هاجس الفيضانات يخيم من جديد على قسنطينة

إجراءات استعجالية ولجنة وزارية لتقييم الوضع 

المسؤولـــون المحليـــون فــي قفــــص الاتهـــام

مليزي: “الفيضـــانـــات الأخيـــرة كلفت الخزينة 25 مليار دج”

عاد من جديد هاجس الفيضانات ومخاطرها ليخيم على الجو العام لمدينة قسنطينة التي عاشت من مساء الأربعاء إلى الخميس كارثة حقيقية، راح ضحيتها امرأة في عقدها الرابع ورجل في عقده الخامس وإصابة 11 شخصا وتضرر العشرات من المركبات والمنازل، ناهيك عن مخلفات السيول الجارفة وصور الكارثة الطبيعية التي كان بالإمكان تفاديها بأقل الأضرار والخروج منها بسلام، لو أن مخططات حماية المدينة من الفيضانات قد طبق، من خلال تسريح وتهيئة البالوعات وتنظيف الوديان، وما إلى ذلك من المهام الموكلة لرؤساء البلديات ومختلف الهيئات التنفيذية بالولاية، التي أبانت مرة أخرى تقاعسها، ليكون المواطن القسنطيني هو الضحية الأولى، ويتكرر مرة أخرى سيناريو المدينة الجديدة علي منجلي.

قسنطينة تغرق في دقائق

عاشت ولاية قسنطينة مساء الأربعاء، على وقع تساقطات مطرية غزيرة بلغت 80 ملم في ساعات قليلة خلال المساء، لتتحول إلى منطقة تجرفها السيول من كل حد وصوب وتوقف كلي لحركة السير، ناهيك عن انقطاع التيار الكهربائي وخدمات الهاتف الثابت والمحمول، ومياه جارفة لكل ما هو في طريقها، عشرات المواطنين كانوا عالقين بالطرقات داخل سياراتهم ووسائل النقل، وآخرون داخل محلاتهم ومنازل غمرتها المياه وانهيارات للصخور واهتراء كلي للطرقات، بسبب كميات المياه المتدفقة من أعالي جبل الوحش وواد زياد، الذي تحول إلى سيل كبير زادته انحدارات منطقة جبل الوحش في سرعة التدفق والجريان وانسداد البالوعات، التي كان من شأنها التقليص من حجم وكمية المياه، ليحصد الأخير الأخضر واليابس ويخلف وراءه كارثة حقيقية.

وفاة امرأة ورجل ومنطقة “الكنطولي” منطقة منكوبة

وكانت أكثر المناطق المتضررة من هذه الاضطرابات الجوية، منطقة الكنطولي التابعة لبلدية حامة بوزيان، التي غمرتها المياه في غضون دقائق، بعدما ارتفع منسوب وادي زياد إلى معدلات كبيرة جدا، لم يتمكن الأخير من احتمال منسوب المياه، فحدثت فيضانات في كل مكان وامتلأت كل الطرقات بالمياه التي جرفت الأخضر واليابس، ما تسبب في وفاة امرأة في عقدها الرابع وهي أم لأربعة أبناء وتعمل كمحامية بمحكمة قسنطينة، كانت في طريق عودتها إلى منزلها مساء. والضحية الثانية، هو رجل في عقده الخامس يقطن ببلدية حامة بوزيان ويعمل ببلدية قسنطينة، وحسب ما صرح به طبيب الحماية المدنية، فإن الضحيتان تعرضتا لتوقف مفاجئ للقلب، بعدما غمرتهما المياه داخل سيارتهما، فيما أصيب 11 شخصا آخر بجروح متفاوتة الخطورة وتحطم 45 سيارة كانت على متن الطريق 27 الوطني الذي تحول إلى نهر جار في دقائق قليلة.

  منازل تغمرها المياه ومواطنون عالقون

لم تكن منطقة “الكنطولي” المنطقة الوحيدة المتضررة من هذه الفيضانات، فقد عرفت عديد الجهات بقسنطينة حالة كارثية جراء كميات المياه المتساقطة بمعدلات خيالية، حيث عرفت أعالي جبل الوحش نفس السيناريو، بعدما غمرت المياه إحدى المدارس قامت على خلفيتها مصالح الحماية المدنية بالتدخل وإجلاء التلاميذ وإنقاذ طفل من خطر الغرق والموت، وليس بعيدا عن هذه المنطقة، عاش كل من سكان حي ساقية سيدي يوسف والأمير عبد القادر حالة من الرعب، بعدما غمرت المياه العديد من المنازل والمحلات وتساقطات كبيرة للأتربة والصخور وكميات المياه المتدفقة القادمة من أعالي جبل الوحش وتوقف كلي لحركة السير، بعدما علقت عشرات السيارات بهذا المحور، وهو ذات السيناريو بوسط مدينة قسنطينة والمدينة العتيقة التي عرفت بعض الانهيارات للمنازل، أما بالطريق الوطني رقم 3 وتحديدا بمنطقة الرحالة أمام مصنع الإسمنت بين بلدية حامة بوزيان وديدوش مراد، فقد غمرت السيول الطرقات وتسببت في تضرر عشرات السيارات.

  المواطنون يحمّلون السلطات مسؤولية ما حدث

في دقائق قليلة، عاد سيناريو فيضانات المدينة الجديدة علي منجلي قبل ثلاث سنوات إلى الأذهان، وما خلفه من خسائر مادية وبشرية، كان السبب الأول فيها، هو عدم الالتزام بتهيئة وتنظيف البالوعات والمجاري والطرقات، لتحدث الكارثة التي تكررت مرة أخرى بقسنطينة، حيث ألقى عديد المواطنين باللوم على المسؤولين، بسبب عدم الالتزام بالتنظيف الدوري للبالوعات وتهيئتها بما يتماشى ومتطلبات العصر، خاصة وأن قسنطينة قد صنفت من بين الولايات المهددة بالفيضانات، وفي حديث مع عدد من سكان الكنطولي أكثر المناطق تضررا، أكدوا أن المجرى المخصص لوادي زياد قد تم تقليص حجمه قبل مدة بوضع حواجز إسمنتية، ما جعل كميات المياه الهائلة القادمة من أعالي جبل الوحش تغمر الطرقات، بسبب ضيق الفتحة المخصصة لصب المياه بالوادي، ناهيك عن غياب التهيئة لهذا الوادي، الذي تملأه الحجارة والقمامة والحواجز الإسمنتية المتواجدة على طول الطريق، تسبب في ركود المياه وتجمعها بشكل رهيب على مستوى الطريق الوطني رقم 27، ما أدى إلى غرق المركبات وكانت النتيجة وفاة شخصين وإصابة العديد من الأشخاص، وحالة من الغضب وسط المواطنين الذين ألقوا باللوم على السلطات المحلية.

  هبة تضامنية ونقص الإمكانيات يزيد من صعوبة الأمر

أبدى مواطنو قسنطينة حسا تضامنيا كبيرا، بعدما حدث، حيث كانت العلامة الكاملة للسكان في هبة تضامنية كبيرة، بعدما تأخرت فرق الحماية المدنية وباقي الهيئات في الحضور لموقع الكارثة بمختلف الجهات وتحديدا منطقة الكنطولي، حيث اضطر سكان المنطقة وكذا أصحاب السيارات العالقة إلى التكاثف من أجل إخراج الأشخاص العالقين داخل السيارات، وتقديم العون لهم وكذا لسكان المنازل التي غمرتها المياه عن بكرة أبيها، ودامت العملية إلى ساعات متأخرة من الليل، خاصة وأن المنطقة معروفة بمنحدراتها الصعبة، كما قام السكان بإزالة الحجارة والأتربة والأوحال التي جرفتها السيول بوسائلهم البسيطة وتقديم الإسعافات للجرحى وإخراج جثة الضحيتين، فيما أظهرت مرة أخرى هذه الكارثة عجز الولاية عن احتواء الوضع، بسبب قلة الإمكانيات، إذ تمت الاستعانة بالوسائل البشرية والمادية لبعض الولايات المجاورة تمثلت في 18سيارة إسعاف وطواقمها الطبية من أجل إسعاف الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات، فيما تدخل أعوان الأمن لتقديم يد العون بتسخير مختلف العتاد والأطقم البشرية.

قسنطينة تودع فقيديها وحالة من الحزن تخيم على المدينة

بعد ليلة سوداء وسيناريو وصفه البعض بأنه يشابه أفلام الخيال، ترك وراءه كارثة حقيقية ودمارا كبيرا ووفاة امرأة ورجل، حيث تم تشيع جنازتهما ظهر الخميس بالمقبرة المركزية بوسط مدينة قسنطينة بحضور السلطات الولائية، العسكرية والأمنية وممثلي من ثلاث وزارات. وقد ساد الحزن الجو العام للولاية وحالة حداد عبرت عنها مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، التي تضامنت مع أسر الفقيدين، وصورهما التي تناقلتها مختلف الصفحات، ناهيك عن زيارات تضامنية تم تنظيمها من قبل المواطنين لتعزية ومواساة العائلتين وتقديم يد العون.

لجنة وزارية لتقييم الوضع وتدابير استعجالية

مباشرة بعد ما حدث مساء الأربعاء بقسنطينة، قام وزير الداخلية نور الدين بدوي، بإيفاد لجنة وزارية للولاية، والتي حلت بها يوم الخميس مكونة من ثلاث وزارات شملت المندوب الوطني للمخاطر الكبرى، الأمين العام لوزارة الموارد المائية، الأمين العام لوزارة المنشآت وممثل لوزير الأشغال العمومية، من أجل تقييم الوضع وإيجاد حلول استعجاليه، بعد اجتماع تقييمي للخسائر المسجلة، حيث تقرر خلال هذا الاجتماع، الانطلاق في دراسة لتهيئة وادي زياد وتكليف مكتب دراسات محلي بإعداد الدراسة لتهيئته والعمل على تنظيفه وتطهيره وتزويد المنازل المشيدة بالقرب من الوادي بشبكة الصرف الصحي، فيما تقرر اتخاذ إجراءات استعجالية أخرى، أهمها الاستعانة بعتاد الولايات المجاورة، في انتظار تخصيص غلاف مالي لاقتناء عتاد جديد، فتح معبر للمياه، إنجاز حواف الطرقات وتكليف مدير الأشغال العمومية بإعداد بطاقة تقنية ومحافظ الغابات بغرس وتشجير  حواف الوادي ومناطق الانزلاق بالأشجار.

مليزي: “الفيضانات الأخيرة كلفت الخزينة 25 مليار دج”

وخلال هذا الاجتماع الذي احتضنه مقر الولاية، كشف المندوب الوطني للمخاطر الكبرى، مليزي الطاهر، أن الفيضانات الأخيرة التي شهدتها 18ولاية، كلفت الخزينة العمومية 25 مليار دج، كما كشف عن التحضير لندوة وطنية حول تسيير المخاطر الكبرى، وذلك شهر أكتوبر الداخل، لتقييم الوضع العام للكوارث الطبيعية، في مقدمتها الفيضانات التي تحولت إلى هاجس حقيقي يهدد الجزائر خلال السنوات الأخيرة، وغالبا ما يخلف وراءه كوارث حقيقية وخسائر بشرية ومادية، حيث أصبح من الضروري وضع مخططات جادة وخاصة لتفادي ما يحدث.

 

هيبة عزيون

عن Wakteldjazair

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *