“لمّة” رمضان عادة تأبى الاندثار

عائلات متمسكة بالتزاور وصلة الرحم في السهرة

يعتبر شهر رمضان أكبر فرصة للعائلات والأسر لتوطيد صلة الرحم والعلاقات مع الأصحاب والجيران فهو شهر اللمات بامتياز، فلا يحلو الإفطار إلا باجتماع جميع أفراد الأسرة، حيث تحرص الأسر على أن تجمع الجميع حول مائدة إفطار واحدة حتى لو لم يكن الأبناء يقطنون في نفس المنزل، ناهيك عن تبادل دعوات الإفطار والسهرات الرمضانية.

رمضان لا يحلو إلا بين الأهل والأحباب، فالجزائريون معروفون بتبادل الزيارات خلال الشهر الفضيل والالتفاف حول موائد الإفطار والسهرات بحضور الشاي وقلب اللوز والزلابية ومختلف الحلويات المعسّلة الأخرى، يحلو السمر وتبادل أطراف الحديث والحكايات طيلة الليل، ورغم أن العديد من العائلات الجزائرية لا تزال متشبثة بعادات زمان المرسخة لصلة الرحم والتواصل مع الأقارب والأحباب قائمة في وقتنا الحالي، إلا أن رياح التغيير هبت على مجتمعنا على عائلات أخرى فأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي على غرار الفايسبوك ملاذهم وملجأهم للاجتماع بأشخاص يعرفونهم أو تعرفوا عليهم في الفضاء الافتراضي يتقاسمون معهم السهر واللّمة حول موائد افتراضية تحت رعاية مختلف أجهزة التكنولوجيا الحديثة .

طاولة واحدة للعائلة و”العرضات”
عنوان أبرز

تسعى الأسر خاصة الوالدين إلى جمع الأبناء حول طاولة إفطار واحدة حتى القاطنين في منازل منفردة مع أسرهم إلا أن رمضان يتوجب عليهم قضاؤه مع العائلة الكبيرة حيث تكون اللمّة العنوان الأبرز، تقول السيدة “حليمة” إن رمضان لا يحلو لها سوى بالتفاف جميع أبنائها حولها، هي عادة لا تستطيع التخلي عليها، فأبناؤها الذكور المتزوجون يقضون رمضان رفقتها فيما تقوم بدعوة بناتها للإفطار والسهرات، اللمة مع الأهل والجيران والأصحاب أيضا لا تزال حاضرة رغم ما يعرفه المجتمع الجزائري من تغيرات فإن لم تكن العزومة للإفطار كانت للسهرات الرمضانية التي تباشر بعد الإفطار أو صلاة التراويح فالنسوة يعملن على تنظيف المطبخ بعد الإفطار للتجهيز لاستقبال الضيوف أو تجهيز أنفسهن للخروج للسهر عند الجيران أو الأقارب، لا يمكن أن يقضوا السهرة لوحدهن في المنزل رغم وجود العديد من الفضائيات التلفزيونية التي تبث عددا لا يحصى من المسلسلات والبرامج، اللمّة مع الأحباب مقدسة ولا غنى عنها والسمر والالتفاف حول مائدة الشاي لها نكهة خاصة مع جمع من الناس، تقدسن الزيارات العائلية في رمضان، ولا يمكن أن تشعرن بنكهة رمضان إذا لزمن البيت، كما يجمعن أن أحلى شيء في رمضان هي السهرات العائلية، حيث  تستقبل البيوت يوميا الأقارب والأحباب من أجل الإفطار ثم السهر مع بعض إلى غاية السحور.

اللّمات الافتراضية أكبر منافس
أصبح البعض يفضل قضاء السهرات الرمضانية معتكفين في المنازل معوضين اللمات والسهرات الأسرية باللمات الافتراضية التي ولدتها مواقع التواصل الاجتماعي والكم الهائل من الفضائيات، فحتى أفراد العائلة الواحدة أضحوا كغرباء كل واحد منكب على هاتفه يتواصل مع أشخاص مجهولين، في الوقت الذي عوّض”السكايب” لآخرين التنقل للزيارة خارج المنزل، فيما تفضل فئة أخرى الجلوس أمام التلفاز لمتابعة مختلف البرامج والمسلسلات التي عجت بها الفضائيات، الأجهزة التكنولوجية والانترنت عوضت هذه اللمّات التي لطالما ميزت رمضان، فجيل اليوم وجد في هذه المواقع خير بديل لهم، حيث سنحت لهم الفرصة بالتعرف على أشخاص من مختلف مناطق الوطن لتبادل الأحاديث والسهر، مطلقين البقاء مع العائلة مكتفين بالعالم الافتراضي الذي خلقوه بأنفسهم بالتقوقع داخل عالم الفايسبوك، الأنستغرام وغيرها من المواقع.
أما آخرون فإن التعب والإرهاق هو الحائل أمامهم عن الزيارات والسهرات سيما النساء العاملات اللواتي لا يجدن الوقت الكافي، فالوقت القليل المتبقي لها خلال السهرة تستغله في النوم أو الراحة مع مشاهدة التلفاز حول مائدة الشاي التي تتقاسمها مع أطفالها، البعض يكتفين فقط بزيارة بيت الحماة أو العائلة عند دعوتهم إلى الإفطار، يفضلن عدم إطالة السهر للنوم باكرا فهن على موعد مع العمل صباحا وقبله الاستيقاظ إلى السحور.
فيما يرجع آخرون نقص اللمات العائلية وتبادل الزيارات مقارنة بالماضي في انشغال الكل بهموم الحياة، العمل والمشاكل التي تشغل كامل الوقت مساهمة في الابتعاد عن مثل هذه العادات التي تقرب بين الأهل وتصل الأرحام في هذا الشهر الفضيل.

العمل والدراسة يحرم آخرين
من اللمة العائلية

تضطر فئة من الجزائريين إلى قضاء الشهر الفضيل بعيدا عن العائلة وعن الأجواء الرمضانية الأسرية، وفي مقدمتهم الطلبة الجامعيون والعمال والموظفون كذلك، حيث يجدون صعوبة في مفارقة الأهل خلال رمضان الذي لا يحلو إلا وسط العائلة، لكنهم مضطرون لا مخيرون. الطلبة المقيمون بالأحياء الجامعية مضطرون لصيام رمضان بعيدا عن الأهل، منهم من يحالفه الحظ للسفر كل أسبوع، أمّا آخرون فسيضطرون للبقاء إلى غاية عيد الفطر بسبب عدم استطاعتهم لذلك بسبب المسافة الطويلة سيما طلبة الجنوب، أما الموظفون فمحظوظ منهم من كان متزوّجا، فرغم بعده عن العائلة إلا أنه يعيش أجواء أسرية مع الزوجة والأبناء، أما إن كان وحيدا فيضطر للطبخ والبقاء وحيدا على مائدة رمضان ونفس الشيء بالنسبة للفتيات العاملات بعيدا عن العائلة.
فايزة بوشنب

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *