الرئيسية / أقلام / مـاكـرون وزيمور: ذاكرة العار والإنكار

مـاكـرون وزيمور: ذاكرة العار والإنكار

اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمسؤولية الدولة الفرنسية عن وفاة المناضل الشيوعي الفرنسي موريس أودان (1932 ـ 1957) على يد الجيش الفرنسي، تحت التعذيب، خلال حملة 1957 ضد “جبهة التحرير الجزائرية”؛

قرار صائب أخلاقياً، أياً كانت دوافعه السياسية في المنظور الراهن، حين يعاني ماكرون من المستوى الأسوأ لشعبيته منذ انتخابه، وحين تتناهبه سلسلة مآزق إدارية واستقالات وزراء واستعصاء تدابير اقتصادية. الرواية الفرنسية الرسمية (الكاذبة)، التي تقول إن أودان فرّ أثناء نقله من معتقل إلى آخر واختفى منذئذ، ظلت معتمدة طيلة 61 سنة؛ وذلك رغم نفيها في اعترافات متأخرة لضباط فرنسيين كانوا في عداد الجلادين، وفي خلاصات باحثين ومؤرخين. وبهذا فإنّ خطوة ماكرون لا تقتصر على الإقرار بمسؤولية جيش الاحتلال الفرنسي عن مقتل أودان، بل تذهب أبعد وأعمق في الواقع: 1) أنّ الساسة في الجمعية الوطنية (برلمان فرنسا) هم الذين منحوا الجيش صلاحيات واسعة، وهم الذين أحلّوا العسكر محلّ الشرطة، وكان في عدادهم عدد من كبار الساسة الاشتراكيين واليساريين أيضاً؛ و2) أنّ هذا التفويض أرسى “نظاماً مشرّعاً”، نيابياً ثمّ حكومياً، لممارسة التعذيب. فإذا كانت الخطوة مفاجئة للبعض، من حيث التوقيت على الأقلّ، والطريقة الدراماتيكية التي انطوى عليها الإعلان عنها (زيارة ماكرون إلى دار أودان، والاعتذار من أرملته، وتسليمها نصّ إقرار المسؤولية خطياً)؛ فإنّ من غير المفاجئ أنّ الخطوة لم ترقْ لفرنسيين كثر، وليس في صفّ اليمين المتشدد كما تمثله مارين لوبين فحسب، بل لدى شرائح ليست محدودة من ممثلي الاجتماع الفرنسي المعاصر. ولعلّ المثال الأبرز يحتكره إريك زيمور، الصحافي والروائي وكاتب الأعمدة والمعلّق ذائع الصيت على وسائل الإعلام المسموعة والمرئية؛ الذي أدانه القضاء الفرنسي بجرم التلفظ بتعابير عنصرية ضدّ المهاجرين، والذي برّر قيام الشرطة بتدقيق هويات العرب والسود أكثر من سواهم، بالقول: “لأنّ الغالبية الساحقة من مهرّبي المخدرات هم من السود والعرب، وهذه حقيقة”. وأمّا التفصيل الأكثر إثارة حول شخصية زيمور، فهو أنه من أصول يهودية جزائرية، وكان ذات يوم قد تفاخر بأنّ أسلافه عاشوا بأمان مع العرب، طيلة 1000 سنة! اعتبر زيمور أنّ إقرار ماكرون بمسؤولية الدولة الفرنسية عن مقتل أودان خطوة “فاضحة”، بل “مهينة”، وذلك “لأنّ فرنسا لا تتحمل أية مسؤولية، فلم نرتكب أي سوء، وكان سلوك الجيش مشروعاً، وتوجب وضع حدّ لذلك الإرهاب غير المسبوق”؛ الذي انتمى إليه أودان أيضاً، من خلال تعاطفه مع “جبهة التحرير” الجزائرية. وإذْ يمنح زيمور نفسه حقّ النطق بالنيابة عن فرنسا بأسرها، حين يستخدم ضمير المتكلم بالجمع ويعلن عدم ارتكاب أيّ سوء؛ فإنه يتغافل، على النحو الأشدّ احتقاراً للتاريخ والعقل السليم، أنّ فرنسا تلك كانت دولة احتلال، وصاحبة مشروع استعماري إمبراطوري شائن، وأنها ارتكبت عشرات الفظائع والمجازر الجماعية التي منحت الجزائر صفة “بلد المليون شهيد”. وليس مدهشاً أنّ زيمور لا ينكر هذه الحقيقة ــ فهي أشدّ سطوعاً، ودموية، من أن تُنكر بالطبع ــ ولكنه، في المقابل، يرى أنّ اللعبة اقتضت تلك القواعد، ببساطة؛ وأنّ أشكال مقاومة الاحتلال، كافة، هي “إرهاب” بالضرورة، سوف يقابله “أداء” مشروع من جانب الجيش الفرنسي، بصرف النظر عن الأدوات والطرائق. وبين الإقرار بذاكرة العار من جانب ماكرون، وقبله جاك شيراك وفرنسوا هولاند بين رؤساء فرنسا؛ والإنكار، أو بالأحرى محاولة غسيل أية لطخة عار لحقت بذلك التاريخ، من جانب أمثال زيمور؛ ثمة ملفّ شائك عمره يتجاوز 120 سنة من تاريخ الاستعمار والمقاومة. ولعلّ مؤلفات بول أوساريس (1918 ــ 2013)، الجنرال الفرنسي وأحد كبار جلاّدي الشعب الجزائري، واحدة من الصفحات الأشدّ قتامة، وهمجية، في ذلك التاريخ؛ وكتابه جزء تكويني مؤسِّس من تاريخ ذلك السجلّ الأسود الذي دوّن أسوأ وقائع المشروع الاستعماري الفرنسي، ثمّ الغربي إجمالاً. ولقد استوت عنده تلك الاعترافات التي تخصّ تعذيب وتصفية المناضلين الجزائريين (العقيد العربي بن مهيدي، في المثال الشهير) خلال السنوات الأخيرة من عقود الاحتلال الفرنسي للجزائر؛ مع تلك الاعترافات التي تضيف المزيد من التفاصيل البشعة، أو تكشف النقاب عن “سكوب” جديد عرفنا له سوابق عتيقة كثيرة (كأن تكون الدولة الفرنسية قد دفعت، سنة 1977، عمولة لسمسار يقيم في بوليفيا، لقاء تسهيل صفقة أسلحة فرنسية للجيش النمساوي؛ رغم أنّ هوّيته الحقيقية كانت قد افتُضحت قبل سنوات، واتضح أنه الضابط النازيّ السابق كلاوس باربي!). وفي كلّ مرّة، إزاء كلّ اعتراف مقيت، يُثار التساؤل التلقائي: ولكن… أليست هذه فرنسا، بلد ثورة 1789، حاضنة مبادىء الحرّية والمساواة والإخاء، مهد حقوق الإنسان، ساحة الأنوار؟ هي هذه كلّها، لا ريب، ولكن… لم يكن السياسي الذي تغاضى عن جرائم أمثال أوساريس هو فرنسوا ميتيران نفسه: وزير العدل الفرنسي آنذاك، والزعيم الاشتراكي لاحقاً، وأوّل رئيس يساري في الجمهورية الخامسة. لا شرعة حقوق الإنسان نفعت، ولا فلسفة جان جوريس ملهم الاشتراكيين الفرنسيين لجمت، ولا بنود القانون ردعت؛ إقرار مرّة، وإنكار عشرات المرات!

 

صبحي حديدي/ كاتب سوري

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *