أخبار عاجلة

متاهة الأردنيين بين المفكر والسياسي

بعد أن تقدم بمشروع تخير له تسمية “النهضة” بدون أن يوضح مصادر تمويله أو ملامحه الأساسية، بدأ رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز يستدير تجاه الشعب الأردني، الذي استقبل بكثير من الفتور إعلانه التلفزيوني، الذي حمل مبالغة درامية كبيرة، وأعلن وجود فئة خطرة في المجتمع الأردني، تعتبر الأكبر، ووصفها بفاقدي الأمل محذراً بالطبع من إنتاج فكر عبثي عدمي يعطل مسيرته.

سامح المحاريق المواطن الأردني، كأي مواطن عربي، يميل للتدين، ويعتبر أن للحياة بشكل عام، وكل تفاصيلها مهما بدت صغيرة، غاية وتدبيرا وحكمة، فالخوف من السقوط في العبثية والعدمية، لا يعتبر إلا استعراضاً بلاغياً لا يتقبله الأردنيون ولا يستسيغونه، وهو أحد منتجات جلسات الثقافة والتثاقف، التي عادة ما أنتجت مصطلحات لا تحظى بسمعة طيبة لدى الأردنيين، إلا أنها تشكل توجهاً جديداً، بعد أن استهلك الأردنيون قدراً كبيراً من مصطلحات الصالونات السياسية التي كانت من مخرجات حفلات العشاء في المزارع التي تجمع النخبة، وتعتبر ظاهرة في المشرق العربي، الذي يفتقد للبنى السياسية والحزبية التي يمكن أن تنتج ثقافتها السياسية. بالطبع لم يستقبل الأردنيون تصريحات الرزاز، التي أتت أيضاً بطريقة مختلفة، إذ اتخذ دور الحكيم المنظّر، بينما وزير الثقافة المكلف حديثاً محمد أبو رمان يحاوره بطريقة الندوات الثقافية الاعتيادية، وبين الغضب والسخرية توزعت ردود أفعال الأردنيين، ولم تخرج غزوة الرئيس الفكرية بأي نتائج، ولم يتحرك منسوب الأمل المتواضع جداً بمقدار حبة خردل. كغيره أيضاً من الشعوب العربية، وتحت تأثير الربيع العربي، أخذ الشعب الأردني يألف بعض المصطلحات السياسية والاقتصادية، نتيجة فيض التبريرات الذي أطلقه الإعلام، سواء وهو ينحاز للثورات من مبدأ اتقاء الموجة وحفظ خط الرجعة، أو وهو ينقض عليها من منطلق وأد الفتنة، ولذلك أتى مشروع النهضة ليستقبل بصورة تفتقد للجدية، نظراً لأن الإعلام الحكومي الأردني نفسه يروج لحتمية مشروع ضريبة جديد، يضحي بأي آمال لتحريك الاقتصاد من أجل معالجة المديونية المتضخمة، وكل ما أورده الرزاز يحتاج تمويلاً كبيراً لم يتطرق لشرح مصادره، خاصة أن الأردن يفتقد للموارد الكبيرة التي يمكن تسييلها لمصلحة تمويل طموحاته الكبيرة. يتضح، وبدون الحاجة لكثير من الذكاء والفطنة، أن مشروع الرزاز لا يعدو في جوهره إلا شراء للوقت، ووثيقة تضاف لكثيرات وجدت أماكنها في ركن قصي من الأرشيف بجانب الأجندة الوطنية، التي افتتحت عصراً من الوثائق الحكومية التي أسرفت في وعود لم تتحقق، ومن الصعب تحقيقها في ظل الأوضاع القائمة. تصنيف المجتمع في حد ذاته مسألة على قدر كبير من الخطورة، ففكرة التصنيف في حد ذاتها تفترض أن ينقسم المجتمع مع الوقت إلى معسكرات، وأن يتبنى كل معسكر مجموعة من التصورات التي تترجم نفسها في صورة مبادئ ومصالح، ويستغرب أن ينساق رئيس الوزراء، الذي ينسب لنفسه خلفية فكرية، وإن بدت مضطربة وغير واضحة، وراء التصنيف، وإذا كان يعرف كارثية العبثية والعدمية عندما تجد مكاناً لدى الشعوب، كما حدث بالنسبة للألمان في نهاية القرن التاسع عشر، فالأولى، أن يكون حذراً لدى استخدام التصنيفات، لأنه سيحرك أولاً المنتفعين ليستحوذوا على الموقع الأكثر اتساقاً وتجاوباً مع المشروع الحكومي، وثانياً، سيؤدي إلى استفزاز أصحاب الطروحات المعارضة، ليتخذوا لأنفسهم وصفاً أتاحته الحكومة ببساطة أمامهم، بعد أن كانوا في مرحلة ما مجرد أطياف موزعة بين اليمين واليسار. توجد حالة من الاستمراء لدى المسؤولين العرب في استخدام التوصيفات التي تمس شعوبهم، ففي العادة لا يشعر المسؤول العربي بأنه مدين للمواطنين بأي شيء في مسيرته، التي تتخذ هويتها في العادة داخل شركات القطاع الخاص، أو من خلال المنظومة الحكومية، أو في المنظمات الدولية، كما هي الحال مع الرئيس الرزاز، وبالتالي، فحساباته السياسية تتحيز لسيرته الذاتية قبل أن تنصرف للتعامل مع بيئة سياسية يمكن أن تعاقب المسؤول بعزله واستبعاده في الامتحانات الانتخابية، وطالما أن الرئيس في تجربته لم يتمكن من خوض أي اختبار انتخابي حقيقي، فحساسيته تجاه استرضاء أو استثارة الجمهور السياسي تبقى ضعيفة وقليلة المرونة. حسناً، يمكن أن تدرس حالة عامة للمفكر أو الشخص الذي يصنف نفسه مفكراً، لأن هذه الصفة تحديداً عائمة ومموهة، في دخول السلطة في العالم العربي، ويمكن لدارسي العلوم السياسية أن يتقدموا بتجربة الرزاز، الذي تخير دائماً أن يدخل في نصه وخطابه مصطلحات فكرية وثقافية، بجانب تجربة الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، وإلى حد ما تجربتي برهان غليون وعبد الباسط سيدا وهيثم مناع من المعارضة السياسية، وجميعها تجارب غير مشجعة، وفق تعريف ما هي السياسة بوصفها فناً براغماتياً يتعلق بإدارة السلطة والحكم. بأكثر من ذلك، يجب عدم التوقف أمام تصريحات كثيرة للرئيس الرزاز الذي يحاول مراودة الأمل للأردنيين، بينما يدفعهم في كل مرة لاستنزاف جديد من زوادة آمالهم المتواضعة، كما يراه جزء كبير من الأردنيين الذين انتشوا بتجربة الدوار الرابع اللافتة في رمضان الفائت، تعبيراً عن خيبة الأمل في التغيير، والرئيس الذي كان يعتقد المقربون منه أنه محبوب وقريب من الشارع، لدماثة خلقه وأدبه في التعامل، وهذه أوصاف حقيقية، يفتقد لكاريزما السياسي صاحب الرؤية، الذي يجب أن يتحرك وأن يلتحم مع أفعاله بأكثر مما يزجي الوقت في الحديث، خاصة إذا كانت نوعية حديثه غير مفهومة من قبل الجمهور السياسي. الرئيس غير محظوظ، لعل شيئاً من هذا القبيل، يمكن أن يضاف إلى مشكلته في التواصل مع الأردنيين، فالأزمات التي شهدتها الأسابيع الأخيرة وضعت العديد من الملفات الساخنة دفعة واحدة أمامه، والإمكانيات المحدودة بحوزته جعلته يستعمل تعبيراً مجازياً غير موفق حول الطائرة الخربة التي يقودها، علماً بأن الطيار المسؤول عليه أن يرفض من حيث المبدأ أن يقلع بمثل هذه النوعية من الطائرات، ويستغرب الأردنيون، على الرغم من ذاكرة السمكة التي يشتركون فيها مع كثير من الشعوب العربية، أن تكون هذه الطائرة الخربة والمعطلة تقريباً قادرة على التحليق بارتفاع مشروع النهضة الذي طرحه الرئيس قبل فترة وجيزة، وإذ يبدي الأردنيون ويصرحون ويعلنون ويصرخون بأنهم بالفعل فقدوا الأمل، فإن الخطوة الأولى تكون بإقناعهم عملياً بوجود فسحة للأمل، وهذه مسألة تتطلب أدلة وبراهين، أما الكلمات، المكتوبة والملفوظة، فالأردنيون متخمون بما حصلوا عليه في السنوات الأخيرة، ويحتاجون خطوات على الأرض بشكل سريع وعاجل حتى لو كانت هذه الخطوات بسيطة وضئيلة الأثر.

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *