مؤتمر “وارسو” مسرحية سيئة النص والإخراج والأداء

مؤتمر «وارسو» لـ«السلام والأمن في الشرق الأوسط” عنوان لمؤامرة فاشلة وخاسرة لتغيير وجه الشرق الأوسط، أشرفت على تنفيذها مجموعة من هواة السياسة في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في محاولة بائسة لممارسة مزيد من الضغوط على الفلسطينيين، للقبول بما يسمى «صفقة القرن»، التي يسعى اللوبي الصهيوني المتحكم في البيت الأبيض، لطرحها بعد الانتخابات الإسرائيلية العامة، حسب مزاعم جاريد كوشنر صهر ترامب وأحد كبار مستشاريه، وهو أحد القلائل الذي لا يزال صامدا في هذه الإدارة.

مؤتمر وارسو هو أيضا عنوان لمسرحية كوميدية سيئة النص والإخراج والأداء. نعم مؤتمر «وارسو» الذي دعا إليه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وشارك فيه نحو60 دولة، واختتم أعماله وسط مشاركة اوروبية ضعيفة وعربية كبيرة ومقاطعة فلسطينية، وحضور مميز لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يمكن أن يقال إنه كان نجم هذا الحفل الدولي الهزيل بلا منازع، هو مؤامرة الغرض منها تغيير المعادلة القائمة في الشرق الأوسط منذ نحو سبعة قرون، وهي أن الكيان الصهيوني في فلسطين هو العدو الرئيسي والخطر الأكبر على الأمة العربية وأساس القلاقل في المنطقة، ولا غيره. إنه مؤامرة حاول القائمون عليها وضع اللبنة الأولى في منظومة «الشرق الاوسط الجديد» التي روج لها ثعلب السياسة الإسرائيلية شيمعون بيريس. شرق أوسط جديد تكون فيه إيران وليست إسرائيل العدو الذي يمثل الخطر الأكبر على مجمل المنطقة. شرق أوسط جديد يخرج دولة الاحتلال من دائرة العدو إلى دائرة الحليف والمصالح المشتركة. شرق أوسط جديد يخرج هذه الدول لا سيما الخليجية التي تزعم وجود الخطر الايراني عليها، من دائرة الصراع مع إسرائيل، ولا أقصد هنا الصراع العسكري، فهذا صراع لم تلعب فيه معظم الدول العربية المشاركة دورا، كما إنه عصر ولّى ولم نعد نسمع عنه. مؤتمر وارسو مؤامرة لأنه يحاول عزل الفلسطينيين، والالتفاف على الإجماع الفلسطيني في رفض التعامل مع إدارة ترامب، ما لم تتراجع عن قرارها بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة إليها وكذلك إسقاط ملف اللاجئين من طاولة المفاوضات. مؤتمر وارسو مؤامرة هدفها ترسيخ مقولة نتنياهو وكوشنر وغرينبلات والتكتل الصهيوني في البيت الأبيض، إن قضية فلسطين لم تعد صمام الأمان في الشرق الأوسط، كما لم تعد قضية العرب الاولى، وإنه يمكن التطبيع والتعاون بين إسرائيل والدول العربية، بدون حاجة إلى تسويتها، وباختصار شديد شطب القضية الفلسطينية من الأجندة العربية، إنه مؤامرة ترمي إلى نسف المبادرة العربية للسلام. مؤتمر وارسو مؤامرة غرضها الأساسي تطبيع الدول العربية على أوسع نطاق مع دولة الاحتلال، ولم تكن إيران والتهديدات الأمريكية ضدها سوى الطعم لجر أرجل هذه الدول إلى الفخ المنصوب لها. تسع دول عربية، ست منها خليجية إضافة إلى مصر والأردن والمغرب، سيقت إلى هذا المؤتمر كما الأغنام. مؤتمروارسو مؤامرة لأنه لم يكن أكثر من فرصة لتحقيق حلم نتنياهو في جمعه مع مسؤولين عرب والتقاط الصور التذكارية معهم للترويج لشخصه ولسياساته وقناعاته، وللتأكيد على ما كان يقوله لسنوات ماضية، إن التطبيع مع الدول العربية قائم. لم يكن هذا المؤتمر محط اهتمام كبير من وسائل الإعلام العالمية، فعلى سبيل المثال لم يحظ بالتغطية في وسائل الإعلام في بريطانيا، التي شاركت بوزير خارجيتها. وتجاهله تلفزيون «بي بي سي» في نشرة الأخبار الرئيسية، وكأنه لم يحدث، ولم تشر إليه لا من قريب ولا من بعيد. فكما هو مؤامرة فقد كان المؤتمر مسرحية سيئة والضجة المحدودة التي أثيرت حوله وأغلبها في وسائل الإعلام الإسرائيلية طبعا، كانت حول نشاط نتنياهو داخل أروقة المؤتمر، ويمكن القول إن هذا المؤتمر فصل على قدر نتنياهو واحتياجاته في حملته الانتخابية. وكان نتنياهو ومكتبه هما المصدر الوحيد لكل التسريبات والإشاعات حول المصافحات واللقاءات مع الوزراء العرب والمبالغة فيها وإعطائها مسحة من الإثارة إلى حد المهزلة. فنتنياهو شخصيا هو من تحدث عن احتمال لقائه مع وزير الدولة السعودي للشؤون الخارحية عادل الجبير. وبدأ البناء الدرامي قبل بدء المؤتمر في تسريب مساعدي نتنياهو خبر «اللقاء السري المفترض» بينه وبين وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي، الذي زعمت القناة التلفزيونية الإسرائيلية 13 انها كشفته وكانت في انتظار الوزير العماني في مرآب الفندق الذي كان ينزل فيه نتنياهو، والتقطت له صورا وهو يرتدي لباسا «إفرنجيا»، بدلة وربطة عنق وقبعة، وأفسدت عليه سرية اللقاء. فهل كان بن علوي حقا بحاجة إلى هذه السرية؟ وهل كان لقاء بن علوي مع نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين الأول من نوعه؟ ألم يدع نتنياهو وزوجته سارة رسميا لزيارة عمان في اكتوبر الماضي، حيث التقى مع السلطان قابوس في مسقط، فما جدوى هذه السرية؟ وحتى لو افترضنا جدلا أن بن علوي أراد لهذا اللقاء أن يكون سريا، فمن الذي سرب هذا السر إلى القناة الاسرائيلية، التي تبث برنامجا على حلقات حول العلاقات الخليجية الاسرائيلية؟ وما هي دوافعه؟ ووصل البناء الدرامي ذروته في مقطع إجلاس وزير الخارجية اليمني خالد اليماني في قاعة المؤتمر، وعلى نحو متعمد محشورا بين نتتياهو وبومبيو، لأغراض في نفس يعقوب، وهو كما يقول المثل «يا غافل الك الله» ففي العادة توزع الأماكن في المؤتمرات وفق الاحرف الأبجدية، وليس «الـY» اليمنية قريبة من «الـ I» الإسرائيلية، وحتى اليماني نفسه تحدث في وقت لاحق عن خطأ بروتوكولي، وقال إنه مسؤولية المنظمين، ولكن ذلك لا يعفيه. ولإضفاء مزيد من الإثارة تعطل مايكرفون نتنياهو «بقدرة قادر» عن العمل صدفة، فتبرع الوزير اليمني العربي الشهم بميكرفونه ربما بحركة لاإرادية، أو ربما بدفع من بومبيو، لرئيس الوزراء حتى يلقي كلمته. يذكر أن اليمن هو الدولة الخليجية العربية الوحيدة التي لم يلتق قادتها علنا مع مسؤولين اسرائيليين، وربما هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها مسؤول يمني بتجمع كهذا، ولهذا السبب جرى حشره بين مطرقة بومبيو وسندان نتنياهو. وعلى حسابه على تويتر نشر نتنياهو خبر جلوسه إلى جانب اليماني مع صورة وعبارة: «إننا نصنع التاريخ». ولم يتمكن الصهيوني جيسون غرينبلات مسؤول المفاوضات الدولية في إدارة ترامب أن يمسك أعصابه ازاء هذا المشهد الدرامي المثير والمؤثر، الذي أطلق عليه «واقعة مكبر الصوت»، وسارع للكشف عنها في تغريدة من داخل غرفة الاجتماع ووصفها بـ «لحظة تشرح القلب، لم يكن ميكروفون نتنياهو يعمل فقام وزير الخارجية اليمني بإقراضه ميكرفونه». وأضاف أن «نتنياهو رد مازحًا إنها بداية التعاون بين إسرائيل واليمن.. خطوة بخطوة». وتابع «من المذهل أن تكون جالسًا على بعد مسافة صغيرة من وزراء خارجية اليمن والسعودية وعمان والإمارات والبحرين ونتنياهو وآخرون في المنطقة هنا أيضًا، وهم يجرون حديثا صريحا حول التحديات الإقليمية العديدة». واختتم غرينبلات قوله بـ«وكدليل على جدية هدفنا، أود أن أشير إلى العشاء التاريخي الذي حدث الليلة الماضية. كان القادة العرب والإسرائيليون في الغرفة نفسها، يتشاركون وجبة، ويتبادلون وجهات النظر”. وأخيرا فإن مؤتمر وارسو حقيقة لم يكن أكثر من قفزة ترامبية في الهواء وحملة علاقات عامة فاشلة وخدمة مجانية من ترامب لصديقه نتنياهو للتغطية على اتهامات الفساد التي تحوم فوق رأسه، لتساعده في الانتخابات المقبلة. ويؤكد مراقبون إسرائيليون أن مقولة إن المؤتمر يمهد لوحدة الموقف مع العرب ضد إيران، ربما تخدم نتنياهو في حملته الانتخابية، لكنهم يشككون جدا بجدواها مقابل التطلعات الإقليمية الإيرانية. وحذروا نتنياهو من مواصلة التلويح بفزاعة ايران لترهيب الاسرائيليين. واختتم بالقول إن الشيء المؤكد في هذا المؤتمر أن القائمين عليه فشلوا في أهدافهم ومنها ازاحة القضية الفلسطينية عن الطريق التي ستظل العقبة الكأداء التي لن يستطيعوا تجاوزها أو طمسها قبل تحقيق الحلم الفلسطيني في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف شاء من شاء وابى من ابى.

علي الصالح/ كاتب فلسطيني

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *