الرئيسية / أقلام / مستقبل فلسطين يملكه المتمسكون بأهداف التحرير والعودة

مستقبل فلسطين يملكه المتمسكون بأهداف التحرير والعودة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهووس بالصفقات والبيع والشراء، وصاحب باع طويل في الابتزاز وانتزاع الحقوق المشروعة من يد أصحابها، وممن يستعرضون قوتهم بطرق استعلائية بدائية؛ متناقضة مع المبادئ والقيم الإنسانية السامية. ومنذ أن حل على البيت الأبيض، وصفقات المال والبيع والشراء أثيرة إلى نفسه.

 ولكونه وضع نصب عينيه نهب وتبديد الثروات العربية وعوائد النفط السعودية والخليجية؛ بمشاركة الدولة الصهيونية، التي تجد تشجيعاً من “الصهاينة العرب والمسلمين”، ومقابَلة ذلك بصمت مطبق من القاهرة الرسمية؛ بحواشيها وهوامشها.. أي جهد لدى ترامب له مقابل مالي، والدفع مقدماً، ولا يشغل نفسه بالمصالح التي تقوم عليها العلاقات الإقليمية والدولية.. ولا يتورع عن إهانة حلفائه وأتباعه، ومع ذلك يحصل منهم على ما يريد.. كل شيء لديه بالثمن الذي يحدده، وليس بسعر السوق والقيمة التجارية.. وأسوأ مُخْرَجات عصره هي النظرة، التي لا تخرج عن دور المرابي الجشع، وانتهت بابتداع “حل تجاري” لقضية فلسطين؛ يصفيها ويبيع أنقاضها، ثم يعطيها كاملة عربوناً لعلاقة حميمية بالدولة الصهيونية، وبتوابعها العنصرية، وبكل طاقتها على مصادرة الحقوق المشروعة للأفراد والجماعات والشعوب.. وحتى الحلول المرحلية التي أقرها “المجتمع الدولي” داسها ترامب بنعاله، ودون أن يأذن له أحد عرض فلسطين في سوق النخاسة.. وأوكل مهمة البيع والوساطة لصهره “جاريد كوشنر”.. ويبذل المرء جهداً عندما يسعى في البحث عن حالات شبيهة في التاريخ، لبيع أو تنازل عن أرض دولة لدولة أخرى؛ حتى لو كانت مفروضة عنوة؛ كالدولة الصهيونية. ووجدنا فرقاً بين ما حدث من تفريط وتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير؛ مقارنة بما هو جار بالنسبة لفلسطين، فالجزيرتان ذهبتا بتواطؤ رسمي، وتهافت رئاسي على المال، ورغبة سعودية محمومة في دفع مصر الرسمية للقيام بدور محامي الشيطان وعراب الثورة المضادة، فرفعت يدها عن الجزيرتين، ونقلت ولايتها للسعودية، وبعد أن كانت الجزيرتان في النطاق الجغرافي المصري، وداخل مياهه الإقليمية جاء نقلها للسعودية تحقيقاً لأُمنية صهيونية كبرى بتحويل مياه العقبة إلى مياه دولية تسمح للقطع البحرية والسفن الحربية الصهيونية بأن تصول وتجول في خليج العقبة والبحر الأحمر، وهذا على الرغم من صدور حكم المحكمة الإدارية العليا النهائي، والبات والواجب النفاذ؛ ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية في يناير 2017… ونَصَّ الحكم على أن الجزيرتين هما ضمن الإقليم المصري وخاضعتان للسيادة المصرية، وتم الضرب بذلك عرض الحائط، ولم ينفذ حكم المحكمة؛ صاحبة اختصاص بالمنازعات الحكومية، وتم حرمان القاضي الجليل يحيى الدكروري، الذي أصدر أول حكم بمصرية تيران وصنافير؛ حرمانه من حقه المهني والدستوري في رئاسة مجلس القضاء الأعلى، ووصف الدكروري في طعنه ضد قرار رئيس الجمهورية: “تعيين زميل أحدث مني لرئاسة المجلس متخطياً لي؛ سابقة لم تحدث منذ ما يزيد على 70 عاماً، دون مبرر واضح أو مقتضى مقبول بالمخالفة لقاعدة الأقدمية التي استقام عليها التنظيم القضائي، وهَدْمها يؤثر على حسن سير العدالة”. وعلى كل حال فقضية الجزيرتين ما زالت عالقة ومنزوية إلى حين. والمثال الآخر أقدم زمنياً في القرن التاسع عشر؛ حين باعت القيصرية الروسية إقليم ألاسكا للولايات المتحدة الأمريكية، وكانت قد وضعت يدها عليها مع بدء وصول التجار الروس إلى سواحلها، وبقيت ردحاً من الزمن في حوزة هؤلاء التجار، إلى انتقالها إلى القيصرية الروسية رسمياً عام 1799، وتأسست لذلك شركة روسية أمريكية؛ احتكرت النشاط الاقتصادي في ألاسكا، وبعد هزيمة روسيا في حرب القرم على يد تحالف بريطاني فرنسي عثماني، وضِمْنَه مملكة سردينيا؛ فيما بين أعوام 1853 1856؛ بعدها سعت الولايات المتحدة لشراء الأراضي الروسية في أمريكا الشمالية. وأشارت التقديرات وقتها إلى ارتفاع تكلفة تأمين وحماية ذلك إقليم ألاسكا؛ النائي والمترامي الأطراف، بشكل يفوق المكاسب المتوقعة.. ولم تكن تقديرات دقيقة، واكتُشِفت بعد فوات الأوان.. وتأتي مشكلة ندرة السكان الروس في تلك المساحة الشاسعة من الأراضي، وكانوا لا يتعدون 25 ألف نسمة، و60 ألف نسمة أخرى من الهنود الحمر والأسكيمو. وذلك العدد المحدود من السكان الروس لم يسمح بالاستقرار، ولم يكن أي من الطرفين، البائع والمشترى، سعيداً بذلك، فضلًا عن شكوك ساورت روسيا القيصرية في نوايا بريطانيا التوسعية؛ انطلاقاً من مستعمرتها في كندا، واحتمال تعرض أراضي ألاسكا للغزو، بجانب انتشار أخبار عن القيصر ألكسندر الثاني تعزو البيع إلى حاجته لتسديد ديون اقترضها من الولايات المتحدة. خرجت ألاسكا من سيطرة القيصرية الروسية منذ ستينيات القرن التاسع عشر، وفشلت جهود استعادتها مرة أخرى. واعتُبِرت “الصفقة التجارية الأسوأ في التاريخ”. وتتغير الأحوال بعد اكتشاف مناجم الذهب، وحصدت الولايات المتحدة كثيراً من المكاسب الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية منها، ولم تجن روسيا من وراء البيع سوى المرارة التاريخية المستمرة، ومبلغ 7 ملايين و200 ألف دولار ذهباً. والنموذجان؛ التفريط الحكومي المصري، وعدم التوفيق الروسي، مغايران تماماً لإحداثيات “صفقة القرن” الجاري تنفيذها حالياً.. فالنموذج الحكومي المصري اعتمد على المعتاد من الخداع والدعاية الفارغة، التي لا تصمد أمام حكم المحكمة الإدارية العليا؛ النهائي والبات والواجب النفاذ؛ والحكم البات هو عنوان الحقيقة، بلغة فقهاء القانون، ومن الموقع تحوله إلى سلاح في يد أجيال جديدة؛ تشهره حين تتمكن من البحث في خفايا هذه المرحلة.. وأدت العوامل المُعَطِّلة في المثال الروسي؛ كبُعد المسافة، وندرة السكان، وشح المعلومات، وأثر الهزيمة العسكرية؛ إلى تغليب قرار البيع وقبول ذلك الثمن البخس. ووضع فلسطين مختلف؛ كقضية شعب اقتلع من أرض ليست نائية، وشعبها عريق وجزء من كتلة بشرية وحضارية تقع في قلب العالم القديم؛ ومن أهم روافده الحضارية؛ لأكثر من أربعة آلاف سنة، ولم تكن أرضاً بلا شعب؛ حسب زعم الأساطير الصهيونية، وشعبها شريك أصيل في بناء الحضارات الإنسانية منذ القدم، وفي نكبته الراهنة لا يكل من العمل على تحرير أرضه المغتصبة، ولديه قدرة فائقة على مقاومة الاحتلال، وسوف يتحرر إذا واتته الفرصة، وبوادر ذلك بادية في الأفق؛ اعتدال موازين، وتغييرات متسارعة بين القوى الداخلية والإقليمية والعالمية. ومع ذلك، إنطلقت الأبواق الداعية لقبول صفقة القرن؛ من وزراء ومسؤولين من البحرين، ومن العراب “جاريد كوشنر” الذي دخل السياسة، من باب انتمائه للحركة الصهيونية، وبتأثير والد زوجته إيفانكا ترامب، الذي اعتنق المسيحية الصهيونية مبكراً؛ وانضم إليهم سعد الدين إبراهيم رئيس مركز بن خلدون البحثي بالقاهرة؛ كلهم يطلبون القبول بالصفقة ومنحها فرصة!!. وإذا ما أدت الانهيارات الحالية إلى ابتلاع ما تبقى من فلسطين، فهناك ملايين تعيش داخل فلسطين المحتلة وفي الشتات، والتفوق العددي في صالحهم في المدى المنظور؛ بعد توقف الهجرات اليهودية الكبرى القادمة من خارج فلسطين، واكتمال تهجير اليهود الروس، وإتمام تهريب يهود الفلاشا الإثيوبية. وليس من المتصور بقاء الأوضاع العربية على حالها الراهن؛ وتكفي استفزازات ترامب لتحريك الجبال، وهو يُعتبر عنواناً لهوان المرحلة، ورمزاً للغدر العنصري، وله فوائد أهمها تحييد الدور الخليجي من قوته الوحيدة، وهي المال، ومسؤوليته عن تبديده ونهبه لحسابه، واعتقد أنه يعي ذلك. وإذا حُيِّد المال انطلق التحرر، واعتدلت البوصلة في اتجاه القدس وفلسطين، وصوب كل شبر محتل من “القارة العربية”.

محمد عبد الحكم دياب/ كاتب مصري

عن Wakteldjazair

شاهد أيضاً

الحوثيون والتحالف العقائدي والسياسي مع طهران

ينظر حسين بدر الحوثي إلى زعيم الثورة الاسلامية في إيران الخميني، على أنه «مثل أعلى»، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *