جنوب غرب البلد, في خطوة ترمي للضغط على السلطات من أجل الاستجابة للمطالب العشرة التي أعلنوها, والتي تخص إنهاء “تهميش الجنوب”. وقدر مصرف ليبيا المركزي الخسارة التي يُسببها إقفال حقل الشرارة بثلاثين مليون دولار في اليوم, بالإضافة لشل كثير من أجهزة الدولة. وقبل إقفال الحقل لم تكن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أفضل, إذ أن الخدمات الصحية والتعليمية والمصرفية والبيئية ما انفكت تتدهور سنة بعد أخرى. وبات الليبيون يقفون أياما في الطوابير أمام فروع المصارف لتحصيل القليل من المال بسبب شح السيولة. أكثر من ذلك أظهر تقرير صدر أخيرا عن معهد بروكينز أن الصراع الأهلي أدى إلى جعل قطاع الصحة في حالة شبه انهيار. وأكد التقرير أن 80 في المئة من العاملين الأجانب الذين كانوا يشكلون نواة المنظومة الصحية قبل 2011 غادروا البلد. وأدى هذا التدهور إلى عودة ظهور أمراض تخلصت منها ليبيا منذ عقود مثل الملاريا. كما تعرضت الطواقم الطبية إلى تهديدات واعتداءات من المسلحين, فضلا عن أعمال النهب أو القصف عند اندلاع معارك بين عناصر الميليشيات في محيط المستشفيات. وتشهد المستشفيات نتيجة لتلك الأوضاع نقصا مزمنا في الأدوية والمعدات الطبية, زيادة على ارتفاع أسعارها. يستخدم الكتاب السياسيون أحيانا عبارة السنة الصفر عندما تدلهمُ الآفاق وتكثر الإخفاقات ويتوقف قطار التغيير, أما في ليبيا 2018 فباتت العودة إلى المربع الأول حلما مستحيلا. نزل مستوى الخدمات والتجهيزات وسائر المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية إلى ما دون الصفر. ومع ذلك التقهقر الكبير ما زال الأمل يحدو كثيرا من الليبيين المُتسمرين أمام فروع المصارف انتظارا لحفنة من الدنانير لسد رمق أسرهم. شخصيات خالد المشري نائب سابق في المؤتمر الوطني العام (2012-2014) ينتمي إلى “حزب العدالة والبناء” المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين, وقد انتُخب رئيسا للمجلس الأعلى للدولة في نيسان/أبريل الماضي. صرح بأن المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني فشلا في إدارة الأزمة منذ بدايتها, مُعتبرا أن وسائل الإعلام “زادت من إثارة الحرب بدلا من محاولة الإصلاح”. اللواء عبد الرزاق الناظوري معارض سابق أمضى 13 عاما في سجون معمر القذافي قبل أن يلتحق بالانتفاضة في 2011. سماه مجلس النواب رئيسا للأركان في 2014. كان أحد مؤسسي “عملية الكرامة” بقيادة خليفة حفتر, والتي تطورت إلى ما يُعرف حاليا بـ”الجيش الوطني الليبي”. يعتبر الشخص الثاني في الجيش الذي يسيطر على المنطقة الشرقية, وهو الحاكم العسكري للمنطقة المُمتدة من درنة شرقا إلى بن جواد في الجانب الغربي من الهلال النفطي. تعرض الناظوري إلى محاولة اغتيال تزامنت مع مرض حفتر عندما طُرح اسمه كخليفة له.

رشيد خشانة/ كاتب تونسي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *