الرئيسية / أقلام / هيئة الأركان الإسرائيلية شككت في نوايا السادات وخشيت من خدعة

هيئة الأركان الإسرائيلية شككت في نوايا السادات وخشيت من خدعة

أربعون عاما مرت على قيام الرئيس الراحل أنور السادات بإدارة ظهره للعالم العربي، والتورط بسلام انفرادي مع إسرائيل، تكشف بروتوكولات تاريخية فيها أن قادتها العسكريون دعوا الجيش قبيل مغادرته البلاد بساعات، في نهاية زيارة دامت ثلاثة أيام، للاستعداد للحرب خوفا من خدعة ماكرة غطاؤها مبادرة سلام. 

وبمناسبة هذه الذكرى كشف أرشيف الجيش الإسرائيلي أمس، محضر جلستين من جلسات القيادة العامة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1977، التي تشير إلى خلافات في أوساط القيادة حول جدية نوايا الضيف المصري واحتمال قيامه بخدعة ربما تستنسخ مباغتة إسرائيل في حرب 1973.
يشار الى أن السادات أقدم على خطوة انفرادية وقام في 20 تشرين الثاني، بزيارة القدس المحتلة وتقديم خطاب تاريخي داخل البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) تحدث فيه عن قراره «الذهاب إلى أرض الخصم في حين لا يزال في حالة حرب» ورغبته في تدمير جدران العداء والشك، التي تفصل بين الشعبين. ومع ذلك وبعد يومين من ذلك، لم يكن جميع الذين حضروا اجتماع القيادة العامة للجيش متفائلين، فبعد أربع سنوات من حرب يوم الغفران، أثار الجنرالات أسئلة عديدة حول نوايا السادات. وكشف أن رئيس أركان جيش الاحتلال موطي غور قد عرض موقفا حذرا، وقال إنه تلقى تعليمات من وزارة الأمن: «جهز خدمات الطوارئ للحرب».

ماذا يريد السادات؟
وقال قائد القيادة الجنوبية في جيش الاحتلال هرتسل شفير، «إن سؤالي الأول هو ما إذا كان بإمكاننا معرفة ما يريد السادات تحقيقه؟»، مضيفا «الجواب لا – هناك غموض كبير». وفي استعراض شامل لخطاب السادات في الكنيست تابع شفير «تحدث السادات عن إنهاء حالة الحرب في المنطقة لا عن سلام». أما قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال موشيه  ليفي فقد بدا قلقا،  فنوه في مداخلته وفق الارشيفات بأن السادات لم ينطق بكلمة واحدة عن السلام. في المقابل، فهم الجنرال أفيغدور بن غال الحدث التاريخي بشكل أكبر، وقال «إن حقيقة وصول الرئيس المصري إلى أرض إسرائيل وخطابه أمام الكنيست يعد اختراقا تاريخيا بالغ الجدية، هذا ليس تحركا دعائيا بل خطوة مخلصة وصادقة من حيث الشخصية السياسية المعقدة للرئيس المصري».

حوار طرشان
واعتبر بن غال أن خطابي بيغن والسادات التقليديين في الكنيست كانا بمثابة «حوار الطرشان» لأنهما لم يبديا مرونة، ومع ذلك انتقد الحكومة الإسرائيلية وتابع “أن الحكومة أظهرت افتقارها إلى الفهم وانعدام المرونة ولم تفهم الفرصة الكبيرة التي نالتها الدولة في حقيقة ظهور الرئيس المصري في إسرائيل. الأمر المرن الوحيد هنا يكمن بمجرد زيارة رئيس مصري لإسرائيل، وهذه شق طريقا جديدة.  لم نر تغييرا في المواقف التقليدية الإسرائيلية بل لم نشهد محاولة إلقاء طرف حبل من أجل استمرار مثمر للمسيرة”..
وانضم رئيس المخابرات العسكرية، الجنرال شلومو غزيت، إلى هذا الموقف، بل انتقد خطاب رئيس الوزراء بيغن في الكنيست، الذي اعتبر أكثر صرامة من خطاب السادات. وتابع «ليس من واجبي تحليل السياسة الإسرائيلية في الخطابات الإسرائيلية. ولكن يمكن القول بوضوح إن خطاب رئيس الوزراء لم يكن خطابا اقترب بطريقة ما من المواقف التي قدمها السادات». كما أشار غازيت إلى أن القاهرة خاب أملها من خطاب مناحيم بيغن المتصلب الخالي من أي تنازل لا بموضوع الانسحاب ولا بموضوع القضية الفلسطينية، مقابل الخطوة العظيمة للسادات التي لم تقابل إسرائيليا.

الملوك العرب
وكان الجنرال رفائيل إيتان، نائب رئيس هيئة الأركان متفائلا: «اعتقد أن المواقف البعيدة التي أظهرها الجانبان هي شيء طبيعي في مثل هذه المفاوضات، غير العادية، أو في مثل هذا العمل الاستثنائي الكامن في هذه الزيارة. لا يمكن أن يكون هناك أي تقارب كبير في المواقف… حقيقة الزيارة هي إنجاز بكونها مفاوضات مباشرة … هذه هي المرة الأولى التي يتحقق فيها شيء نطالب به، ونضغط في اتجاهه ونعمل من أجله…» . وتابع ايتان الذي قاد الحرب على لبنان في 1982 بصفته قائدا للجيش «لدينا مفاوضات مباشرة وعلنية لأول مرة في التاريخ … اسمحوا لنا بالعمل بهذه الطريقة وسنرى ما سيسفر عنه ذلك. إذا كان الملوك والحكام العرب يملكون عقلا، فإنهم سيرسلون إلى هنا أحدهم مرة كل شهر، وهنا سوف يتوقفون عن العمل، وبذلك سوف يكسبون الكثير من الأرباح». كما يستدل من ارشيف آخر انه قد طرحت القضية الفلسطينية على الطاولة بعد دعوة السادات لانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وإقامة دولة فلسطينية. وقال غزيت»»يجب أن نعترف بحل المشكلة الفلسطينية». وقال بن غال: «اعترف بأن هناك مشكلة فلسطينية وسيثبت التاريخ ذلك في نهاية المطاف، يمكن لنا تأجيل قيام دولة فلسطينية بإجراءات كهذه أو تلك، ولكن هناك حركة وطنية قائمة ونشطة، وتستند في نهاية الأمر ليس على السياسيين، وإنما على رغبة العرب الصادقة في الوصول إلى دولة مستقلة».

القضية الفلسطينية
وقال غور إنه جرت في الماضي مناقشات في هيئة الأركان العامة مع غولدا مائير وموشى ديان، قال خلالها الجنرالات لرئيس الوزراء ووزير الأمن إنه «لا يمكنكما تجاهل المشكلة الفلسطينية وعليكما أن تقدما جوابا». ووفقا لقوله فإن «غولدا التي جلست على هذا الكرسي ضُغطت إلى الجدار». وتحدث العميد أفيغدور سمحوني، أيضا، عن الاعتراف بالفلسطينيين: «حتى من أجل قتل الفلسطينيين، يجب أن يكونوا قائمين بالنسبة لنا ونعترف بهم بغض النظر عما تعتقد أنه يجب أن تفعل بهم، أن تمنحهم دولة أو لا تمنحهم. أولا وقبل كل شيء إنهم قائمون. أنت تقاتلهم، تقتلهم ويقتلونك، وتقوم بعمليات لديهم وهم يقومون بعمليات لديك».

مقاهي بيروت
ويوضح محضر لجلسة أخرى تمت بعد أسبوع من الزيارة التاريخية، أن وزير الأمن وقتها عازر وايزمان قال معقبا إن السادات يشعر بتعرضه للضرب قليلا، وليس صدفة أن أول من سأل عنه كان أريئيل شارون الذي حاصر قوات الجيش المصري في حرب 1973. وضمن الجدل الداخلي حول نوايا السادات قال وايزمان إن “الرئيس المصري الراحل كمن أعاد مليون مصري للعيش على ضفاف القناة لن يسارع للدخول في حرب جديدة”.
ومع ذلك بدا وايزمان غير قاطع برؤيته والخوف من مفاجأة جديدة تختبىء خلف كلماته «من فتح النار في 1973 بمقدوره أن يفتح بها مجددا لكن الآن ليست هذه الحالة أكثر أو أقل». وفي الشأن الفلسطيني قال وايزمان إن الموضوع الفلسطيني كان وسيبقى مركزيا، لكن السادات لا يكترث لو تم  التخلص من هؤلاء الفلسطينيين. أقول لكم إنه يتحدث بشكل مختلف عنهم ويكفي أنه لم يذكر بخطابه منظمة التحرير الفلسطينية وهذا ليس صدفة. وفي القاهرة سمعته يقول بعد عودته من القدس: هناك شاهدت المقاتلين في السجون وليس هؤلاء الذين يقضون لياليهم في مقاهي بيروت، قاصدا الفلسطينيين. من جهته تدخل عندئذ الجنرال غازيت بالقول: الحديث عن نواد ليلية لا عن مقاه في بيروت، وهذا يعني أن لديه شعورا معينا بالاحتقار لكل هذا الموضوع”.

وديع عواودة/ كاتب فلسطيني

شاهد أيضاً

باب الريح.. الخيارات الصعبة لمصر في سيناء

بقي الامتداد للشرق مؤشراً لنفوذ مصر، ففي العصور الفرعونية كان الشرق يمثل التهديد المحدق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *