الرئيسية / أقلام / للثورة ألوانٌ عديدة: السترات الصفراء ومستقبلٌ من الانتفاضات

للثورة ألوانٌ عديدة: السترات الصفراء ومستقبلٌ من الانتفاضات

بمحض الصدفة كنت أقرأ في الأسابيع الماضية, إبان مظاهرات أصحاب السترات الصفراء كتاب بوب وودوارد الممتع عن ترامب, حين وصلت إلى الحجة التي ساقها أحد مستشاريه بإقناعه بعدم الضغط على شركاء أمريكا في حلف الناتو من الدول الأوروبية بحجة ما يعانونه من ضعفٍ اقتصادي يتجسد في صورة معدلات نمو بطيئة, ما يجعلها غير قادرةٍ على زيادة الإنفاق العسكري, بما يتلاءم ومطلب ترامب والتزام تلك الدول بمحاولة الوصول بما تقدمه إلى نسبة 2%.

“الاقتصاد يا أحمق” أسرعت أيضاً هذه الجملة التي اقترنت بحملة بيل كلينتون الانتخابية إلى ذهني, بينما أتابع تطور المظاهرات واتساعها في فرنسا, وقود السخط والتمرد المسكوب ذاك في الساحات ونواصي الطرق والدورانات, تلك المظاهرات التي اندلعت بغتةً من دون سابق إنذار, اندلعت لتذكر الناسين وتوقظ النائمين عن الواقع الحقيقي الذي تصور الكثيرون أو أرادوا تجاهله, مشيحين بوجوههم عنه, حين اختاروا ذلك الرئيس الشاب الآتي من خارج مضمار السياسة التقليدي بخلفيته المصرفية, وزوجته الأكبر سناً منه, ثم طفقوا يتغزلون بكاريزميته ويتأوهون على رومانسية علاقة الحب تلك بمدرسته السابقة, وما يمثله الرئيس الشاب ككل من تجديدٍ ودمٍ جديد, وغير ذلك, في شرايين السياسة الأوروبية والفرنسية اليابسة المتصلبه, لاسيما وأنهم تنفسوا الصعداء بهزيمته للسيدة ماري لوبن ممثلة اليمين المتطرف. وهنا تكمن المشكلة: الاستعصاء الاجتماعي- الاقتصادي, والتصلب والهرم الذي أصاب, لا السياسة الغربية فحسب, وإنما الهيكل والبناء الرأسمالي برمته. وإن الناظر المنقب في ذلك التمرد الأكبر في تاريخ فرنسا خلال الأربعة عقودٍ السابقة قادرٌ على أن يميز دلالاتٍ عدة ومستوياتٍ متفاوتة العمق وأوجه تشابهٍ مع ثورات وحركات الاحتجاج في الألفية الجديدة, وأن يصل إلى دروسٍ غايةٍ في الأهمية, في ما يخص واقع العالم المعاصر, واحتمالات التغيير المستقبلي, والثوري بالأخص. بدايةً, ولمن فاتته البداية والنشأة, فقد نشأت تلك المظاهرات كاحتجاجٍ على رفع الضريبة على سعر الديزل, ذلك الوقود الأرخص تقليدياً في فرنسا, وبالتالي فإن الشرائح الأفقر ومحدودة الدخل من المجتمع الفرنسي, التي تقطن الريف وأطراف المدن (منفيةً إلى الأقاصي من الناحية الفعلية وتحت سطوة الجبر الاقتصادي) تستخدمه كونها لا غنى لها عن السيارات للحركة والتنقل, وقد كان من ضمن الأسباب التي سيقت لتبرر ذلك ضرر الديزل البيئي الأكبر مقارنةً بالبنزين. من ثم نشأت تلك الحركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتوسعت فاشتعلت كالنار في الهشيم, وقد اتخذت لها شعاراً السترات الصفراء اللامعة التي يفرض القانون الفرنسي وجودها في كل سيارة. في البداية لم يعر ماكرون هذه التظاهرات ما تستحقه من اهتمامٍ, ولم يفها حقها فذهب إلى قمة العشرين في الأرجنتين, ثم شجبهم كمخربين ومثيري شغبٍ وفوضى, ثم “سمع وفهم” كابن علي في تونس, فتراجع عن الضريبة ووعد بحزمةٍ من الإصلاحات, على رأسها رفع الحد الأدنى للأجور مئة يورو, بيد أنه في حركةٍ لافتة أحجم عن رفع الضريبة على الأغنياء, متعللاً بأن ذلك سيضر بالاستثمار والنمو. من الصعوبة بمكان الاختزال لدى التعرض لهذه المظاهرات التي امتدت لبعض دول الجوار الأوروبي, وسط خشية من لم تصلهم بعد, فما يقال أكثر من أن يحصى, وأحسب أننا سنكتب الكثير عنها وتوابعها الحتمية في السنين والعقود المقبلة, لذا فإنني سأشير إلى ما استوقفني من نقاطٍ أراها فاصلةً وأساسية. يبدو, بل لعله أقرب إلى التأكيد, أن الزمر الحاكمة في العالم, صدقت في سذاجتها ورضاها عن ذواتها المترفة المتخمة أكثر من غيرها أن التاريخ قد انتهى, كما زعم فوكوياما, وأن مصير البشرية تحدد منحصراً في النيوليبرالية, أن البدائل بليت وانعدمت, وعليه فهي على الرغم من كونها لا تستطيع منافسة الصين بنظامها الأكثر قمعاً وأجورها الأكثر تدنياً وشراستها الأكبر في انتزاع فائض القيمة من العمال, فإنها ما زالت تبحث عن الحلول لأزمتها الاقتصادية المزمنة, في الكتب العتيقة نفسها باتباع الوصفات نفسها التي أدت بها إلى الأزمة وأودت بها. لذا ينبغي أن لا ننخدع بشباب ماكرون و”قيافته” الفرنسية, فهو في الحقيقة عجوزٌ شائب, شابٌ بأفكارٍ عتيقة عتق الفكر الاقتصادي ومن عمر الرأسمالية, يستحضر مفاهيم الدولة الوطنية والحمية القومية, فيريد أن يحمل الطبقات الأفقر تكلفة حماية البيئة التي أفسدها جشع الرأسمالية! كما أن الملاحظ والمتكرر أن البنى الحزبية التقليدية التي سادت الحياة السياسية في الغرب عقب الحرب العالمية الثانية, أفلست أو باتت عاجزةً عن التجاوب مع الواقع المتغير, والتعبير عن شرائح كان من المفترض أن تمثلها, كما هي الحال على سبيل المثال مع أحزاب اليسار, التي تنازلت فباعت روحها فخسرت سبب وجودها وأرضيتها من الجماهير التي أعادت اصطفافها خلف سياسيين آخرين, كما تشهد الفترة الحالية صعود الشعبوية تعبيراً عن ضيق وتصلب الأطر التقليدية أيضاً, والدليل على ذلك هو صعود أفرادٍ من خارج النسق السياسي التقليدي من المحترفين كترامب وماكرون. لقد اعترف الأخير بتراجع الخدمات في الريف وضواحي المدن, وإذ تخطت المظاهرات الطبقة العاملة للطبقة الوسطى كونهما تشتركان في تراجع مستوى المعيشة, فإن ذلك يعيد طرح سؤالٍ لم ينِ يلح على اليسار الأوروبي عن تعريف الطبقة العاملة وطبيعتها المتغيرة في الزمن المعاصر. الأكيد أنه في ضوء ذلك الانتشار السريع والاستمرار وتعالي سقف المطالب يتأكد أن السخط أصيلٌ وعميق, وأن أسبابه متعددة ولم يكن ينتظر إلا الشرارة التي تضرمه. ولا يفوتنا في هذا السياق أن نغفل أوجه التشابه مع الثورة المصرية, فكلتاهما اندلعتا عبر وسائل التواصل الاجتماعي, وأنها وإن بدأت بمطالب بسيطة, قليلة ومحددة, فإنها تشعبت وتعالت في غضون فترةٍ وجيزة. أما على مستوى التنظيم فقد تشابهتا في غياب التنظيم الثوري والقيادات, وإن طرحت قياداتٍ عبر الأحداث, وفي الحالتين تأتي الاستجابة من الدولة والرئيس متأخرة, فتراها تلاحق حدثاً متطوراً متخطياً. لم يمضِ زمن الثورات والمتاريس ولم ينقضِ, فنحن الآن نشهد بعث زمن الاحتجاجات الواسعة والتمرد على الرأسمالية وتحطيمها للمجتمع والبيئة, وإنه لقمةٌ المسخرة التعامل مع الفكر الاشتراكي باعتباره بضاعةً قديمة ترجع للقرن الماضي من قبل من يتبعون في الصميم أفكار آدم سميث ابن القرن الثامن عشر. في الفترة السابقة أرادت الحكومات أن تزرع في نفوسنا لاجدوى التمرد أمام سلطان الدولة الحديثة, بأدوات عنفها فها هي المظاهرات الفرنسية تثبت أن الأنظمة مازالت تهزها الجموع المتمردة الثائرة, إن المستقبل لنا أن شئنا ونظمنا أنفسنا. يقيناً أن ما بدأ لن ينتهي بجملةٍ من الإجراءات المسكنة, فمعين السخط وأسبابه أعمق من ذلك, وسيطرح المستقبل أشكالاً جديدة من الاعتراض والتمرد. اليوم في صورة أصحاب السترات الصفراء ومن يعلم ماذا يطرح الغد, فللثورة ألوانٌ لا حصر لها ولا حد لقدرة طالبي التحرر على الابتكار.

يحي مصطفى كامل/ كاتب مصري

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *