الرئيسية / روبورتاج / ماذا بقي من حج زمان في حج هذه الأيام؟

ماذا بقي من حج زمان في حج هذه الأيام؟

تيسيرات لجنة الفتوى لا تنتهي على حساب سنة الحبيب المصطفى

انقضى قبل أيام قليلة موسم الحج وعاد “ضيوف الرحمان” إلى أهاليهم وذويهم من الأراضي المقدسة حاملين معهم لقب “حاج”، لكن هل كل من قدم إلى الحج حج فعلا، وماذا بقي من حج زمان في حج هذه الأعوام، مع “التيسيرات” التي “توفرها” لجنة الفتوى على مستوى وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، و«الراحة” التي يضمنها ديوان الحج والعمرة للحجاج حتى في المشاعر والتي جعلت البعض يقضى وقفة عرفات نائما على “الصوفا باد” داخل “الخيم الألمانية” التي لم يكف الديوان عن الافتخار بها هذا الموسم؟

دخول البقاع المقدسة عبر المدينة المنورة يختلف كثيرا عن دخولها من جدة، ذلك أن المدينة لا تتطلب إحراما، يصل الحجاج إليها وكأنهم وصلوا إلى أي مدينة في العالم سافروا إليها، لا يميزهم سوى اللباس الأبيض الذي يرتديه أغلبهم، يتمون الإجراءات في المطارات بعد تدافع وغضب ومشادات، في الغالب فيما بينهم لأن السعوديين المتواجدون في المطارات لا يأبهون لاحتجاجاتهم، ولا يردون عليهم إطلاقا.

نفس الصورة تتكرر في الفنادق قبيل استلامهم مفاتيح الغرف، أو بعد دخولهم إليها واكتشافهم أنها لا تتوافق وما رسموه لها في مخيلاتهم..يرتفع صوت المؤذن مناديا للصلاة، حينها فقد يتذكر الحجاج الجزائريون أنهم في مدينة رسول الله وأن عليهم بالسكينة..يسارعون للسؤال عن الوجهة للحرم المدني، يتجهون للصلاة، ويعودون للفندق ليواصلوا “المعركة” مع الإطعام الذي وفرته البعثة الجزائرية هذه السنة في ثاني تجربة لها يشهد الكثير لها بالتحسن بالنظر إلى العام الماضي، لكن الجزائريين “لا يعجبهم العجب”، إذ تجد هذا يحتج على نوعية الطعام، وذاك على الكمية، وثالث على الذوق، لكنهم في النهاية كلهم يأكلون.

”معــــارك” فــــــي الروضـة، والمواقع التاريخيــة الدينية لتسهيل الحمل
بعد يومين، يبدأ الحجاج في السؤال عن روضة الحبيب المصطفى وقبره، يتجهون إليها، يصلّون، ويعودون ليتباهوا على بعضهم كيف أنهم استطاعوا مزاحمة الكل والوصول إلى الصف الأول والصلاة عشرات الركعات بينما المئات ينتظرون دورهم في الخارج.ولأنهم علموا ممن سبقوهم لزيارة البقاع المقدسة أن السلع التجارية بـ«طيبة” أرخس مما هي عليه في مكة المكرمة، يشرعون في اقتناء الهدايا منذ الأسبوع الأول لوصولهم البقاع المقدسة، وهو ما يلهيهم أحيانا حتى عن الصلاة في الحرم المدني التي تعادل ألف صلاة في ما عداه.
خلال مكوثه بالمدينة، يؤخذ الحاج لزيارة المواقع الدينية التاريخية، كمسجد “قباء” وهو أول مسجد بني في الإسلام، ويقول فيه الرسول الكريم: “من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة”، ومسجد “القبلتين” الذي تحولت فيه القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، بعد أن نزل على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قوله تعالي: “قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره”، وجبل أحد ومقبرة شهداء الغزوة التي هزم فيها المسلمون، والتي يرقد بها نحو 70 شهيدا من بينهم “حمزة” عم الرسول الكريم. لكن رغم ما لهذه الأماكن من روحانية وقدسية، تجد الحجاج عامة والجزائريين بشكل خاص، قد حوّلوها إلى مكان للتسوق، إذ يشترون من هناك على الخصوص أعشابا أغلبها موجه لتسهيل الحمل، كـ “كف مريم”، “عشبة المدينة”، و«عشبة بن علي اليماني”، ومع أن النساء اللواتي يبعن هذه الأعشاب يستغلين موسم الحج لمضاعفة ثمنها، إلا أن الحجاج الجزائريين يؤكدون أنها –إن وجدت- تباع في الجزائر من طرف “السلفيين” الذين أصبحوا يبيعون حتى ماء زمزم، بأسعار خيالية، وقليلون فقط من يهتمون بالأهمية التاريخية لهذه الأماكن.

ناسكون لا يعرفون المناسك
بعد ستة أيام، يحين موعد التوجه إلى مكة المكرمة، وتبدأ تساؤلات الحجاج عن مناسك العمرة والحج، وقد تفاجأنا أن الكثير من الحجاج لا يعرف مبادئ الحج، وتساءلنا عن جدوى الحملة التي “شنها” ديوان الحج والعمرة، لشرح المناسك لـ«الناسك”، ووجد الأئمة أنفسهم في مواجهة “جهل” كبير لأركان وسنن وواجبات الركن الخامس من أركان الإسلام، ودون كلل أو ملل يشرحون ويكررون الشرح مرات ومرات..في أثناء هذا الشرح لاحظنا “تسهيلات” كثيرة يقدمونها لـ«ضيوف الرحمان”، ففي مرحلة الانتقال من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، ينصحونهم بالاغتسال للإحرام في الفنادق، وإبقاء النية فقط لغاية الوصول إلى الميقات الذي هو من المدينة “ذي الحذيفة” أو “أبيار علي”، مع أن السنة هي الاغتسال وعقد النية والإحرام من الميقات لا قبله، حجة الأئمة –ومن ورائهم لجنة الفتوى- في ذلك أن الحجاج كثر، والوقت لا يسمح، والمكان –لكثرتهم- لم يعد نظيفا، لكن ما وجدناه غير ذلك تماما، إذ صادف وصولنا “أبيار علي” تواجد حجاج قلائل من دول أخرى، ما مكننا من الاغتسال وعقد النية والإحرام متمتعين بالعمرة إلى الحج، بينما أخذ أغلب الحجاج برأي الأئمة، ومع هذا مكثنا بالمكان أكثر من ساعة استغرقها الحجاج في الوضوء والصلاة ركعتي الإحرام فقط.
صعدنا الحافلات، وبدأت التلبية، لكنها لم تستغرق غير فترة قصيرة، يصمت الكل لحظات، ثم يتذكر أحدهم أن تكرار التلبية سنة، فيصدح: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”، يكررها نحو عشر مرات، ثم يخفت صوته، يأخذ المشعل آخر، وهكذا، لكن المسافة بين المدينة ومكة طويلة (450 كلم)، ومنهكة في حافلات كراسيها ضيقة، والحجاج متاعهم كثيرة، لذا ينقضي نصف الطريق تقريبا صمتا ونوما.
الحافلة تقترب من الحرم..الكل يستيقظ، الأعناق تشرئب متجهة إلى النوافذ علها تلمح “البيت العتيق”، ويصدح الجميع بالتلبية من جديد، هذه المرة بصوت واحد ترتعد له الحافلة وتقشعر له الأبدان..ها قد وصلنا “أم القرى”..

صـــــورة مــــــكـــررة
تتجه بنا الحافلة نحو الفندق، تتكرر عملية توزيع الحجاج على الغرف، وإن ليس بنفس “نسبة الفوضى”، ذلك أن الوكالة التي سافرنا معها حافظت على نفس توزيع الحجاج على الغرف في المدينة بمكة، وما كان من أعوانها سوى تسليم المفاتيح، وما كان من الحجاج -الذين أحرموا كلهم بعمرة- إلا أن أخذ كل منه متاعه، وأوصله إلى غرفته.
الغرف لم تكن في نفس الصورة التي وضعها لها الحجاج في مخيلاتهم، وكان ممثل الوكالة قد أعدنا نفسيا بأن قال لنا ذات ليلة بينما نحن على مائدة العشاء في المدينة المنورة: “هذا التقلاش (الدلال) لن تجدوه في مكة”، وهو ما كان فعلا، كثير من الحجاج اشتكوا من ضيق الفندق، واحتواء غرفه على حمامات “أمريكية” ليس بها مغطس، وغياب الإنترنيت، ما يصعب عليهم الاتصال “مجانا” بعائلاتهم، لكن سرعان ما تعايشوا مع الوضع، وبعد أدائهم العمرة، تحللوا من إحرامهم، وصار قليل منهم يذهب إلى الحرم للصلاة بينما يفضل كثيرون الصلاة في مسجد قريب من الفندق الواقع بشارع “أجياد” غير البعيد عن الحرم لكنه كله عبارة عن “هضبة” اشتكى حتى الشباب منها، فما بالك بـ«الشياب”؟

حـــــان مـــوعـــد الجــــــد..
اقترب الثامن من ذي الحجة، ولم يكن الإمام الذي رافقنا قد كف عن تقديم محاضرات ساهم فيها الشيخ سعيد بويزي الذي جاء ضمن الفوج حاجا لكنه تطوع للمساهمة في تقديم النصح والإرشاد للحجاج بأسلوب هادئ، ارتاح له الكل.
كل مساء عند الخامسة، محاضرة “مختلطة” في مطعم الفندق، يحضرها الكثير من الحجاج، ويتفاعلون مع الشيخين ويطرحون كل ما جال في خواطرهم من أسئلة، ويجيب الشيخان بصدر رحب، وييسران على”ضيوف الرحمان” في كل ما اشتبه عليهم، يعرضان على الحجاج خيارات كثيرة في تأدية المناسك، كالمبيت في منى يوم التروية ومن ثم التوجه إلى عرفات بعد شروق شمس التاسع من ذي الحجة سيرا على الأقدام إتيانا للسنة كاملة، أو الذهاب مباشرة إلى عرفات في ذات اليوم (الثامن من ذي الحجة)، ويشيران في معرض محاضراتهما إلى أن لجنة الفتوى بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، رخصت للنساء والعاجزين والكبار في السن التوجه مباشرة إلى عرفات، لكن في ذات الوقت تجد القائمين على الوكالة يعدون قائمتين إحداهما لمن يريد الذهاب سيرا على الأقدام إلى منى يوم التروية ثم عرفات في اليوم الموالي، والثانية لمن يفضل أن “يحرق” يوم التروية ويتجه مباشرة إلى عرفات، تاركين الخيار كاملا للحجاج، فكان أن قرر بعض الشباب كاملي القوة البدنية أن يكونوا ضمن العجزة والعاجزين، بينما تفاجأنا بأن نساء مسنات أردن أن يكن ضمن السائرين على الأقدام، ورغم “تخويفات” القائمين على الوكالة والإمام، إلا أن هناك منهن من قررت إتمام “المغامرة” إلى الآخر.
في الثامن من ذي الحجة، وعلى عكس الحجاج المسافرين مع البعثة الجزائرية للحج دون تأطير من أي وكالة سياحية، تفاجأنا بأن الحافلات كلها ستذهب إلى منى، فرحنا كثيرا لأن ذلك يعني أننا “تخلصنا” من سبعة كيلومترات كنا سنمشيها على الأقدام رفقة الفريق الذي قرر أن يأتي السنة كاملة.
وصلنا منى، خيمة النساء امتلأت عن آخرها، لكن سرعان ما فرغت في الواحدة من صباح التاسع من ذي الحجة، بعد أن استقدمت الحافلات، ونقلت من شاء إلى عرفات، بينما سرنا نحن على الأقدام رفقة مجموعة من الرجال والنساء، شبابا وشيابا مسافة نحو 12 كلم على الأقدام باتجاه عرفات، وعكس التخويفات التي زرعها ديوان الحج وممثلوه ضمن البعثة الجزائرية في النفوس بشأن احتمال عدم الوصول عند الزوال، مشينا ببطء أحيانا ومسرعين قليلا أحيانا أخرى، وقبل العاشرة كنا في خيمتنا بعرفات..

….يتبع

شاهد أيضاً

” دورات الميــاه المدرسيــة ليسـت للاستعمــال الآدمــي”

نقابــــــات وأوليـــــــــاء التلاميــــــذ يعبــــــرون عن استيائهــــــم مديــــــــــرو ابتدائيــــــــــات يستولــــــــــون على أدوات التنظيـــــــف تحمّل كل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *