“مؤسفٌ وخطير النقد المحابي المكرّس لصاحب النص لا نصّه”

الأديب والناقد محمود عياشي لـ”وقت الجزائر”:

محمود عياشي، اسم مشهود له أدبيا ونقديا.. لكنه يفضل الابتعاد عن الأضواء، والتريث في النشر.. لإيمانه أن الشّهادة الأدبية والنّقديّة لا تُقاس بالحضور النّشري.. له قراءات جمالية في نصوص وحضور ملحوظ في المشهد النقدي الأدبي..

“وقت الجزائر”: بين السرد والنظم والنقد، أين تجد ذاتك أكثر؟ ولماذا؟

محمود عياشي: تصعب الإحاطة بإجابة عن هكذا تساؤل، الذي يبدو سهلاً، ذلك للمرونة التي تكتنفه، لكنّني أُخمِّن بعد التوقّف عنده مليّاً، لأنّ الإشكاليّة فيه تضمّ مراحلَ إبداعيّة كثيرة معقّدة، تكتنفها مساحات فكريّة تأمّليّة، وتقطعها فترات تصحّر وجداني وفكري مزعجة، يخشى وطأتها وطولها خاصة، أمّا الخروج من الإشكاليّة هو وصفها بصراحة وأمانةٍ وروح رياضيّة أيضاً،  فبالنّظر إلى ذاتي فإنّني وُلدت في هذا المجال ككاتب خواطرٍ، ثم استهواني علم العروض بعد أن حفظت وزن البسيط والخفيف من حفلات الإنشاد في الموالد -أعني البردة والهمزية- ثمّ أخذني الشعر عن النثر سنواتٍ، ورجعت للنثر ولم أهمل الشعر بعده، لكن تتفاوت الرّغبة بينهما على حسب الموضوع والنّسق المراد الكتابة فيه، وربما المقدرة والهوى أيضاً، أحيانا كثيرة أبدأ في نظم قصيدة لكن الإلهام يتحول إلى سيل جارف من النثر، فأتبع قلمي وأتنكر لإرادتي بما شاءت قريحتي! لذلك أعدّ هذا الأمر عوالم ودوائر لا يمكننا التحكّم في تواجدنا في إحداها أو توجيه إرادتنا بكامل القوّة خوفا من الانقطاع أو خسران ما نصبو إليه من جنى التعبير وذروة النصّ. لكنني هذه الأيّام أجدني في النثر أكثر، لأنّ المقام احتاج منّي ذلك على ما أرى.

كيف ترى الواقع الأدبي في جزائر ما بعد الأزمة؟

بالتّأكيد لن يظلّ الأمر إلى حاله، والتطوّر حاصل على مستوى الكلمة، وعلى مستوى المتلقّي الذي لن يكون جزائريّا بالصّورة التي ألفناها في أجيال ما قبل الأزمة من ركود وشحّ في المراجع ووشائج الاتصال بالآخر، وكان في التّعبير الأدبي الخيالي الخالي من المسؤولية يطلق عليه مسمّى (الزمن الجميل) أو (العصر الذهبي)، حتى وإن كان يُقصَد منه لبّ الموضوع وخميرته الأصيلة وتمسكه بالمرجعيّة النقدية والإقبال الجماهيري. جزائر ما بعد الأزمة: قد يتوسّم فيها رجوع إلى مجرى حدّدت روافده بعد هزّات وارتجاجات عنيفة، أكيد سيتطوّر المشهد الأدبي، تماشيا مع الرّاهن الثقافي الجديد الذي ستفرضه ضرورات ملحّة، ومدارس جديدة متشبّثة بالنتاج العالمي الرهيب، لكن بالموازاة ستكون هناك مدرسة لها وزنها الوطنيّ هي عبارة نسخ للمشهد العالميّ مكرّرة، محاولة يائسة لركوب موجة العالميّة بلا هوادة، وسيكون التّكرار أكبر وصمة. صحيح أن القلم الجزائري أفلح في خلق أقلام لا تنكسر على المستوى العربي بل العالمي، مثل واسيني ومستغانمي، لكن لست أدري لماذا عقم هذا الرّحم وأجهض مرارا دون صناعة أمثلة أخرى. الواقع الأدبي سيكون للأسف أكثر جنوناً وأعمق إسفافا في سباق أقلام شابّة كثيرة في افتكاك الاسم الأدبي المرموق، ومزاحمة الكبار، لكن تبقى حاليّا أبعاد التجربة مجهولة العواقب، إلا إذا انتصر الإبداع الجادّ أخيراً، فإن ذلك هو ضمان تجدّد الواقع بما هو أفضل.

في رأيك، لماذا يتراجع النقد في الجزائر على الرغم من توسع الانفتاح على الآخر وثقافته؟ ولماذا ينصرف أغلب النقاد الجزائريين إلى الكتابة والنظم رغم أهليتهم واقتدارهم نقديا؟

تراجع النّقد الجزائريّ حاصل على مستوى بعض الأسماء الأكاديمية التي لها وزنها في الساحة راجعة أسبابه في نظري  إلى ما يلي: كون الناقد في الأصل مبدعا، وكما نعلم أن ممارسة الإبداع أسهل وأمتع مقارنة بمزاولة النقد،  الذي يعدّ قراءة من نوع خاصّ فيها من ضرائب التأمّل والبحث وإعمال العقل شيء كثير، أما إذا لم يكن شاعراً أو قاصّا فلا يمكنه أن يتجاوز مجاله إلى مجال غيره.. رغبة النّاقد في اقتحام التجربة وركوب الموجة، وهي موضة متوارثة، إذ هناك نقّاد مشهورون في مضمارهم لطول ممارستهم وتعايشهم مع النصّ يلجؤون إلى التجربة، وغالبا ما تكون وخيمة العواقب.. اعتقاد بعضهم أنه لا يمكن اكتساب المجد والشّهرة الأدبيّة بمؤلَّفٍ نقديٍّ مهما يكن وزنه العلميِّ، فيتّجه إلى الرواية طالما هو ملمّ بأدواتها وخبير فيها، وسيضع حظّه على المحكّ ظانّا أنّه الغالب في المضمار مقارنةً مع المبدعين الهواة الذين لا يملكون إلا موهبتهم إزاءه، قد تكون عند بعض النقاد الموهبة، فيصقلها بعلومها، لكن أكثرهم لديه الهاجس الأوّل.. أما عن تراجع النّقد الجزائريّ في الآونة الأخيرة،  فأرى أنّه يسير بوتيرته الاعتيادية  على بعض الفتور  لكن موازاة بتكدّس النصّ الشابّ الراغب في التقييم يظهر ضحالته، وكثيرا ما تردني نصوص لا أعرف حتى أصحابها معرفة مسبقة يطلبون الرأي والتوجيه، بل صارحني أحدهم يائسا بأنه لم يجد من ينقده بقوله “كلهم مشغولون”، ونصحته أن لا يدلل بكتابه والنص الجيد يفرض نفسه، لكنه أجاب بأنّه مستعجل لأن ذلك يساعده في رواج الرواية! إضافة إلى أمر مؤسف وخطير: وهو النقد المحابي المكرّس صاحب النص لا نصّه، وهذه الآفة ليست وليدة اليوم، لكنها استفحلت في ظلّ تواجد النصّ المؤنث في الساحة واحتلالها المشهد.. وأيضا توجّه المبدع إلى التّنظير نابعٌ من قراءاته المتعدّدة، وبين القراءة والإبداع تنشأ لديه الرؤى الخاصّة، التي يجد نفسَه مشدوداً بالدّفاع عنها، وقد تنبع هذه الحاجة للمعركة القديمة بين المبدعين والنقَّادِ، فيكون مثل المحامي والمدافع عن شريحته.

في نظرك، هل فقد الشعر في الجزائر جمهوره؟ كيف ذلك؟

حقيقة يجب الاعتراف بها، ليس في الجزائر فحسب، بل في سائر الأقطار العربيّة، لكنّ الصّراع بين الشعر والسّرد صراع شرس وممتع، وهو سجالٌ نسبيٌّ، وأعتقد أنّ الشعراء أنفسهم هم من أسهم في وضع قواعد المعركة وأرضيّتها،  ذلك بتعميق الهوّة والهروب الخيالي على المتلقّي، والاستعلائيّة الفجّة التي ورثها الشّعر منذ عقود اللغة الأولى! ذلك بالاعتماد على نظريّة أو مقولة “يباح للشاعر ما لا يباح لغيره”، الأمر الذي وطّن لأنصار السّرد غير القادرين على مزاولة الشعر أو الكارهين له، بل حتى النظّامين الذين فشلوا في صنع رؤية خاصّة بهم وعجزوا عن صنع الاسم الشّعريّ، وظلوا في بوتقة غيرهم من الأسماء الصنمية على غرار درويش ونزار وشوقي وحتى المتنبي.. فهذه الجبهة المتكوّنة من الرعيل المقاطع أو المناوئ للصوت الشّعريّ كرّست السّرد بشكل قويّ وافتكّت القياد من بين يديه بشراسة.

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *