نتنياهو ودونية الشعور بالتفوق

أصاب الكاتب الإسرائيلي المستنير والليبرالي، كوبي نيف، في مقال له في جريدة «هآرتس» الإسرائيلية، يوم الاثنين الماضي، بعنوان: «بيبي ليس المشكلة، وغانتس ليس الحل». بيبي هو بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، ورئيس حزب الليكود اليميني العنصري. وغانتس هو بنيامين (بيني) غانتس، رئيس أركان جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي الأسبق، ورئيس حزب «مناعة (قوة) إسرائيل» الذي شكله مؤخرا، وينافس نتنياهو وحزبه من خلاله في الانتخابات البرلمانية المقبلة في إسرائيل، يوم التاسع من ابريل/نيسان المقبل. مشكلة إسرائيل الحقيقية أنها تقوم على ثلاث قواعد واهية، وهي بذلك إلى زوال، طالما بقيت معتمدة على هذه القواعد غير السليمة:(1) قاعدة خرافة وعد إلهي، يجعل من إلههم سمسار أراضٍ وعقارات، و(2) قاعدة الاعتماد على القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية، و(3) قاعدة احتلال واستعمار أرض فلسطين وشعبها.

عماد شقور/ كاتب فلسطيني هذا، غير الحرص الصهيوني المرَضي المتمثل في تثبيت القدَمين في الشرق، مع حرص مرَضي مقابل في تثبيت الرأس في الغرب. فهم لا يحترمون دين العرب ولا لغة العرب ولا ثقافة العرب. وأكثر من ذلك أنهم يخلطون الدين بالعرق، فلا «يبشِّرون» بالمسيحية مثل الاستعمار الغربي، ولا «يدعون» للإسلام مثل الاستعمار العربي. والتطرق إلى هذا الموضوع يستدعي التمييز بين نوعَي الاستعمارين المذكورين، كما سأُحاول عرض وجهة نظري في فقرة لاحقة. أذكر في هذا السياق قولا مأثورا للرئيس الأول لجمهورية كينيا الحديثة، وقائد ثورتها للتحرر من الاستعمار البريطاني، جومو كنياتا، عندما لخّص سبب الثورة على ذلك الاستعمار، الذي جاء إلى بلاده مبشِّرا بالبروتستانتينية المسيحية: «لقد أعطونا السماء وأخذوا الأرض». وذلك في حين أعطت بلجيكا، مثلا، الكاثوليكية المسيحية للشعب الكونغولي، واستعمرت أرض وشعب الكونغو. وهكذا فعلت بقية دول الاستعمار الغربي الأوروبي مع بقية شعوب وقبائل دول افريقيا السوداء التي لم تكن المسيحية ولا الإسلام قد وصلاها. مقابل ذلك، نرى الحركة اليهودية الصهيونية تحرص على احتلال واستعمار شعب فلسطين وأرض فلسطين و«سماء» فلسطين أيضا، إذ ليس في اليهودية ما يقابل «التبشير» المسيحي بالمسيحية والإنجيل، ولا ما يقابل «الدعوة» الاسلامية إلى الإسلام والقرآن. نقف ونتحسر على حالنا كفلسطينيين، وعلى حال أبنائنا وأحفادنا من هذا الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي. لكننا نتحسر أيضا على حال الإسرائيليين وأبنائهم وأحفادهم أيضا من هذا الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي. ولا أعتقد، مطلقا، أن أي إنسان سَوِي يعمل بوظيفة سجّان، يشعر بسعادة حجزه وتعذيبه لسجين. أعود هنا إلى ما أوردته من قناعة راسخة لدي، حول التشابه، من جهة، بين «الاستعمار الغربي» و«الاستعمار العربي»، وحول الاختلاف، حد التناقض بين هذين «الاستعمارين». تشابه الاستعمار الغربي مع «الاستعمار» العربي، بعمل كل منهما على نشر عقيدته وقناعاته وأسلوب حياته وقِيَمه حيث وصل. لكن الاستعمار الغربي نهَبَ حيث وصل، وبنى عواصمه وحواضره وبلده. أما «الاستعمار» العربي فقد بنى حيث وصل. لم يأخذ خيرات ما بين النهرين ويبني المدينة المنورة ولا مكة المكرمة، لا نجد ولا الحجاز. بنى وطوّر الكوفة وبغداد. بنى وطوّر الشام وفلسطين. بنى حيث وصل من طشقند إلى إسلام آباد وتخوم الصين. ودرة التاج كانت جنوب شبه جزيرة ايبيريا، (اسبانيا والبرتغال في أيامنا)، حيث الحمراء «الهامبرا» وطليطلة «توليدو» وكل الاندلس «اندلوسيا» هذه الأيام. مشكلتنا بل ومصيبتنا مع إسرائيل وغالبية الإسرائيليين إنهم لا يقرأون التاريخ، ولا يستوعبون عِبَرَه. في تحريض نتنياهو للأوروبيين وللغرب بشكل عام، في خطابه في الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر الماضي، عاب عليهم أنهم لم يستوعبوا دروس التاريخ في مواجهتهم للنازية الألمانية في بداياتها، وأنهم تساهلوا معها وتغاضوا عن مخاطرها، وهو ما قاد إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، مع عشرات كثيرة من ملايين القتلى والضحايا فيها، (عشرين مليون ضحية في الاتحاد السوفيتي وحده). هذا كلام تضليل لا علاقة له بالحقائق الواقعية التي نلمسها هذه الأيام. فرنسا والمانيا حليفتان بعد مئات من سنين عداء وحروب وسفك دماء على جانبي الحدود بينهما، كل أوروبا الحقيقية الفاعلة تتوحد وتضع حكايا وعداوات الماضي وأنهار الدم خلفها، وتتطلع وتبني مستقبلا بلا معاناة ولا حدود ولا حواجز ولا دماء ولا دموع، وحده نتنياهو يحرض العالم ضد إيران. وحده نتنياهو يحرض اليهود ضد العرب في إسرائيل. وحده نتنياهو يحرض اليمين العنصري الفاشي الطاغي في إسرائيل، ضد كل بصيص أمل وضوء في إسرائيل، مثل بتسيلم وكاسري الصمت والصحافيين الليبراليين والعاقلين وشبه العاقلين في الصحافة الإسرائيلية. في الخامس من نوفمبر الماضي، جمع نتنياهو أعضاء حزبه (الليكود) في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي). كان بين قاله لهم: «في الشرق الأوسط يفسرون كل تنازل على أنه علامة ضعف… الكلام عن وجود احتلال هو «حكي فاضي».. ليس هناك احتلال. والقوة هي الأمر الأكثر أهمية في السياسة الخارجية لدولة إسرائيل. هناك دول عملاقة احتلت وغيرت السكان ولا أحد يتحدث عن ذلك. فالقوة هي الأساس وهي المفتاح. القوة هي التي تغيّر كل شيء في سياستنا تجاه دول العالم العربي». نسي نتنياهو حقيقة جوهرية. هذا المفتاح، مفتاح القوة، وقف عاجزا في مواجهة «القفل» الفلسطيني على مدى أكثر من قرن كامل من الزمان. وسيستعصي عليه مهما حاول وناور، ومهما استمال من خارجين عرب عن صف الحق والعدل، حتى ولو كانوا يمسكون بمفاتيح دينية أكثر قوة ومناعة وعنفوانا. ليس في إسرائيل هذه الأيام، لا من يمين نتنياهو ولا من كل الأحزاب التي تنافس حزبه اليميني العنصري على استلام السلطة، أي بشرى لسلام قريب. فليس نتنياهو (وحده) هو المشكلة، وليس غانتس (وحزبه) هو الحل. لست طبيبا نفسيا، هذا ليس تخصصي، لكنني أعتقد أن ما تعانيه قيادات الحركة الصهيونية ومشايعيها من اليهود، وأولهم وعلى رأسهم نتنياهو، هي عقدة ومرض نفسي، أسمح لنفسي أن أطلق عليه اسم مرض «دونية الشعور بالتفوق».

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *