الرئيسية / الحدث / “ما حدث بعد مؤتمر الصومام كان منافيا تماما لمبادئه”

“ما حدث بعد مؤتمر الصومام كان منافيا تماما لمبادئه”

قال إن هجومات الشمال القسنطيني هي المنعرج الحقيقي للثورة، الباحث في التاريخ منتصر أوبترون:

يتحدث الباحث في التاريخ، منتصر أوبترون، في هذا الحوار بإسهاب عن الوزن الحقيقي لمؤتمر الصومام الذي يؤكد أنه خرج بوثيقة “بسيطة” سرعان ما حاد عنها القادة أنفسهم في الذكرى الأولى لانعقاد المؤتمر، ويكشف أن الخلافات –وإن تم تجاوزها لإنجاح المؤتمر- ظهرت تبعاتها بعده، ووصلت أقصاها بتصفية عبان رمضان الذي يوصف بأنه “مهندس مؤتمر الصومام”.

“وقت الجزائر”: اتهامات كثيرة كيلت لعبان رمضان، من بينها محاولته السيطرة على مؤتمر الصومام، ولكن في النهاية كثيرا من الأبحاث والدراسات كشفت أنه عرف كيف يمرّر ما كان يخطط له بموافقة المؤتمرين وليس دون رضاهم.
منتصر أوبترون: في المسألة كلام، فقد كان هناك اتفاق بين عبان وبن مهيدي حول مسائل سياسية. ما هو مؤكد، هو أن الستة المؤتمِرين (بن مهيدي رئيسا، عبان مقررا، كريم ممثلا للولاية الثالثة، أوعمران عن الولاية الرابعة وكل من زيغود يوسف ولخضر بن طوبال عن الولاية الثانية) توجد إمضاءاتهم على ورقة في تقرير المؤتمر، وافترقوا يوم 15 سبتمبر.
من بين النقاط التي وقع فيها انتقاد كبير الخلاف بين عبان وبن مهيدي وقادة الولاية الثانية زيغود وبن طوبال، حول هجومات الشمال القسنطيني، حيث اعتبرها عبان غير نافعة وذات حصيلة ثقيلة، ولا تخدم الثورة، في حين أكد قادة الولاية الثانية أن العملية كانت ناجحة وأنه كان لزاما أن يلتحم الشعب بالجيش ليحتضن الشعب الثورة.
أما المسألة الثانية فقد كانت قضية كوموندو علي خوجة، حيث أدانه عبان، لقتله مجندين بساكامودي، معتبرا أنه لا يخدم الثورة وينزع عنها التعاطف. لكن اوعمران دافع عن علي خوجة، كما أثيرت قضية “عيون داغن” أو وادي اميزور، وهي عملية تصفية سكان، نساء وأطفال وشيوخ، نفذها في أفريل 1956 فاضل حميمي، تحت إمرة عميروش، وطالب كل من عبان، بن مهيدي، زيغود وبن طوبال بمحاكمة عميروش لكن كريم دافع عنه، وتمت كتابة أرضية الصومام التي كان محرروها الحقيقيون –قبل المؤتمر- هم كل عمر أوزقان، أمين عام سابق للحزب الشيوعي الجزائري، وعلي بومنجل الذي اغتيل خلال ما يسمى “معركة الجزائر”.
وفي 23 سبتمبر 2001، وبمناسبة استشهاد زيغود يوسف، أعلن بن طوبال وهو في كامل قواه العقلية: “لم نكن متفقين خلال مؤتمر الصومام”، كما أن إقحام المركزيين في الثورة وكذا أنصار “الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لم يحْظَ بالإجماع، وكانت تلك فكرة عبان، كما ان عدم اعتراض زيغود على التقسيم الجديد، بضم سطيف إلى الولاية الثالثة، كان من باب التنازل من أجل الوصول إلى وفاق أعم. وهو ما يفسر عدم تعيين زيغود في لجنة التنسيق والتنفيذ، وقد تم تعيين بن خدة فيها إلى جانب سعد دحلب، وهما مركزيان كانا غائبين عن المؤتمر.

عرف عبان كيف يفرض سيطرته بذكاء، على الكل، بدليل مسألة جعل العاصمة “منطقة مستقلة” واختلاف الرؤى بين قادة منطقة القبائل وقادة العاصمة، وعندما أحيل الأمر للتصويت وافقت الأغلبية على مقترح عبان؟
نعم، ليس عبان وحده من فرض سيطرته، بجعل العاصمة منطقة مستقلة، بل إن بن مهيدي فعل الأمر نفسه، إلى درجة أن قادة الشمال القسنطيني استاءوا أكثر من بن مهيدي، عندما حدثت ملاسنات بينهم وبين عبان. وقال بن طوبال إن مردّ لومهم بن مهيدي أنه كان مسؤولا عليهم.

ماذا كانت تبعات الانتقادات التي وجهها بعض القادة لعبان قبيل المؤتمر؟، ألم يكونوا قادرين على أن يواجهوه بها، وهو الذي كان يواجه الكل بكل ما يفكر فيه، ولا يهمه رد فعل أي كان؟
التبعات ظهرت مباشرة بعد ذلك، خصوصا بعد استشهاد زيغود في 23 سبتمبر 1956، عندما كان في طريقه إلى الأوراس، محاولا حل الأزمة العميقة في تلك المنطقة، ولم يتم حلها، وقامت معارضة كبيرة لمؤتمر الصومام، ما جعل مجموعة من الأوراسيين والنمامشة يتجهون إلى تونس، لعقد مؤتمر آخر في بداية 1957، ليلقى عليهم القبض، على رأسهم عباس لغرور الذي سجن بتونس ثم حكم عليه بالإعدام وقتل مع رفاقه الأوراسيين بأمر من لجنة التنفيذ والتنسيق في 25 جويلية (بدون بن مهيدي الذي كان قد استشهد في بداية مارس).
واحتدمت الصراعات إلى حد تصفية عبان نفسه في 27 ديسمبر 1957 بتيطوان، وكانت عملية القرصنة الفرنسية، باختطاف طائرة قادة الآفلان في الخارج قد عملت على التقليل من التوتر، ووصل الحال إلى درجة ان بعث بن بلة برسالة إلى قادة الثورة، بعد اغتيال عبان رمضان، يهنئهم فيها قائلا ان “الثورة تطهر نفسها من الجراثيم”.
وتواصلت انعكاسات مؤتمر الصومام خلال تشكيل الحكومة المؤقتة، التي تزعمها فرحات عباس، ثم المركزي بن يوسف بن خدة، ودارت هذه الصراعات بتأثيرات كل من عبد الناصر وبورقيبة، وكان إعدام عباس لغرور أيضا بسبب مساندته لبن يوسف، احد معارضي بورقيبة وأحد المحسوبين على عبد الناصر. ثم بعدها محاولة الانقلاب على الحكومة المؤقتة، وإعدام العقداء لعموري ونواورة وعواشرية.

“لماذا عيّن بن بولعيد في المجلس الوطني للثورة المنبثق عن مؤتمر الصومام مع أن الكل يعلم أنه كان قد استشهد؟”

من خلال ما كتب أن شقيق بن بولعيد أراد خداع عبان ومن خلاله كافة قادة الثورة، كيف كان مصيره، وهل تضمنت نتائج التحقيق الذي أمر به عبان بشأن حادثة استشهاد بن بولعيد مصطفى، ما يدين شقيقه في الجريمة ولو من بعيد؟
شقيق بن بولعيد، عمر، لم يشأ أن يخدع عبان رمضان، لكنه التقى هذا الأخير وكريم بلقاسم، واقترح نفسه بديلا لأخيه، ولم يكن يحظى بإجماع قادة مناطق الولاية الأولى، كما أن عميروش خلال مهمته في الولاية الأولى لم يكن محايدا بما فيه الكفاية، ما أدى إلى محاولة اغتيال نائب بن بولعيد، عاجل عجول، الذي نجا من التصفية وسلم نفسه للسلطات الفرنسية.
أما عن قضية استشهاد بن بولعيد بجهاز الراديو المفخخ في 26 مارس 1956، فإن الإشكال يبقى مطروحا في تعيينه كعضو في المجلس الوطني للثورة المنبثق عن المؤتمر رغم علم الجميع ان بن بولعيد كان قد استشهد. أما تقرير عميروش، الذي يحمّل عاجل عجول مسؤولية قتل بن بولعيد، فإنها رواية لم تقنع قادة الولايات، بالخصوص الولاية الثانية، وأكد علي كافي –وهو احد المشاركين في المؤتمر- هذا الكلام، كما يؤكد الطاهر زبيري في كتابه، -وهو الذي فرّ مع بن بولعيد من سجن الكدية في نوفمبر 1955- أن هذه الرواية غير مقنعة.

“عميروش كان مطيعا لكريم بلقاسم الذي قام بالتغطية عليه، فلم يحاسب على جريمة وادي أميزور”

كيف تلقى عميروش الانتقادات بشأن حادثة عين داغن؟
كان عميروش تحت إمرة كريم بلقاسم، برتبة نقيب، لم يكن من المؤتمرين ولكنه كان مسؤولا عن الأمن خلال انعقاد المؤتمر، واغتاظ من عبان لكنه لم يقم بأي تصرف ضده، فقد كان مطيعا لكريم بلقاسم الذي قام بالتغطية عليه، فلم يحاسب على جريمة عين داغن (جريمة وادي آميزور).

لماذا كل هذا التحامل على الوفد الخارجي؟، وماذا كان رد فعله بعد توقفه في ليبيا وعدم تمكنه من دخول الجزائر، هل كان هذا بسبق إصرار وترصد من عبان، لأنه من غير المعقول أن يطلب من الوفد التوجه –بعد إيطاليا- إلى ليبيا وهو غير متأكد من إمكانية إدخاله إلى الجزائر وإيصاله إلى مكان انعقاد المؤتمر.
إن التحامل على ما يسمى “الوفد الخارجي” سببه أن عبان رمضان لم يكن يرغب حقيقة في مشاركته، سيما وأن تبني مبدأ أولوية الداخل على الخارج هو في حد ذاته إقصاء لهم، وكان عبان قد نسق عملية الاتصالات والمفاوضات مع فرنسا، سيما وأن الوضعية تطورت بعد أحداث 20 أوت 1955، باستقالة المنتخبين الجزائريين، كما تم في بداية 1956 تكوين الاتحــــــــاد العــام للعمال الجزائريين، وإقحام منظمة الطلــــــبة، وإنشاء الاتحاد العام للتجار الجزائريين.
من جهة أخرى، تراجعت السلطات الفرنسية بعد انتخابات جانفي 1956 عن الخطة المنديزية، وعجز الاشتراكي غي مولي عن تنصيب الجنرال كاترو كحاكم عام على الجزائر، حيث رشقه غلاة الجزائر الفرنسية بالطماطم في فيفري 1956، ما أضعف إمكانية الوصول إلى حل توافقي، وجعل قادة الصومام
-بن مهيدي خصوصا- مبــــاشرة بعد المؤتمر، يطلقون عمليات وضع القنابل في الأماكن العامة، في سبتمبر 1956، ما أدى إلى القمع الواسع المسمى “معركة الجزائر”، والتي كان نتيجتها هروب عبان وكريم من الجزائر إلى الخارج.
أما الوفد الخارجي، فكان يتهم عبان بالتراجع وبأنه حاد عن بيان أول نوفمبر، وبأنه تنكر لمبدأ جمهورية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية الواردة في البيان.

“بن بلة بعث برسالة إلى قادة الثورة، بعد اغتيال عبان رمضان، يهنئهم فيها قائلا (الثورة تطهر نفسها من الجراثيم)”.

لماذا تصور كتب التاريخ -المدرسية خاصة- مؤتمر الصومام على أنه كان مرحلة مفصلية في تاريخ الثورة، بينما يرى بعض المهتمين بالتاريخ –من بينهم أنتم- أنه لا يعدو أن يكون اجتماعا عاديا لنفر من الأشخاص؟.
لأن التاريخ لم يكتب، وحتى أحداث أول نوفمبر مضخمة، لأن العمليات –عدا الأوراس- كانت ارتجالية من الناحية العسكرية وفاشلة، لكن المهم فيها كان الصدى النفسي، والإيذان بانطلاق العمل المسلح. صحيح ان وثيقة الصومام تعتبر أرضية جميلة وحاملة لنوايا حسنة، لكن أغلب ما حدث بعد المؤتمر كان منافٍيا تماما لمبادئه، من اغتيالات وتصفيات، أي عكس مضمون تلك الوثيقة.
اجتماع الصومام حدث لا هو مفصلي ولا هو متعرج في تاريخ الثورة، إنه اجتماع جاء كمحاولة لتنظيم الكفاح المسلح، وكان مقررا ان يُجرى اجتماع تقييمي وتنظيمي للثورة قبل خروج عبان من السجن، حيث اتفق القادة الستة عندما وضعوا اللمسات الأخيرة لنداء أول نوفمبر –ان يكون لقاء لقادة المناطق بعد 3 أشهر من اندلاع الثورة الذي تقرر في الفاتح نوفمبر 1954 وكانت الأوراس فقط من ضمن أنها يمكن أن تصمد لحوالي سنة، في انتظار أن يتم تنظيم باقي المناطق وتسليحها، انطلق كل قائد إلى منطقته ليعدها للمؤتمر الذي غابت عنه وغابت الولاية الأولى والوفد الخارجي، وحتى الولاية الخامسة، برغم حضور العربي بن مهيدي الذي أصبح مسؤولا في العاصمة، ولم يكن ممثلو الخامسة على علم.
وكان الوفد الخارجي الذي بدأ –بطلب من عبان- لقاءات تفاوض مع السلطة الفرنسية، قد أبدى موافقته للمشاركة وقبل اقتراح عبان لإدخالهم عن طريق البحر من سان ريمون في ايطاليا ثم ليبيا، لكن تم تركهم في الأخير دون ان يتمكنوا من المشاركة. ويقول سعد دحلب مازحا “إن عبان قد أخذهم في جولة بحرية”.
الخلاصة أن الوثيقة كان نصها بسيطا، مثل بساطة بيان أول نوفمبر، سيما وأنها نصوص ولدت في أوضاع متأزمة جدا، فقدر الجزائر أن ثورة أول نوفمبر انطلقت في وقت احتدمت فيه أزمة الحركة الوطنية ووصلت إلى أوجها، كما استقلت الجزائر في صائفة شهدت أزمة وحربا أهلية.
ويبقى 20 أوت 1955 هو الانطلاقـة الحقيقية للثورة بمعناها الشعبي، باتفاق المؤرخين، حيث خرجت جموع مواطنين من كــــــل الفئات من ضمنهم حتى نساء.. يؤطرهم جنود جيش التحرير، هاجموا مراكز استعمارية عسكرية ومدنية، وتم قمع تلك الهجومات واستشهد خلالها قرابة 15 ألفا. وتراجع الاستعمار عن سياسة الاحتواء والإدماج، أما “الصومام” فقد أفضى إلى وثيقة تضمنت تقسيم القطر إلى ولايات، كما حددت الرتب والمهام في جيش التحرير وبعض الإجراءات لتفادي أخطاء، منها استعمال السلاح الأبيض والقتل بعد محاكمة، ووضع مبدأي وأولوية السياسي على العسكري والداخل على الخارج، لكن كل هذه المقررات لم تكن سوى حبرا على ورق، فقد تواصلت الإعدامات بعد ذلك، كما تم التراجع عن المبدأين الأولين بعد خروج عبان وكريم إلى الخارج، وفي الذكرى الأولى للمؤتمر تقررت تنحية المركزي بن يوسف بن خدة وسعد دحلب من لجنة التنفيذ والتنسيق، وترك عبان وحده وعزل تدريجيا، إلى أن تمت تصفيته نهائيا في 27 ديسمبر بتيطوان المغربية…

حاورته/ خديجة كرجاني

شاهد أيضاً

قيادة الجيش تدعو إلى إنجاح الرئاسيـــــات

أكدت أنها اتخذت كافة الإجراءات لذلك دعت وزارة الدفاع الوطني كافة المواطنين الغيورين على وطنهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *