الرئيسية / روبورتاج / ماذا بقي من حج زمان في حج هذه الأيام؟

ماذا بقي من حج زمان في حج هذه الأيام؟

تيسيرات لجنة الفتوى لا تنتهي على حساب سنة الحبيب المصطفى

انقضى قبل أيام قليلة موسم الحج وعاد “ضيوف الرحمان” إلى أهاليهم وذويهم من الأراضي المقدسة حاملين معهم لقب “حاج”، لكن هل كل من قدم إلى الحج حج فعلا، وماذا بقي من حج زمان في حج هذه الأعوام، مع “التيسيرات” التي “توفرها” لجنة الفتوى على مستوى وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، و«الراحة” التي يضمنها ديوان الحج والعمرة للحجاج حتى في المشاعر والتي جعلت البعض يقضى وقفة عرفات نائما على “الصوفا باد” داخل “الخيم الألمانية” التي لم يكف الديوان عن الافتخار بها هذا الموسم؟

لا ننكر أن التعب نال منا كثيرا خاصة أمام الحرارة الشديدة التي فاق زئبقها الخمسين درجة، وأشعة الشمس الحارقة التي لفحت وجوهنا، لكن استلقاءنا لربع ساعة على “الصوفا باد” التي وفرتها البعثة الجزائرية للحج في مخيمات عرفات “الألمانية” لأول مرة، كان كفيلا بأن ينسينا كل ذلك التعب..

الوقفة الكبرى و”الصوفا باد”
جاء الزوال، شرع الإمام المرافق لنا، عضو لجنة الفتوى بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، ماضوي أقدوش، في إلقاء خطبته من خيمة الرجال الملاصقة لخيمة النساء.. الصمت يخيم على المكان لا لأن الكل “خاشع” في الخطبة التي كانت مؤثرة جدا، زادها تأثيرا لدينا يقيننا أن الله يفاخر بنا ملائكته من السماء الدنيا، بل لأن الكثير من الحجاج استغرق في النوم.
في خيمة النساء حاولنا إيقاظ إحداهن كانت على يميننا، معلمين إياها أن “الحج عرفة”، نظرت إلينا بعيني الذئب (إحداهما مغلقة والثانية مفتوحة)، وغطت في نوم عميق، نظرنا شمالا، فوجدنا أخرى “منقضة” على الأكل الذي قدم لنا قبيل الزوال، من هناك، ثالثة “تمتص” علبة عصير، وهنالك رابعة منشغلة بهاتفها، ولم يكن الوضع يختلف كثيرا في خيمة الرجال بحسب ما نقله لنا الإمام ماضوي أقدوش بعد انتهاء الوقفة، وهذا من سلبيات “الخيم الألمانية” و”الصوفا باد” التي لم يكف المدير العام لديون الحج والعمرة عن الافتخار بها.

تيسير “رسمي” على حساب سنة المصطفى
بعد أداء الخطبة التي “صدح” بها الإمام (لأن المسؤولين بالبعثة لم يمكنوه من مكبر الصوت، ولما سألنا، قيل لنا أن توفيره على الوكالة)، وأداء صلاتي الظهر والعصر جمعا وقصرا، بأذان واحد وتكبيرتين، وبعد نحو ساعة قضيناها في الابتهال لله، والدعاء لأنفسنا ولمن أوصانا وحتى لمن لم يوصنا بالدعاء له، خرجنا مستطلعين الأوضاع في عرفات التي كنا قد رافقنا المدير العام لديوان الحج والعمرة، يوسف عزوزة، ذات مساء في زيارة إلى مخيمات الجزائريين فيها قبيل الحج، وابتهج مرافقونا وأولهم عزوزة، بكون كل خيم الجزائريين متواجدة على حافة الطريق على خط واحد مقابل مسجد “نمرة”، وغير بعيد عن موقف الحافلات، ما يعني سهولة النفرة نحو مزدلفة، لكن تفاجأنا يوم الوقفة الكبرى أن الخيم التي كان يتحدث عنها مدير ديوان الحج، هي الخيم التي تؤطر حجاجها البعثة الجزائرية للحج وأولها “الخيمة الرسمية” التي دخلنا ساحتها فوجدناها واسعة جدا، وبها حتى زراب وورود، أما الخيم التي تؤطر حجاجها الوكالات السياحية، ففي آخر الصف، تفصل بينها وبين “خيم البعثة” خيم مصرية وموريتانية..واصلنا سيرنا، حاولنا الوصول إلى جبل الرحمة، لكن هيهات..آلاف الحجاج ملتصقون ببعضهم البعض يسيرون نحوه على أرضية مليئة بقارورات المياه والعصير التي يتبرع بها محسنون ويلقيها حجاج في كل مكان أحيانا كثيرة دون أن يفرغوها، مما حول المسلك إلى برك مائية ملوثة..قررنا العودة إلى الخيمة، ولحسن حظنا صادفنا الإمام الذي يرافق فوجنا متوجها بصحبة بعض من الحجاج إلى جبل الرحمة، تشجعنا ورافقناهم، ووصلنا إلى سفح جبل الرحمة، دعونا الله كثيرا، وعدنا أدراجنا إلى الخيمة حيث وجدنا الحجاج قد صعدوا الحافلات استعدادا للنفرة، وكأنهم كانوا ينتظرون الغروب بفارغ الصبر مع أن الوقفة فرصة قد لا تتكرر لأغلب الحجاج، ومع هذا لاحظنا أن أغلبهم –نساء ورجالا- لم يغادر الخيمة طول مدة الوقفة التي الحكمة منها رؤية الحشود تبتهل إلى الله في مشهد يشبه يوم الحشر للاعتبار، كما أن معظم الحجاج لا يعرف أن الوقوف من الزوال إلى الغروب واجب وبعد الغروب ركن، وفق ما أكده لنا الإمام ماضوي أقدوش الذي تأسف لكون حاج قصده متباهيا بأنه كان من بين أول من نفر إلى مزدلفة، دون أن ينتبه إلى أنه غادر عرفة قبل الغروب أي أنه “لا وقفة له ومن ثمة لا حج له لأن الحج عرفة”.
ولئلا يتكرر ما حدث لهذا الحاج مع باقي “ضيوف الرحمان”، تحرص السلطات السعودية على غلق كل المنافذ أمام الحافلات التي تقل الحجاج من عرفة إلى مزدلفة ولا تسمح لأولاها بالمغادرة إلا بعد الغروب، أما آخر حافلة فقد لا تتمكن من التحرك إلا بعد العشاء بسبب الازدحام الشديد الذي لا يمكّن الحجاج من وصول مزدلفة إلا بعد ساعتين على الأقل من مغادرة عرفة، وهناك من الحافلات ما يصل بعد الحجاج الذين فضلوا السير على الأقدام على مسافة 07 كيلومتر أو يزيد، وهم قلة ذلك أن أغلب “ضيوف الرحمان” يكونون منهكين لسيرهم مسافة 12 كيلومتر صباحا نحو عرفة، ويعلمون أن عليهم السير 05 كيلومتر أخرى نحو منى من مزدلفة التي حطينا بها الرحال، وصلينا المغرب والعشاء جمعا وقصرا بالنسبة للعشاء، وقضينا فيها معظم الليل حيث جمعنا الحصيات، وشرعنا في السير نحو منى رفقة المجموعة التي رافقتنا وغضبت منا لما أردنا المبيت في مزدلفة، واتٌهمنا بمحاولة الخروج عن الجماعة لا لشيء سوى لأننا صممنا على إتيان السنة كاملة، وتجنبا للفتنة، وبعد أن تأكدنا أنه وفقا للمذهب المالكي، يكفي حط الرحال في مزدلفة والصلاة ثم الانطلاق نحو منى، سرنا مع الفوج ببطء شديد بسبب التعب الذي نال من كل الحجاج وأغلبهم كان لم ينم منذ قرابة 24 ساعة، وسار على الأقدام 12 كلم صياحا نحو عرفات من جهة، ولكبر الفوج الذي أصبح فيه الكل يريد أن يؤطر السير، فاختلط الحابل بالنابل، من جهة أخرى.

الجمرات..الرعب يغيّر المواقيت
وصلنا مخيمات منى قبيل الفجر، مع أن السنة تقتضي أن لا تتم مغادرة مزدلفة إلا مع شروق الشمس.. بعد الصلاة، أخذنا قسطا من الراحة، وشرعنا في السؤال عن موعد ذهاب الفوج إلى جسر الجمرات من أجل رمي جمرة العقبة التي يخشاها الجميع بالنظر إلى حادثة منى التي توفي فيها المئات الموسم الماضي إثر تزاحم شديد في الطريق نحو جسر الجمرات ذلك أن الرجم يوم العيد يتم وفق المذاهب الأربعة في ذات الوقت بدءا من الشروق إلى غاية ما قبل الزوال، مع أن لجنة الفتوى “شرّعت” للحجاج الجزائريين الرمي من الفجر، ومنهم من “وسّع” الفتوى على نفسه وتوجه للرمي بمجرد وصوله إلى منى حتى قبل الفجر.
نحن أيضا وحتى أهلنا بالجزائر كنا متخوفين من جمرة العقبة، لكن صبرنا نفذ من طول الانتظار، فقررنا الذهاب بمفردنا، توكلنا على الله وانطلقنا نحو جسر الجمرات.. زحام شديد على الطريق لكن الكل حذر، وحتى مصالح الأمن السعودية أخذت كل احتياطاتها وسيّرت الحشود بشكل سهلت فيه علينا وعلى كل الحجاج “المهمة”.. وصلنا الجسر الذي يقع على بعد نحو 1.8 كلم من خيمتنا، رمينا جمرة العقبة، وعدنا من مسلك آخر على مسافة أطول تقارب 03 كلم ذلك أنه يمنع على الحاج العودة من نفس الطريق حتى لا تتقاطع الحشود الداخلة للجسر والخارجة منه، وهو ما كان يسبب كوارث في سنوات خلت.
تصادفت عودتنا إلى الخيمة وخروج فوجنا نحو جسر الجمرات مرفوقا بمرشدي الوكالة، الذين لم يستحسنوا كثيرا ذهابنا بمفردنا إلى الرجم، لكنهم لم يعربوا لنا عن ذلك صراحة عكس ما فعلته حاجة رفضنا مرافقتها لنا للرجم، ولم تتفهم أن ذلك نابع من خشيتنا عليها وتجنبنا تحمل مسؤولية ما قد يحدث لها في “يوم حشر” كهذا.
“يوم الحشر” مر بسلام، لكن في اليوم الموالي، انتشرت إشاعات بوجود تزاحم في جسر الجمرات، ولأن “الإشاعة أكثر قابلية للتصديق” وفق خبراء الاتصال، انتشرت كالنار في الهشيم وسط الحجاج، ومنهم من “ضخمها” وشرع في الحديث عن خمسة قتلى، فعشرة فمائة، وتوقفت “البورصة” عند 150 من بينهم جزائريون، سارعنا للاتصال هاتفيا بمسؤولي البعثة الجزائرية للتأكد من الخبر، لا أحد يرد، خرجنا متوجهين إلى “الخيمة الرسمية” علنا نطمئن ونطمئن من معنا وعائلاتنا في الجزائر التي بدأت تصلها الإشاعة وبدأت الهواتف ترن دون توقف، لم نجد أحدا قبالتنا إلا عناصر الحماية المدنية، من يعرفنا يتجنب إفادتنا بأي معلومة، ويوجهنا إلى “المسؤولين المخول لهم التصريح”، أين نجدهم؟ لا أحد يعلم، ولم نجد الجواب الشافي إلا لدى عناصر من الحماية المدنية لا يعرفون أننا صحافيين، أكدوا لنا أنهم عادوا لتوهم من جسر الجمرات وأنه حدث تزاحم فعلا، لتفضيل أغلب الحجاج الرجم بعد العصر، وأن مصالح الأمن السعودية تدخلت فورا وأعادت الأمور إلى نصابها.
جمرة العقبة كانت البداية، إذ ذهب عنا الروع وواصلنا ذهابنا بمفردنا إلى الرجم طيلة أيام التشريق التي كنا فيها من المتأخرين، وكنا نفضل الانطلاق نحو جسر الجمرات مباشرة بعد صلاة الظهر عملا بمبدأ “أول الأوقات أفضلها”، بينما ينتظر الفوج إلى غاية ما بعد العصر، ولئلا يغضب منا مرشدو الوكالة حاولنا مرافقة الفوج في آخر يوم الذي قرروا أن يتم فيه الرجم بعد الزوال من أجل العودة إلى مكة، لكننا لم نتمكن لوتيرة سيره البطيئة جدا تحت أشعة الشمس الحارقة، فتسللنا رويدا رويدا إلى أن انسحبنا نهائيا وسبقناه إلى الرجم..

العائـــدة من البقــــــــــــاع المقدســـة
خديجـــة كرجاني

….يتبع

شاهد أيضاً

” دورات الميــاه المدرسيــة ليسـت للاستعمــال الآدمــي”

نقابــــــات وأوليـــــــــاء التلاميــــــذ يعبــــــرون عن استيائهــــــم مديــــــــــرو ابتدائيــــــــــات يستولــــــــــون على أدوات التنظيـــــــف تحمّل كل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *