لماذا لا يتسلط الطغاة العرب في صمت؟

من المعلوم والمعمول به بالضرورة في السياسة بالأخص أن هناك الكثير مما لا يقال، يُفعل ولا يصرح به، ولعل ذلك هو الباعث على ترسخ تلك الصورة السلبية لدى القطاعات الأوسع من الناس حول الكوكب، بأن السياسيين المحترفين أفاقون يحترفون الكذب والتمثيل، طبعاً بدرجاتٍ مختلفة وفق ملكاتهم وذكائهم، كما أن ذلك يكمن وراء شكوانا في الشرق الأوسط الأبأس (أي خلا إسرائيل) بأن أحداً ينبغي أن لا يغتر برطانة السياسيين الغربيين عبر الإدارت المتعاقبة والأطياف المختلفة عن الشفافية والحيادية، فالغرب يكيل بمكيالين فيحابي عدونا علينا. لست هنا بصدد الدفاع عن النفاق وقذارة الساسة، ولا التغزل بالديمقراطية الغربية وتمجيدها، باعتبارها جل المراد وآخر الطريق والتجلي الأنصع للمشاركة و»الحوكمة» الرشيدة والتعددية والفصل بين السلطات الخ، إلا أن ثمة ملمحاً إيجابياً في ذلك النوع من النفاق (الذي يتعين أن أسارع مشيراً ومؤكداً على كون الشرق والأنظمة الأكثر تسلطاً وعسفاً تشارك فيه)، الإدراك بأن ما يقومون به معيب، مخجل، منافٍ للقيم والمبادئ ويخرق القوانين المتوافق عليها، لذا يتحرجون من التصريح به، أي لأنهم يعلمون أن ممارساتهم العملية على درجاتٍ متفاوتة من الانحطاط. لا شك في قبح الممارسة، إلا أن الوعي والإدراك الذاتي مهمان، ومحمودان بمعنىً ما. لكن يبدو أنه حتى هذه المزية البسيطة أو المكسب يفتقر له حكامنا الأشاوس، والحقيقة أن سؤالاً ما فتئ يحيرني مذ وعيت الدنيا على أصواتهم الهادرة المتوعدة، من الركن المهيب الأشوس إلى صاحب الكتاب الأخضر والآن السيسي (على سبيل المثال الأفقع لا الحصر) لماذا لا يصمتون؟ وما سر هذه الجاذبية التي يملكها الميكروفون والكاميرا فلا يملكون مقاومتهما ويفقدون إرادتهم ويطيش لبهم أمامهما، لاسيما، وتلك مشكلة المشاكل، أنهم ليس لديهم أي شيءٍ ذو قيمة ليقولوه؟ ألم يسمعوا قول عليٍ ابن أبي طالب كرم الله وجهه «أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج» أو يتعلموا ويروا مثالاً عملياً من سيرة سابقيهم الساقطين انقلاباً أو اغتيالاً لمقولة أبي بكر الصديق حين كان، رضي الله عنه، يمسك طرف لسانه «هذا الذي أوردني الموارد»، إذ على الرغم من كل مثالبهم نعلم يقيناً أنهم مرّوا بالمدارس الابتدائية، ولا بد أن لوحة حائطٍ في مكانٍ ما أو درساً تغنى بفوائد الصمت الذي هو تسعة أعشار الحكمة. الحقيقة أن هذا السؤال الحاضر دائماً في ذهني يهجع أحياناً، ثم ما يلبث أن يوقظه تصريح أحمق هنا وكلمة عبثية في خطابٍ هناك، ولعل آخرها هو عرض أو مطالبة السيسي بعائدٍ ما (نسبة من الأرباح ربما؟) عن العقول التي «تصدرها» مصر. كان حريٌ به طالما لم يلتزم الصمت أن يتحرى الدقة فيصفها بالعقول التي تفرّ من مصر، من فقرها وبطالتها وقمعها ومحسوبيتها حتى في البحث العلمي وفسادها وإهمالها، ناهيك بالطبع عن كون ذلك التصريح لا يليق سوى بمقاول أنفار، ولا يصدر إلا عن نخاس؛ لو أنه يزن كلامه ولم يحط نفسه بالطبالين ويستشير ربما أخبره أحدهم بأن ثروة البلاد تكمن في أبنائها وأن دولاً لا تملك فوائض نفطية كالهند تقدمت قبل كل شيء بالطاقة البشرية، عقولاً وقوة عمل (بغض النظر عن الاستغلال والاستلاب) وأنه حتى تلك الدول الثرية بمصادر الطاقة والموارد، كالمعادن والأحجار الكريمة الخ، تدرك أنه لا مستقبل لها بدون الاستثمار في أبنائها، لذا فعوضاً عن نسبة من عرق من تسرحهم ربما يكون من الأفضل تهيئة المناخ الذي يستبقيهم وعلمهم وقدراتهم؟ لماذا يصر على الكلام؟ لماذا كغيره من الحكام العرب لا يصمت؟ ألم يتم له ما يريد فهو يسيطر بقبضةٍ من حديد؟ بعيداً عن الادعاء بملكية جوابٍ مقنعٍ شاملٍ شاف، فإنني بت أرى أن الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في كتب التاريخ، وفي تحليل الوضع، أو الخلفية الاجتماعية – الاقتصادية فحسب، وإنما في كتب علم النفس ومراجعه. لا بد أن تعي وتفهم تلك الرغبة الحارقة لدى هؤلاء في التعويض عن الضعة وتفاهة الشأن، أن ترى ذلك الشخص الباهت الذي يقبع في ظل الهوامش المنسية في المؤسسة الرسمية الضخمة، لا يخرج عن الدور فيتكلم، يقضي حياته صامتاً مغموراً، وربما أسعده الحظ بمكانٍ في أقصى الصورة الرسمية لدى زيارة الرئيس مرةً أو اثنتين أثناء خدمته. أما وقد لعب القدر لعبته، أو التاريخ الذي صرت أراه ماكراً، فصار الرجل الأول، فها هو يحاول التعويض: يريد أن يتكلم، أن يثبت حضوره، أن يؤكد للعالم أجمع أنه ليس أقل شأناً أو معرفةً من الافندية، أنه أرجح عقلاً، أن لديه رؤيةً، لا بل رؤية خطيرة وعميقة، وربما من أجل إثبات حضوره فسوف يقدم على ما لم يجرؤ عليه غيره، فيكسر الثوابت الوطنية ويخرج عن منطق وإملاءات المنطلقات التاريخية والجيواستراتيجية التي تحكم حتماً وبفعل الضرورة سياسات الدول وأولوياتها وتحالفاتها. ويا سلام حين يقترن الكلام بالفعل الطائش الذي لا يحسب العواقب جيداً! تكون النتيجة حروباً واتفاقيات سلامٍ، في جوهرها تسليم وانهيار جبهات وتصدعاتٍ وهزائم وفقر وقمع. ثم يسقط ضابطٌ ويخلفه آخر، ليعيد الكرة، ليمسك بالميكروفون مرةً أخرى ويتحفنا، فيتفلسف ويتفنن ويبتكر ويفرط ويضيع المزيد، ليضيعنا. لا يتعلمون من كلمة الإمام علي فيتحلون بالصمت، ولا يبقى لنا نحن سوى انتظار الفرج، وهو لا يأتي.. ثمة خيارٌ آخر: أن نأخذ مقدراتنا بأيدينا وننظم أنفسنا لنضع حداً لهذه المهازل المهينة. لكن في انتظار ذلك ما يزال السؤال مفتوحاً، وإنني أعيده صادقاً ومنفتحاً على الإجابات: لماذا لا يرحمنا الحكام العرب، فيعفوننا من عذاب تصريحاتهم الغثة وليتسلطوا في صمت؟ يحي مصطفى كامل/ كاتب مصري

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *