مدن على أعشاش العقارب!

القاتل منها يمس 18 ولاية ولا برامج جدية لحماية سكانها

لم تنتبه الجزائر وهي تشيّد مدنا بأكملها أنها تستوطن مملكة العقارب، مستعمرة أعشاشها دون أي حماية على مستوى النمط العمراني الذي لا يصدّ تسلل هذه الحيوانات القاتلة العصيّة حتى على الإشعاعات النووية، وعلى مدار عقود لم ترفق هذه المشاريع الضخمة بإستراتيجية للحد من خطرها كبرامج موجهة لمكافحة انتشارها خاصة أن الحرب على العقارب التي وجدت قبل ملايين السنين لن تكون سهلة ولا ظرفية ولا يمكن الاكتفاء بالطرق التقليدية التي بالكاد تؤدي الهدف منها لمجابهة الموت المحقق .

أكثر من 50 ألف لسعة تسجّل سنويا مسببة أزيد من 60 وفاة

لسعة واحدة منها كفيلة بإرباك جسد المصاب والتأثير على وظائف أعضائه، بدءا بالحمى فالتقيؤ ثم التعرّق والإعياء وصولا إلى تعطّل أداء القلب بعد تراجع تدريجي في دقاته ليجد المعني نفسه مشلولا عاجزا عن الحركة في أقل من ساعة من الزمن وأخيرا الموت المؤكد …إنها العقارب القاتلة التي تتكاثر على مستوى 18 ولاية عبر الوطن وأضحت في السنوات الأخيرة تعيش جنبا إلى جنب مع الجزائريين داخل منازلهم لدرجة لم يعد المصل المعطل لفعالية السم العقربي كافيا لحماية الضحايا من خطرها، سيما أن الكثيرين لن يبلغوا المراكز الاستشفائية في الوقت المناسب وبالأخص الأطفال الذين تنخفض لديهم المدة إلى أقل من نصف ساعة وهم أكثر الفئات تعرضا للدغاتها بنسبة تصل إلى 82 بالمائة حسب إحصائيات مخبر باستور الذي وقف عاجزا أمام إصرار الكثيرين على اتّباع معتقدات أقرب إلى الشعوذة منها إلى التداوي التقليدي لإنقاذ حياة المصاب وتجاهل دور المصل كحل وحيد لتعطيل فعالية هذا السم القاتل .

أكثر من 25 ألف لدغة سجلت داخل المنازل

لم تعد العقارب السامة تأوي إلى الصخور بحثا عن الرطوبة كما كانت عليه فيما مضى، بعدما وجدت لها أماكن أكثر إنعاشا تستوفي فيها الشروط التي تقضي كل حياتها بحثا عنها، فزحفت إلى المنازل التي شيدت أصلا فوق أعشاشها كما هو الحال في ورقلة والقرارة بغرداية وحاسي دلاعة بالأغواط وتيوت بعين الصفراء بالنعامة، وغيرها من المدن الكثيرة التي استوطنت الجحيم دون أي استراتيجية لمجابهة هذا الخطر الذي لم تتعد مواجهته مجرد حقن المصاب بالمصل وفقط، في حين لا تزال عوامل انتشاره ثابتة ولا تزال منازل الجزائريين قبلة هذه الحيوانات المنتمية إلى فصيلة العنكبوتيات، بحيث تسببت خلال هذه الصائفة فقط بلسع أكثر من 25 ألف شخص داخل منازلهم ابتداء من السادسة مساء حتى فجر اليوم الموالي . وأعدت الجزائر خريطة انتشار السم العقربي والتي تضم تقريبا كل ولايات الجزائر ولكنها صنفت 18 منها ضمن الخانة الحمراء لكون العقارب المنتشرة بها قاتلة على عكس أخرى ومنها العقرب المتمركز ببوزريعة والمصنف بأنه سام لكنه غير قاتل، وصنفت الخريطة كل من أدرار، بسكرة، الجلفة، الوادي، المسيلة، ورقلة بكونها أكثر المناطق تعرّضا للسم العقربي والمودية بأصحابها إلى الموت المحقق إذا لم يتم التكفل بهم في أسرع وقت، إضافة إلى تمنراست، تيارت، المدية، البيض، النعامة وغرداية، ومعها كل من خنشلة، البويرة، بجاية، تبسة، سطيف ومعسكر، ويمكن أن نعثر على هذا العقرب السام في مناطق أخرى من الوطن ولكن بدرجة أقل، في وقت تنتشر أنواع أخرى في المناطق المتبقية وهي أقل سمية ولا تؤدي لدغاتها إلى الموت .

معتقدات خاطئة تعطل أداء الأطباء

كثيرة هي الإسعافات التي يلجأ إليها المصابون بلدغات العقارب لمعالجة آثارها، وكلها خاطئة حسب رأي مخبر باستور باستثناء الحقن بالمصل المعطل لفعالية السم، ومع ذلك يصر الكثيرون على اتّباع بعض الطقوس الغريبة للقضاء على السم، تتعزز أكثر في المناطق التي لا ينتشر فيها العقرب القاتل اعتقادا منهم أن طريقتهم كللت بالنجاح، وجهلهم بالأنواع وبخطورة البعض منها أودى بحياة الكثيرين إلى الآن، فمنهم من يستعمل الخل أو بعض الأعشاب الصحراوية كعشبة الرمد، وهناك البعض الآخر يستعمل غاز البوتان لتجميد السم وآخرون يعمدون إلى امتصاص ما يحسبونه سمّا بعد إحداث جرح بموقع اللدغة وأيضا الاكتفاء بالرقية وأحيانا أخرى الاستسلام إلى طقوس من الشعوذة وسلوكات أخرى خطيرة حذر منها معهد باستور الذي نفى وجود أي عقار أو مبيد لمكافحة التسممات العقربية ولا حتى مجرد التخلص من هذا الحيوان، حيث تبقى أحسن وسيلة للوقاية منه من خلال تحسيس المواطنين بخطورة العقرب الذي بالكاد يعرفه الجزائريون رغم أنهم يعيشون في مناطق انتشاره ويمارسون معه سلوكات غريبة كما حدث لامرأة من المسيلة والتي عملت على إرضاع أحد العقارب بأن سقته ببعض من حليبها حتى لا يؤذي ابنها الذي أصبح أخا له في الرضاعة، وهو ما لم يحدث، فقد لدغ الرضيع الذي مات بعد ربع ساعة فقط من الحادثة .  وفي هذا الإطار، شدد المعهد على ضرورة تربية الحيوانات الأليفة مثل الدجاج والقطط مع تنظيم دروس مدرسية لتلاميذ  مناطق الهضاب العليا والجنوب، وإذا كان سكان المناطق التي ينتشر فيها العقرب معرضين إلى لسعات هذا الحيوان  طوال أيام السنة، فينبغي الانتباه أكثر خلال شهر جويلية لأن الإصابات تبلغ أوجها، سيما بين الساعة السادسة مساء إلى غاية السادسة صباحا، حيث تشتد درجة الحرارة خلال هذا الشهر من السنة مما يدفع بالعقرب إلى البحث عن الرطوبة داخل المنازل. وأكد الأطباء على ضرورة نقل المصاب إلى المراكز الاستشفائية قبل الساعات الثلاث الأولى للإصابة وتحسيس أولئك الذين يعيشون في مناطق تواجده بضرورة تلقي المصل في أقرب وقت ومنع وقوع مآسي كالتي حدثت مع عروس تعرّضت للدغة، فخجلت من الإفصاح، مفضلة مواصلة عرسها قبل أن تقع وتلفظ أنفاسها بعدها، وهو عكس ما وقع لامرأة حامل من بسكرة وأخرى من المسيلة واللتين تم إنقاذ حياتهما رغم خطورة الحالة التي بلغتاها .

60  وفاة سنويا والسلطات المحلية في قفص الاتهام

تسلط الأضواء دائما على القطاع الصحي مع كل لدغة عقرب تودي بحياة شخص، وتكال الاتهامات له مع حملات فايسبوكية مشحونة بالانتقادات تزداد وطأتها مع كل وفاة تسجل على غرار الحملة التي أعقبت وفاة الدكتورة عويسات ومعها طفل من ورقلة، وهي حملات بقدر ما تجبر القطاع الصحي على تحمل كامل مسؤولياته بقدر ما تتغاضى عن نقائص كثيرة سببت المشكل قبل وقوع الحادثة أصلا، حيث أجمع كثير من الخبراء على أن يوميات الجزائريين والنمط العمراني والتقصير المسجل بالنسبة للسلطات المحلية في توفير أساسيات العيش ساهمت في خلق بيئة ملائمة لتكاثر العقرب، وهي محاور أساسية ركز عليها معهد باستور في حملاته التحسيسية بلغت درجة اللجوء إلى الأئمة لتوعية المواطنين والسلطات المحلية بضرورة التكاتف لمنع زحف العقارب على المنازل التي سجل بها أكثر من نصف عدد اللدغات المسجلة هذا العام و البالغة إلى الآن 50 ألف لدغة . وكانت اللجنة الوطنية للوقاية من لسعات العقارب بوزارة الصحة قد دعت إلى تنظيف محيط المنازل من خلال إبعاد  النفايات المنزلية عن الأحياء السكنية بمناطق الجنوب والهضاب العليا، إلى جانب عمليات التحسيس، والتي اعتبرتها أحسن وسيلة للوقاية من لسعات العقارب التي تودي بحياة 60 شخصا سنويا بالجزائر، مع العمل على توفير الإنارة العمومية وتزفيت الطرق والأرصفة بالإضافة إلى تشجيع عمليات الجمع من طرف ·الجمعيات للتخفيض من تكاثر هذا الحيوان، وقد ذهب كثيرون إلى ضرورة إخضاع الجمعيات النشطة في هذا المجال إلى تكوين لمعرفة أنواع العقارب وكيفية التقاطها لإنقاص عددها في أسرع وقت خاصة أن الأنثى تضع أسبوعيا خلال شهر أفريل قرابة 120 صغير .

مضاعفة إنتاج المصل المضاد لاستيعاب الاحتياجات

تسارع السلطات الوصية إلى إنتــــاج كميات كبيرة من المصل المـــضاد للسم العقربي بسبب ازدياد الطلب عليــــه والذي لا يزال يشغل بال القاطنـــين بالجنوب بشكـــل كبير رغم الجهود التي بذلتها الجزائر منذ التسعينات لوضع حد لهذا الخطر، إلا أن لسعات العقارب حافظت على عددها الذي يتراوح بين 50 إلى 60 ألف لسعة سنويا، واضطــــر معهد باستور إلى مضاعفة عدد القــــارورات الموزعة على المناطق المتضررة إلى أكثر من احتياجاتها، كما حــدث لمنطقـــة برج باجي مختار التي تحتل صدارة المناطق المعــــرضة للسعات العقرب القاتل  بأن مكنتها من 200 قارورة فـ 620 رغم أنها لا تحتاج إلا لـ 80 قـــارورة، ونفس الشيء بالنسبة للمنطقة السوداء الأخرى المعروفة حاسي دلاعة ومناطق أخرى . ويعمد المخبر سنويا على إنتاج آلاف القــــارورات، ولم يتم تسجـــيل نقص فيها إلى عام 2013، أين اضـطرت الجزائر إلى استيراده من المكسيـــك التي تعاني هي الأخـــرى من أنواع عقارب أخرى قاتـــــلة .

حسيبة. ب

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *