مُسنُّون ومشرّدون في مستشفى للمجانين!

أكثر من 50 حالة اجتماعية تقيم بمستشفى الأمراض العقلية بوادي العثمانية بميلة

«مستشفى الأمراض العقلية” أو “المجانين”، يُخيل لكل من يسمع بهذا الاسم، أن هذا المكان مخصص فقط للمجانين أو من يعانون من أمراض واضطرابات نفسية، إلا أن الواقع عكس ذلك، فمستشفى الأمراض العقلية بوادي العثمانية بولاية ميلة، يضم فيه “عقلاء”، من مسنين ومشردين، الذين لا مأوى لهم، ووجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها يتقاسمون أسرة مع المجانين. روبورتاج:صبرينة بن خريف مستشفى الأمراض العقلية يتحول إلى مأوى للعقلاء! هم عقلاء وضعوا في المكان الخطأ، في مستشفى الأمراض العقلية، حيث تم جلبهم من ديار الرحمة أو ديار العجزة، ليتخلصوا منهم، ليكتشف فيما بعد أنهم لا يعانون من أي مرض نفسي أو عقلي، ليتحول مستشفى الأمراض العقلية شعبان موسى، الذي به 220 سرير إلى مأوى للمتشردين والمسنين، بعد أن تخلصت منهم المراكز الخاصة بهم، ليجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها في مستشفى الأمراض النفسية، هذا الأخير الذي أصبح يعاني من اكتظاظ رهيب.

20 بالمائة من الحالات الاجتماعية تتقاسم أسرّة مع المجانين!

أكثر من 50 حالة اجتماعية تقيم في مستشفى الأمراض العقلية بوادي العثمانية بميلة، بينهم 36 رجال و23 نساء قادمين من مختلف ولايات الوطن، بينهم مسنين تم طردهم من دار المسنين، إلى جانب مشردين دون مأوى، تم جلبهم إلى هذا المستشفى ليتقاسموا أسرة مع المجانين، بعد أن وجدوا أنفسهم في الشارع. “وقت الجزائر” وخلال تنقلها إلى مستشفى الأمراض العقلية، شعبان موسى بوادي العثمانية ولاية ميلة، تفاجأت بوجود أشخاص عقلاء، لا يعانون من أي مرض نفسي أو عقلي، بعد أن تم جلبهم على أساس أنهم يحتاجون إلى معالجة نفسية، ليكتشف المشرفون في المصحة أنهم لا يعانون من أي اضطرابات لا نفسية ولا عقلية، ليتم جلبهم إلى المستشفى، بسبب عدم وجود مراكز تستقبلهم أو تأويهم.  ومن بين الأشخاص العقلاء المتواجدين في المستشفى”3 إخوة يقطنون في ولاية بومرداس والذين تم تحويلهم من دار العجزة بدون أي سبب، ليجدوا أنفسهم في مستشفى المجانين بميلة، لأكثر من 3 سنوات، ورغم أن الإدارة قامت بالبحث عن ذويهم، إلا أنها فشلت في ذلك، ليبقى هؤلاء الثلاثة في المصلحة لثلاث سنوات . وما لفت انتباهنا، مراهقة ظنناها أنها مصابة بانهيار عصبي أو تعاني من حالة نفسية، إلا أن العاملين في المصحة، أخبرونا أنها تبلغ من العمر 17سنة، تم جلبها من ولاية أم لبواقي بعد أن كانت متشردة، كما أنها لا تعاني من أي اضطرابات نفسية.  مشردون في مستشفى المجانين منذ أكثر من 10 سنوات! المتشردون أيضا تم الزج بهم في المصلحة ذاتها، رغم أنهم لا يعانون من أي اضطرابات عقلية، حسب تصريحات عمال المستشفى، وهو ما جعل هذا الأخير يعاني من اكتظاظ رهيب، بسبب احتواء أشخاص مكانهم ليس في مستشفى الأمراض العقلية. وذكرت مصادرنا، أن هؤلاء المشردين، يوجد من بينهم من تم جلبهم من ولايات بعيدة، حيث يمكث بعضهم في مستشفى الأمراض العقلية، منذ أكثر من 10 سنوات، دون حتى أن يسأل عليهم أحد، ما جعل حياتهم مهددة بالبقاء داخل هذه المصحة.  وأفادت مصادرنا، أن 20 بالمائة من الحالات الاجتماعية تشغل أسرّة المجانين ومقيمة في المصحة منذ عدة سنوات، ما جعل المستشفى يعاني من اكتظاظ رهيب، نتيجة استقطابه أكثر من العدد المفروض في المصحة، خاصة وأن المرضى بعد تماثلهم للشفاء، ترفض عائلتهم استقبالهم خوفا من ارتكاب جرائم أخرى.

عائلات تتخلى عن مرضاها رغم شفائهم!

وما لاحظته “وقت الجزائر” في عين المكان، فإن بعض العائلات قد تخلت عن مرضاها، وترفض حتى زيارتهم، حيث أن هؤلاء الذين تماثلوا للشفاء متواجدين منذ عدة سنوات بمستشفى موسى شعبان، في وقت كان يجب أن يدمجوا مع المجتمع، الذي رفضهم، ليكملوا باقي حياتهم داخل أسوار المستشفى، لتصبح هذه الفئة تعيش وضعا أسوأ، إذ تتضرر كثيرا نتيجة الاكتظاظ الذي تتسبب فيه الحالات الاجتماعية المحتجزة في المستشفى، مما يترتب عنها من مشاكل نفسية أخرى للمرضى والموظفين. كما يشتكي القائمون على المستشفى، من الحالات التي تماثلت للشفاء، والتي ترفض عائلتهم استقبالهم، لاسيما من ارتكبوا جرائم القتل، وأكدوا في حديثهم لـ«وقت الجزائر”، أن هؤلاء متواجدين بالمستشفى منذ أكثر من 10 سنوات، حيث لا يسأل عنهم أحد من عائلاتهم منذ مدة طويلة”، وبالرغم أن إدارة المصحة، قامت بمراسلة العائلات لأخذ أبنائهم، إلا أنها رفضت خوفا من ارتكاب جرائم أخرى، الأمر الذي جعل المستشفى تبقي على هؤلاء، لأن القانون لا يسمح بترك هؤلاء أو رميهم للشارع.

مرضى يقيمون بالمصحة منذ 15 سنة!

وحسب تصريح موظفي المستشفى، فإن المرضى الذين تماثلوا للشفاء، لا أمل لديهم في الخروج إلى الحياة والاندماج في المجتمع، بعد أن رفضت عائلاتهم استقبالهم، ليضطروا قضاء ما بقي من حياتهم داخل المستشفى. وحسب تصريح العمال بالمستشفى، فإن هناك مرضى يقيمون في المصحة منذ أكثر من 15 سنة، وذلك لعدم وجود أقارب يعتنون بهم أو أحد يمكنه استيعابهم، كذلك لعدم وجود مراكز تستقبلهم وتأويهم.

 25 محبوسا اعتراهم الجنون أثناء فترة العقوبة

كما يعاني عمال مستشفى الأمراض العقلية موسى شعبان بوادي العثمانية ولاية ميلة، من مشكل الدفن، حيث في حالة وفاة أي مريض لديهم، يقومون أولا بوضع إعلان في الجريدة، ليكملوا بعدها الإجراءات الإدارية التي تأخذ وقتا كبيرا من أجل دفن النزيل أو المريض لديهم. ومن جهته، صرح مسؤول في مستشفى الأمراض العقلية موسى شعبان بوادي العثمانية ولاية ميلة، في حديثه لـ«وقت الجزائر”، أن 70 مريضا موقوفا، ثبت جنونه أثناء فترة عقوبته، متواجدون في ذات المصحة، يقول -المتحدث- هؤلاء يخضعون لقانون إدارة السجون، بالرغم من أن المستشفى لديها طابع مدني وليست مهيأة من الناحية الهيكلية ولا من الناحية البشرية، وهو ما يجعل إدارة المستشفى تعاني من هذا المشكل خوفا من هروب هؤلاء. وذكر المسؤول، أن 25 محبوسا سنهم بين 20 و50 سنة، اعتراهم المرض أثناء فترة العقوبة، متواجدون حاليا في المستشفى، مشيرا إلى أن متوسط إقامة المريض عقليا داخل المصلحة هي 60 يوما، حيث أن مدة الملاحظة من 15 إلى 45 يوما، ومن خلال هذه المدة، يعطي الطبيب تقريرا حول المريض الذي يشكل خطرا على المجتمع.

 فكراش: “من الضروري التمييز بين مراكز الإيواء ومصلحة الأمراض العقلية”

وفي هذا الشأن، ترى الأخصائية النفسانية سميرة فكراش في حديثها مع “وقت الجزائر”، أنه من الضروري أن يتم التميز بين مراكز الإيواء ومصلحة الأمراض العقلية، ما يعرضهم لخطر معنوي، لهذا تقول المتحدثة – من الضروري إنشاء هياكل خاصة بهؤلاء الأشخاص”.وأضافت ذات المتحدثة، أن المستشفى أصبح يعاني من ضغط رهيب، وخلل في تسيير المصحة، مفيدة في السياق ذاته، أن هذا الأمر يسبب ضغطا على المستخدمين أو العاملين في المصحة، حيث ينتج عنها طريقة غير عقلانية في تسيير ومتابعة مرضاهم.وتقول الأخصائية النفسانية “إنه من الضروري على السلطات المعنية بالتنسيق مع وزارتي التضامن والصحة على تحديد المهام لكل الهيئات”، مشيرة إلى أن وجود أشخاص عقلاء في مستشفى الأمراض العقلية أو النفسية، ينتج عنه مشاكل، لاسيما وأن المرضى يحتاجون إلى متابعات وجلسات نفسية يومية للشفاء. واستنكرت سميرة فكراش، رفض بعض العائلات استقبال مرضاهم بعد تماثلهم للشفاء، مشيرة إلى أنه من الضروري على المساعدين الاجتماعين لعب دورها كما ينبغي، لأن هؤلاء هم في فترة انتقالية، كما أنه من المفروض على الأخصائيين الاجتماعيين أن يكونوا همزة وصل بين المريض الذي تماثل للشفاء وعائلته لتهيئته جيدا، حتى يندمج مرة أخرى مع المجتمع حتى لا يتركب جريمة أخرى.

 فرجاني: “من الخطأ الخلط بين المرضى والعقلاء في مستشفى واحد”  

ومن جانبه، قال فرجاني محمد، أخصائي نفساني، في تصريح لـ«وقت الجزائر”، إن هؤلاء المتواجدين في المصحة حالات ميؤوس منها، زجت بهم عائلاتهم في مستشفى الأمراض العقلية للتخلص منها. وحسب المتحدث، فإنه يجب وضع مادة في القانون لتنظيم المؤسسات، لاحتواء هذه الفئة سواء كانوا مرضى عقليا أو مسنين، ويجب وضعهم في مؤسسات خاصة بهم وعدم الخلط بين القاصر والمسن. وأشار الأخصائي النفساني، أنه “من الخطأ الكبير وضع عقلاء مع مرضى في مصلحة واحدة”، داعيا الحكومة إلى “إنشاء مراكز إيواء خاصة بكل فئة، مع إنشاء خلية لمتابعتهم والبحث عن ذويهم”. وذكر محدثنا، أن بعض المسنين يصابون بنوبات عصبية تستدعي وجودهم في المصحات النفسية، إلا أن ذويهم يتركونهم في المستشفى ولا يقومون بزيارتهم خوفا من إعادتهم إلى المنزل. وفيما يخص الحالات التي أصيبت بالجنون أثناء فترة العقوبة، وتماثلت للشفاء، قال فرجاني محمد، إن “هناك أشخاصا يصابون باضطرابات عقلية، هذه الحالة تحتاج إلى رعاية نفسية واهتمام من عائلته وليس المصحة النفسانية، إلا أن أسرته تتبرأ منه وترفض استقباله مرة ثانية، وهو الخطأ بعينه يقول –المتحدث-. وحسب فرجاني، فإنه من الخطأ الكبير أن نعاقب ذلك الشخص، خاصة وأنه تمت معاقبته وأنهى فترة عقوبته وتماثل للشفاء، لأن تجريمه مرة ثانية سيؤدي إلى عواقب وخيمة وارتكاب جرائم أخرى، وأشار المتحدث، إلى أنه “من الضروري أن تقوم أسرته بلعب دورها ومتابعة مريضها، حتى يستطيع أن يندمج مع المجتمع”. وتابع الأخصائي النفساني، أن “هذه الحالات تترك في مستشفى الأمراض العقلية، بحيث يتواجد بعض الأشخاص في المصحات منذ عدة سنوات، وهذا بعد أن رفضت عائلاتهم أن تستقبلهم مرة ثانية، مما يجعل المستشفى يعاني من اكتظاظ رهيب”.

عن Wakteldjazair

تحقق أيضا

الجزائر تواجه صعوبات في إنتاج النفط والغاز

تراجـــــع بـ1.3 بالمائـــــة مقارنــــــــة بـ2018 عرف إنتاج الجزائر من النفط والغاز الطبيعي تراجعا بـ 1.3 …

22 راغبا في الترشح للرئاسيات

سحبوا استمارات اكتتاب التوقيعات سحب، إلى غاية أمس، 22 راغبا في الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة …

“نزع الأعضاء من أشخاص متوفين هو الحل”

ميراوي بخصوص تطوير زرع الأعضاء صرح وزير الصحة والسكان واصلاح المستشفيات، محمد ميراوي، أمس، بالجزائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *