معامـلات تـــجارية، زواج، وسمـسرة داخــــــل المقاهــــي

أخذت حيّز الأرصفة، وباتت مصدر قلق للمارّة 

لا يخلو حي ولا قرية ولا حتى شارع صغير، من مقهى شعبي يجتمع فيه أصحاب الحي أو المارة لشرب كوب قهوة ‘’بيان سيري’’، والحديث عن كل شيء من الظروف المعيشية، السياسة، الحرڤة والفيزا وخاصة الرياضة… هو ما يدور في مقاهينا اليوم والتي أصبحت متنفّس شباب بطّال يقضي معظم وقته بمقاهي تحوّلت إلى أماكن لـ”التمنشير” والاشتغال بهموم الآخرين، وسط تذمر واستياء من المواطن بعد أن حوّل رواد هذه المقاهي الأرصفة والساحات العمومية إلى مكان لشرب قهوتهم طوال اليوم  .

المارّ من أمام مقاهينا الشعبية يلحظ الفوضى العارمة التي تعمّ المقهى والذي غالبا ما تميزه رائحة الدخان الذي يملأ المكان، زيادة على الأصوات المرتفعة للاعبي ‘’الدومينو’’ وغيرها من الألعاب الشعبية الأخرى، ممزوجة بضجيج مختلف الأحاديث والنقاشات التي تدور بين مرتادي المقاهي الذين لا يفوّتون فرصة للحديث عن موضوع الساعة خصوصا إذا ما تعلّق بجديد كرة القدم ومختلف الأندية المحبوبة عند الشباب، وحتى ما تعلّق بجديد فلان وفلان أو ما تلبسه فتاة مارة بالقرب من المقهى، ناهيك عن الكلام البذيء الذي يلحق مسامع المارة ويسئ للكثيرات من الجنس اللطيف عادة، حيث تتضاعف أعداد هؤلاء في فصل الشتاء أين تكتظ المقاهي عن آخرها ويمتد تواجد الزبائن إلى أواخر النهار.

مقاهٍ تحتلّ كامل الرصيف

تجدهم يشغلون كامل أماكن المقهى وعادة ما يحتلون مساحة كبيرة من الرصيف والشارع  المجاور محوّلين إياه إلى مكان لتجمع الكثيرين بطاولات وكراسي تعرقل مرور المارة أضف إليها مختلف الأحاديث الجانبية التي تصدر من شباب بطّال فضّل المكوث طويلا لسد الفراغ الذي يعيشونه، حيث أصبح المقهى لدى الكثيرين بمثابة البيت الثاني الذي يلجأ إليه في وقت فراغه أو بالأحرى طيلة اليوم.وفي ذات السياق أكد لنا الكثير من الشباب أن ارتشاف فنجان قهوة “بيان دوزي” مع قراءة الجريدة لا يحلو إلا في المقهى ولا طعم له في البيت، كما أضاف آخرون أنهم يفضلون قهوة المقهى لما لها من خاصية التركيز مقارنة بقهوة المنازل. وبالمقابل الكثيرون أصبحوا مدمنين على المقهى لا لشيء فقط لأنه أصبح المكان المفضّل للبحث عن جديد الأشخاص ومكان لنشر الإشاعات، فبعد أن كانت النميمة و”التمنشير” من اختصاص النساء أصبح الرجال أبطال في الاشتغال بالآخرين في المقاهي من خلال أحاديث لا تغني ولا تسمن من جوع عن نجاحات فلان والاستفسار عن مصدر ثروته  محاولين تبريرها بطرق غير شرعية، لينتقلوا بعدها إلى فقير تزوّج حديثا وأقام عرسا ضخما، متسائلين عن سرّ ذلك، وبالمقابل أشخاص آخرون منهمكون في لعبة “الدومين” لا يتدخلون إلا نادرا إذا تعلق بموضوع يفقهون فيه الكثير أو للضحك أحيانا عن بعض النكت، أو التعليق على إحدى المارات وإغداقها بالعبارات الرنانة، أين يفضل بعض الشباب الجلوس خارج المقهى في الطاولات التي اكتسحت الرصيف، معترضين بذلك طريق المارة ومطلقين العنان لتعليقاتهم الساخرة وكلامهم الذي يتراوح بين المعاكسة والمدح والكلام القبيح لفتيات مارات برؤوس مطأطأة أمام الحشد الكبير .

المقهى استوديو كرة، سياسة، سينما….

بالإضافة إلى خدمات تقديم القهوة والشاي ومختلف المشروبات، تحتوي الكثير من المقاهي على شاشات عملاقة توفّر لزبائنها خدمة مشاهدة مختلف المستجدات الحاصلة ومواكبة الأحداث من خلال النقل المباشر من مختلف القنوات المحلية والعالمية خصوصا ما تعلق بالرياضة ومختلف المواعيد الهامة، فيتحول المقهى ساعتها إلى المكان المميز لقضاء بعض الوقت في مشاهدة مباريات كرة القدم التي لا تحلو إلا بمشاركة أولاد الحومة أو لتبادل بعض الأفكار ومناقشة مختلف القضايا السياسية والاجتماعية حول مائدة صغيرة وفناجين قهوة مميزة فكثيرا ما تتحوّل نقاشاتهم تلك إلى جدال كلامي يجرّ إلى مناوشات بين متناقشين يختلفون في الآراء، مثل ما حدث مع أحدهم الذي تجادل مع صديق له بأحد المقاهي بالعاصمة عن طريقة لعب اللاعب الأرجنتيني ميسي، في إحدى مبارياته مع الفريق الإسباني برشلونة، أدّت إلى تدخل صاحب المقهى لفضّ النزاع .  كما تحول المقهى إلى عيادة نفسية يلجأ إليها الكثيرون من خلال عرض مشاكلهم ومعضلاتهم الاجتماعية والتي غالبا ما يجتهد الكثير من الأصدقاء في اقتراح حلول لها، كما يرى الكثير من المتزوجين في المقهى المكان المفضل للهروب من المشاكل العائلية ويتعمدون المكوث مطولا في المقهى، وفي السياق يقول “محمد” وهو متقاعد أنه يتفادى البقاء في المنزل كثيرا حتى لا يدخل في صراعات مع زوجته، ويقول إنه يبقى في المقهى طيلة الصباح ليقصد المنزل في الغداء ولا يرجع حتى وقتا متأخرا من الليل تفاديا لنكد زوجته المستمر. ..

ومكان لعقد الصفقات

“نلتقي في مقهى عمي موح على الساعة العاشرة”، أو “سأحضر لك المبلغ إلى المقهى الفلاني” أو نلتقي في المكان المعهود للتفاهم تعبيرا عن مقهى الحي، وغيرها من العبارات التي يتداولها الكثير من مرتادي المقاهي في بلادنا بعد أن صار المقهى بيتهم الثاني والمكان المفضل لمختلف تعاملاتهم اليومية ،والمكان المفضل لإبرام العقود وإجراء معاملات البيع والشراء وهنا يقول “جمال” وهو تاجر سيارات “أبيع مختلف سياراتي عن طريق مقهى الحي والذي أتفق فيه مع المشترين على الثمن وتخفيضات البيع ليتم بعدها التنقل لرؤية السيارة والتي عادة ما أحضرها إلى المقهى هي الأخرى حتى تتم المعاملة بالملموس وكثيرا ما أستلم المبالغ المالية وأسلّم المفاتيح لأصحابها في المقهى إذا كان المشتري من نفس الحي أو من حي مجاور”.

وسيلة لعموري

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *