الرئيسية / أقلام / مأساة النازحين العراقيين.. بين الرمضاء والنار

مأساة النازحين العراقيين.. بين الرمضاء والنار

أعلنت الأمم المتحدة الجمعة، أن عدد العراقيين الذين فروا من مدينة الرمادي خلال الأسبوعين الأخيرين، وصل إلى 85 ألف شخص.
وأفاد المتحدث باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وليام سبيندلر أن الكثير من الناس يواجهون صعوبات جمة عند حواجز التفتيش، إلى جانب القيود التي يضعها المسؤولون المحليون، حيث يجبرونهم على العودة.
ولفت سبيندلر إلى أن 180 ألف شخص في الأنبار اضطروا إلى ترك مناطقهم منذ أبريل الماضي.
جدير بالذكر أن تنظيم الدولة فرض في 17 مايو الجاري سيطرته على كامل مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار.
انها مأساة انسانية مكتملة الاركان. آلاف المواطنين يفرون تحت النيران امام جماعة ارهابية معروفة بوحشيتها، لكنهم لا يستطيعون أن يجدوا ملجأ داخل بلادهم بسبب الحواجز الامنية والاعتبارات الطائفية ونقص المساعدات.
وتصر الحكومة العراقية على انها تفعل كل مافي استطاعتها لاستقبال النازحين من الانبار، لكن من دون الحفاظ على الضرورات الامنية.
الا ان الواقع يبدو مختلفا كما يتضح من تصريحات المسؤول الدولي، وكذلك شهادة احد شيوخ العشائر الذي قال عن معاملة القوات العراقية لقد وجهت إلينا، ونحن نعبر نقطة بزيبز في الطريق إلى بغداد، إتهامات بالتعامل مع داعش، رغم أننا هربنا من الموت الذي ينتظرنا على يد داعش.
ومن جهتها كانت الماكنة الإعلاميــــة القريبة من السلطات العراقية تدعي أن دخــــول النازحين إلى بغداد هدفه إسقاط العاصمة، مستندة بالطبع إلى  تصريحات رسمية لمسؤولين امنيــين ادّعت عدم وجود مبرّر لهذا النزوح الهائل والمفاجئ،  ووصفت  نزوح اللاّجئين بمصطلح حصان طروادة السيىء الصيت. وامام مشهد كهذا ينبغي التوقف مليا واستخلاص الدروس، خاصة ان تنظيم الدولة اعلن بالامس نيته بوضوح، عندما جعل الزحف على بغداد عنوان اول خطبة جمعة في الرمادي، ومنها:
اولا: ان نزوح عشرات الآلاف من الرمادي خلال هذه الفترة القصيرة، وتفضيلهم ان يتركوا بيوتهم وممتلكاتهم والعيش كلاجئين في بلادهم على البقاء تحت تحت سلطة تنظيم الدولة، بالرغم من النداء الذي وجهه ابو بكر البغدادي قبل اسبوعين لهم للبقاء، لدليل دامغ على انهم لا يشكلون حاضنة للارهاب، كما زعم البعض، بل انهم كانوا أقوى بصيرة من حكومة بغداد، عندما بدأوا النزوح قبل شهر كامل، وهذه كانت رسالة واضحة بأن المدينة في طريقها للسقوط، ما كان يستوجب التحرك لانقاذها.
ثانيا: لا يمكن التقليل من اهمية الضرورات الامنية التي تتحدث عنها الحكومة العراقية وما تقتضيه من اقامة حواجز للتفتيش والمراقبة تفاديا لتسرب ارهابيين الى بغداد، الا انها لا تستطيع ان تبرر الممارسات اللاانسانية ضد بعض النازحين واغلبهم من العائلات وكبار السن، والتي وصلت الى اجبارهم على العودة الى سلطة تنظيم الدولة، وهو ما يمثل في حد ذاته دعما معنويا مباشرا لارهاب البغدادي ودعايته القائمة على اسس طائفية. والبديهي ان يتساءل المراقب اين كانت الضرورات الامنية وكل هذه القوات التي تواجه النازحين، وتمنعهم من دخول عاصمتهم عندما سقطت الرمادي خلال ساعات قليلة، لم ينتج عنه الا صور هروب كبير للجيش العراقي، وغنائم ثمينة تقع في ايدي تنظيم الدولة.
ثالثا: لقد فوتت الحكومة العراقية في تعاملها الطائفي مع نازحي الرمادي فرصة ثمينة لتثبيت اللحمة الوطنية، ما كان يمكن ان يشكل نواة صلبة في مواجهة الارهاب والطائفية معا. ولكن هذا الفشل ليس جديدا بعد ان صمت اذانها لشهر كامل عن صرخات الاستغاثة الصادرة من اهالي الرمادي، وعندما قررت ان تبدأ عملية لتحريرها اطلقت عليها «لبيك يا حسين» قبل ان تضطر الى تغييرها بسبب انتقادات من بعض الفصائل الشيعية الوطنية مثل التيار الصدري، الى جانب استياء واشنطن.
رابعا: يبدو ان سقوط الرمادي، الذي جعل قوات العدو على بعد ساعة واحدة من بغداد لم يكن كافيا لتعلن حكومة حيدر العبادي اجراء مراجعة لسياستها المعتمدة على الاستراتيجية الامريكية لمواجهة تنظيم «الدولة»، والتي اعترفت واشنطن نفسها بفشلها، وان لم تقدم بديلا عنها. وليس واضحا ما يبقي العبادي في منصبه وهو يحرز فشلا بعد آخر، خاصة انه كان وعد الشهر الماضي في خطاب القاه من قاعدة «الحبانية» ان تكون الانبار منطلقا لتحرير كافة اراضي العراق، فاذا بها تتحول الى كارثة جديدة تكاد تلقي بما تبقى من البلاد في غياهب المجهول.
واخير فانه من العار حقا غض الطرف عن مأساة اولئك النازحين العالقين بين الرمضاء والنار. واذا كانت حكومتهم تفتقر الى القدرة او الارادة السياسية المطلوبة لمساعدتهم، فان هذا لا يعفي المجتمع الدولي من واجب تقديم المساعدة الانسانية، وهذا لا يتطلب ارسال قوات او شن حروب، فهل يفعل؟
القدس العربي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *