الرئيسية / أقلام / مزاعــم إنقــــاذ البشريــــة بــــين المنـــاخ والسياســــة

مزاعــم إنقــــاذ البشريــــة بــــين المنـــاخ والسياســــة

توصلت قرابة 200 دولة إلى اتفاق وصف بالتاريخي بشأن المناخ في باريس وقد تواترت الأنباء عن تصريحات متفائلة لقادة عالميين مثل الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي قال إن الاتفاق قد يشكل «منعطفاً» للعالم وأنه يمثل «أفضل فرصة لدينا لإنقاذ كوكب الأرض»، فيما اعتبره رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي «انتصاراً للعدالة»، ولكنه أشار إلى أنه «لم يسفر عن أطراف فائزة ولا خاسرة».
العرب كانوا حاضرين بالطبع، وكافحت بعض حكومات بلدانهم، كالسعودية مثلا، ضغوطاً كبيرة للموافقة على التزام اتفاق بتسعير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو المادة الأساسية المسؤولة، حسب العلماء، عن ارتفاع درجة حرارة الأرض، وهو ما كان سيرتّب على هذه الدول أكلافاً مالية للتعويض عن مساهمتها في تلك الانبعاثات، وهي حسبة غير عادلة لأن المسؤول عن الانبعاثات هو الحضارة الصناعية التي بدأت في أوروبا قبل قرون.
وإذا كان حضور العرب (وغير العرب) لهذا المؤتمر يعكس بعضا من إحساس حكومات العالم بفظاعة الكارثة المتصاعدة التأثير عالميا، والتي تنعكس حالياً بزيادة الأعاصير والجفاف والتصحر وظهور أوبئة جديدة وارتفاع مد البحار الذي يهدد بإغراق جزر وأجزاء كبيرة من اليابسة، فإن الخطوة هذه قد تكون متأخرة، ناهيك عن أن القوى النافذة في العالم، من حكومات جائرة وشركات متعددة الجنسيات ستعمل ما في وسعها لإبطاء هذا الاتفاق أو عدم تنفيذ أركانه الأساسية في استهتار مرعب بمصير أبنائهم والأجيال القادمة والبشرية عموما.
كان يمكن للقارئ الموضوعي لما يحصل في العالم أن يتفاءل أكثر لو أن حكومات العالم تلتزم سياسات حوكمة رشيدة تراعي شؤون سكانها وجيرانها، ناهيك عن مزاعم الحفاظ على شؤون البشرية والكوكب المهددين، غير أن ما يجري على سطح الأرض مذهل في ابتعاده عن هذا السياق المتفائل، فالحكومات النافذة في العالم ما تزال تتسابق على تكديس الأسلحة النووية وعلى معالجة النزاعات بالقوة العارية وبتعزيز الانشطارات الدينية والمذهبية والقومية وتشجيع الأيديولوجيات المتطرّفة بزعم محاربتها.
يحاول المواطن العربي البسيط أن يفهم هذه الدوّامة الهائلة التي وُجد فيها، فبات مطارداً في أمنه واستقراره ورزقه ودينه وثقافته، فلا يني يزداد حيرة وتيهاً وخوفاً على مصيره ومستقبل أبنائه من بعده، وتحتار حكوماته معه، فلا هي قادرة على مجاراة مطالب الواقعية السياسية الدولية التي تنصح بالتداول السلميّ للسلطات وخضوعها لمحاسبة مؤسسات التشريع والقضاء، ولا هي قادرة على الاعتماد على أساليبها الاستبدادية القديمة التي باتت عبئاً عليها وعلى شعوبها.
يقدم كتاب صدر في ثمانينات القرن العشرين عنوانه الفرعي «كيف نغير طريقة تفكيرنا لنحمي مستقبلنا» تفسيراً مقنعاً لكون الإنسان غير قادر على استيعاب التطوّرات الكبرى المسؤول عنها ويعيد ذلك إلى أن عقله وجهازه العصبي لم يعد متلائما مع واقع عالمنا المعاصر اليوم ويكشف الكتاب بذلك أسباب تأثر البشر بأحداث تؤدي إلى مقتل العشرات وعدم اهتمامه بما قد يؤدي إلى إبادة البشرية كلها، فهو يتأثر بهجوم إرهابي قد يؤدي لمقتل العشرات أو المئات لكنه لا يتأثر بالانفجار السكاني ومخزون الأسلحة النووية والعجوزات الفلكية في ميزانيات الدول وبتخلف التعليم وتدهور البيئة التي يتوقف عليها وجودنا ذاته.
العقل البشري الحالي، بحسب الكتاب، لا يتأثر إلا بالتغيّرات المثيرة بحيث نحس ببدايات الوقائع ونهاياتها أكثر من إحساسنا بالتغيرات الوسطية كبيرة كانت أم صغيرة.
كل ما يجري في بلداننا العربية وفي العالم اليوم ينطق بهذه الحالة، من فلسطين وسوريا والعراق إلى روسيا والصين وأمريكا والهند، فقد تحوّل موت مئات الآلاف (بل الملايين) إلى خبر إحصائيّ لا يهمّ أحداً، وصارت عظمة الأمم وحضاراتها تقاس بآلاف القنابل النووية القادرة على تدمير الكوكب الذي نعيش فيه مئات المرات، واستفحل تغوّل حلف الحكومات والشركات وقدرتها على تغيير ما نأكل ونشرب ونتداوى ونصدّق ونحيا ونموت.
كي نفهم هذا الحلف المقدس بين ظواهر سياسية مثل الاستبداد و«الإرهاب» والعنصرية، وأمثلتها الفاقعة مثل دونالد ترامب وماري لوبن و»داعش» وبوتين والأسد ونتنياهو، علينا أن نسائل قدراتنا على فهم الكارثة المناخية الكبرى التي صنعها الإنسان ولم يعد قادراً على حلّها.
القدس العربي

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *